ريشة لا تطير
تأليف: هدى الدغفق
الناشر: دار الفارابييستشفّ القارئ لمجموعة قصائد شعرية في كتاب ما، أن لدى بعض الشعراء فكرة أساسية ونقطة لا تنفك تطل برأسها بين الفينة والأخرى في معظم القصائد، كأنها لعنة أو وسواس أو وهم حياتي مقيم، يلاحق الفكر والنفس والحواس. هكذا نشعر عندما نقرأ قصائد الشاعرة والكاتبة السعودية « هدى الدغفق»، في ديوانيها: «ريشة لا تطير» و{امرأة لم تكن» (دار الفرابي، بيروت 2008). اختارت نصوصهما من ثلاث مجموعات شعرية هي: «الظل إلى الأعلى»، «لهفة جديدة»، «حقل فراش» (ما زالت تحت الطبع)، وهما ينضحان بمعاناة المرأة السعودية ويشيان بالنظرة السلبية للمجتمع تجاهها.تقول الشاعرة: «تعدّ التقاليد والعادات أبرز ما يعوّق مسيرة المرأة السعودية، المثقفة وغير المثقفة، ما زالت المرأة عرضة لرقابة الأسرة التي لا تحفل بها ولا تشجع سعيها إلى التعبير عن وعيها ورأيها بحرية، والظهور بمظهر يليق بها وبقيمتها الإنسانية، على الرغم مما تفيض به روحها وذاتها المستقلة والمتمرّدة من طاقات إبداعية وثقافية وإرادة فكرية وصبر على معناها المقهور بمعاناتها».ولأن المرأة السعودية عموماً «ذات لا تستريح سوى على سرير قصيدتها الساحرة»، صوّرتها الدغفق على تلك الشاكلة، ونجد في متن القصائد تفاصيل أكثر للتعبير عنها، ولا يخلو الأمر من جمالية في الصور والتراكيب اللفظية، كذلك تساعد النصوص، التي اختارتها الشاعرة، القارئ في تكوين انطباع لا بأس به عن الحركة الشعرية التي كانت المبدعة السعودية أكثر استفادة فيها من الحداثة الإبداعية وأكثر قابلية للتعامل مع أدوات التعبير المتطورة.أما النقاط الملحاحة دائماً على رأس الشاعرة ووجدانها، فهي تيمة الأهل والمجتمع والغربة والعباءة التي ترمز إلى أكثر من معناها الحسي المادي. ها هي الشاعرة غريبة بين أهلها ومجتمعها وفي غربتها تشكو الأهل والعادات، تقول في قصيدة «دائرة»:...خوف يزيد يغامرنيثم لا أهلبين لا أهل تكثر فيك القصيدةوفي الشارع الحرّ نختارهم...لا نفس ناهض بهملا نفس ناهض دونهمعودوك على موتهمغربة مرّةأو فأهل أمرّأين تتجه الآن؟»الأهلهنا تبرز قيمة «الأهل»، أحد هموم الاغتراب الكبير عن الذات. تتحقق ذات الشاعرة في محيطها الأسري الاجتماعي، فهي في علاقتها به كعلاقة السمك بالماء، فكيف إذا كان الماء لا ماء في نظرها؟ وكأن الشاعرة تقول لنا إن إبداعات الشعر هي وليدة الحرمان وفقدان الذات، إنها محاولة دفاعية ووقائية للتعويض والإحساس بالوجود، وجود الذات على مستويات الفكر والمعنى والشعور والجسد.الأهل هنا، كمصدر للحياة هم مصدر للموت أيضاً، واذا كانوا مصدرًا للحرية فهم يسببون لك الاختناق أيضاً. هم الجنة وهم النار في الوقت ذاته، هم الشيء ونقيضه، ولا غنى للشاعر عن ذلك، فكانت القصيدة أصدق تعبير عن المعاناة لديها.طائرها هي الشاعرة/ المرأة طائر يغرّد خارج سرب المجتمع وتعبر قصيدة «العبء» عن معاناة ذوبان الفرد في الجماعة أو عن المعاناة الكبرى حين يرفض ذلك الذوبان: «وحين ألتقي بها مبادئي،يقتص شعبي كل خيط بيناألفظ الأنفاسأشعل الفتيل من جديدوحين ألتقي بهشعبي الذي نسيت في جحيمه مطامحي أقتص سرب أجنحة كانت تطيروأستعد للهبوط الأبدي»أما المرأة/ الزوجة فهي مسلوبة حقوقها ومصيرها محتوم، تقول في قصيدتها «الزوجة»:لست سوى امرأة تأكلها النواياتتوضأ بالأحلام الخجلىامرأة ترشف العسلتزهر الأبناءستذبلينلا يحنو عليك سوى أرض تلملمكِ حفرتها السوداء هكذا...»هكذا تذبل وتذوي كزهرة الصبا، استهلكت في العادات البالية وفي بيت الزوجية كربة منزل وطاهية وأم لأولاد كثر، ولم تر خارج هذا السور الكبير المزيّن بصور جميلة، فاعتراها شعور وحشة القبر بعدما استفاقت مذعورة على مرور الزمن بسرعة.الأنثىها هي الأنثى التلميذة التي ترى سبورتها البعيدة عن سبورة الصف أمامها، مراهقة ذكية تحلم بالأفق الكبير والبعيد، هنا انتفاضة على الطفولة الساكنة والمقموعة وعلى النظام المدرسي وعلى العباءة والقيد: لم أعد التلميذة الساكنة في كرسيها وما زلت أفرمن كل دفتر يشبه دفتر المدرسةقبل أن ألبس العباءة، نسجت روحي عباءة لدفتريفيه خبأت بذورهالا أدري بعد لماذا تنبت في الصف؟!»ها هي العباءَة تأكل صاحبتها ومرتديتها، وحيث قد لا ينفع اخضرار الحقل أو تجديد البذار:«تتكسر هذه الأم... الفلاح لا يخضر، تنمو صغيرتهفي أقصى خيالها قصائد، كل يوم تبذرها الصغيرة التي تنمو.. وتأكلها العباءَة»يعود شبح العباءة للظهور مرة أخرى في ديوان «حقل الفراش»، فتقول الشاعرة في قصيدة «عباءَة ..أمضي»:حقيبة فارغة أعود لم تخبرني آلامي. أمضي عباءَة أهل رماد أحلاميثم تبرز مرة أخرى قيمة الأهل في الديوان نفسه، بعد ديوان «الظل إلى أعلى»، لنجد في قصيدتها «الذين نشاء» انتفاضة ضد هذا الجيل القديم وغضبا من وصية الآخرين:«وحيدة أفئدتنا، يتامى عقول ولدتمونا...أباؤنا الأدنى علماً... إلى متى نسرف في عبئكم؟»الشاعرة هي لسان حال كل امرأة سعودية حرّكها وعيها لوجودها نحو تغييره، ولا سبيل لها سوى القارئ الذي سيساندها حين تتوجه إليه بالقول في مستهل كتابها «امرأة... لم تكن»:إلى قارئي، لغتي لا مكان لها، لا زمان سواك»قصائد الدغفق جديرة بالقراءة، والشاعرة جديرة بالتقدير.