درجاني قدَّم رواية دوستويفسكي ممسرحة حلم رجل مضحك... تفاصيل مشغولة بالمعاناة والبوح

نشر في 20-05-2008 | 00:00
آخر تحديث 20-05-2008 | 00:00

«حلم رجل مضحك» رواية للكاتب الروسي الشهير دوستويفسكي، استطاع المخرج د.طلال درجاني أن ينقلها ببراعة إلى خشبة المسرح، في محاولة لاستنطاق هذا الرجل المضحك والإفصاح عمّا غيّبه النص الأصلي.

بدت مسرحية «حلم رجل مضحك» التي بدأت عروضها منذ شهر تقريباً على خشبة المسرح الثقافي الروسي في بيروت (إخراج د. درجاني وتمثيل حسام الصباح، كميل يوسف وساندرا ملحم) مثيرة للجدل، أولاً، كونها رواية ممسرحة، وثانياً لأنها للكاتب الشهير دوستويفسكي، والمضمون العبقري نفسه الذين نرى فيه صورتنا من خلال تعبير مسرحي عن الذات البشرية يصل الى درجة البوح الذي يظل بحاجة الى التمثلات والتشكلات في مساحات أخرى خارجها، وعلى مستويات جديدة غير متوقعة، كامنة فيه. لقد ابتدع دوستويفسكي لعالمنا كوكب الأرض عالماً موازياً، ليرينا ذواتنا في المرآة من خلال حلم هذا الرجل المقدم على الانتحار. أراد أن يبيّن لنا كم نحن تافهون وأشرار على كوكبنا وسوف نفسد العوالم الأخرى. وبين الوهم والواقع والكذب والتصديق، تتمّ رحلة الرجل المضحك في حلمه أو في الرواية، ليأتي المخرج درجاني فينقلها الى المسرح محاولاً استنطاقها، في تحدٍّ بدا صعباً، محاولاً بعناد الإفصاح عما غيّبه النص الأصلي او مفسّرا له مسرحياً، أو ينبش بعض دلالاته الكثيرة. درجاني الذي عرف بمحاولاته المتعددة، في الإشتغال على القصة والرواية باتجاه المسرح أصاب نجاحات عدّة. وهنا في هذا العمل على رغم نجاحه بدا وكأنه بحاجة الى «دراموتورج» آخر الى جانبه ليساعده في فكّ طلاسم النص الروائي للانتقال به مسرحياً على مستوى النص، لأن الانتقال من المعقول به الروائي أو القصصي الى الفعل المسرحي ليس عملاً إخراجيا فحسب بقدر ما هو أيضا رؤية تكتمل بالإخراج لكنها تبدأ بدراموتورجيا النص. إذا كان النص الروائي هنا لا يحتمل شكلاً سوى السيرة الذاتية التي أضاف المخرج إليها شخصية الولد المعوّق والأبله من رواية أخرى للكاتب نفسه، فلأن السيرة الذاتية هي موتولج عادي يرتفع الى مستوى البوح الشخصاني للذات ولنا نحن المتفرجين بقدر ما له من مرجعيات خارج إطار النص واستدعاءات لعوالم انطلاقاً من تفعيله على الخشبة.

الرجل المضحك

يشترك اعتراف حسام الصباح بطل العرض بحرفيّة قارب بها شخصية الرواية، فجاءت مفعمة مسرحياً بهذا التردد الإنفعالي ومجبولة بمعاناة داخليه كجبل في جوفه نار حيث كنا طوال مدة العرض بانتظار البركان الذي لم يثر كفاية حيناً ويبقى أقل نشاطاً حينا آخر، على رغم الاعتمال الداخلي الذي بقي واضحاً في النبرة الصوتية وفي تلك العبارات المشددة لكنها مكبوتة، والقوية، لكنها نادراً ما كان ينفلت منها شذرات صوتية وترنيمات داخلية، جميلة ومؤثرة، لكثير من الأنّات الداخلية والوجع الجوّاني. لقد بدا الصباح في بث شجونه والتعبير عن معاناته أقرب الى التمثيل السردي او السرد التمثيلي منه الى شيء آخر، حتى ولو ظل الممثل القوي حاضراً فيه بقوة ودائما، غير أن السرد في الأداء جعله يقع في فخ الرقابة ولكأن الممثل يسير أفقيا في رحلته التمثيلية، وكأنه بدا مطيعاً جدا لتعاليم الإخراج وأميناً على التطبيق الحرفي لهذه الإرشادات، ولا أدري اذا كانت المهنية والحرفية وخلفية العمل لدى حسام جعلته يبدو مقموعاً او مكبوتاً في أدائه أحيانا، وكأن ذلك في عين المخرج تطابق لمعنى المعاناة الداخلية للشخصية مع معاناة الممثل في علاقته بالمخرج، فجاءت الصورة مزدوجة أو متطابقة. وإذا كان التمثيل نوعا من المونودراما الجديدة في هذه المسرحية، على رغم وجود ممثلين آخرين فإن اللبس يبقى على مستوى تفسير الدلالات. ومن يتحركون من ممثلين على الخشبة الى جانب الممثل الرئيس هم أشياؤه وأشخاصه، يستخدمهم كأدواته مسرحياً في أدائه لفعله الدرامي، عن قصد أو عن غير قصد، أو أن هؤلاء هم آخرون، ممثلون لهم شخصياتهم وأدوارهم المستقلة والمتصلة والمنفصلة في آن معاً، مع الممثل الرئيس. وهنا تنبري التساؤلات حول هويتها، فالرجل المعوّق او الأبله كميل يوسف لم تتضح علاقته بالرجل المضحك كثيراً، وكنا نتمنى لو انه الموازي له او أناه الأخرى، صورته او قرينه. في خط موازٍ، فالممثل الصباح الذي يتلو سيرته ويحاول تقيؤ حياته الداخلية أمامنا، والمعتمد أكثر على الكلام، كان بحاجة الى تفسير درامي أكثر، فإذا لم يقم به هو كان على كميل أن يقوم به وكذلك ساندرا.

فالتفسير الدلالي هنا لا يعني حتماً معنى الكلام فحسب بقدر ما هو احتمالات المعنى الكثيرة لأمور لا يقولها النص صراحة، أي هي بقيت متضمّنة فيه على رغم انفتاحها على احتمالات عدة.

تواصل

فالفتاة الراقصة ساندرا قد ورد ذكرها كطفلة صغيرة في كلام الرجل المضحك كما في الرواية، وفي تقييم علاقتها به، يجوز التساؤل عن مسارها المستقل، فهل هو متكامل بصرف النظر عن علاقتها الحركية او المسرحية في المكان بالرجل المضحك؟ هل هي تشعر باكتمال او اشباع لرغبة التمثيل الراقص وبوجودها على الخشبة في حيزها الخاص؟ في رقصها التعبيري والدرامي، إنها ضمير الآخر، لم ترقص لكي تموت ولم تمت لكي ترقص. كنا نتمنى أن تتضّح تلك الآلية اكثر ما بين الوجود واللا وجود، لذلك الجسد الجميل الذي ينطق ألماً، كبعد اجمالي يحاول اختراق الأبعاد الى خارجه، ويتعدى حدوده كجسد، ليملأ الخشبة، غير أن الالتزام بالتواصل الجسدي معبّر مع «الرجل المضحك» قد قزّم مدى التشطي حيث كنا ننتظر الكثير من هذا الرقص ومن رقصة الموت ما بين الموت والحياة، بأن ينفجر الجسد بحركاته فيتشظى كزوبعة أو صاعقة، اجتاحت المكان خشبة وقاعة متفرّجين، لتستريح الروح.

كذلك كان كميل وساندرا يتحركان ضمن مسار ما ويحركان الديكور السينوغرافيا الجميلة من ضمن وظيفتها. فماذا كانا سيفعلان من دون الممثل الرئيس؟ هل كانا سيشعران بثقلهما على الخشبة؟ هل وجودهما الدرامي والأيقوني هو من وجود الرجل المضحك حسام؟ تساؤلات تجدر إثارتها ما بين المخرج والممثل، والسينوغرافيا هذه لوظائف متعددة، استطاع كميل وساندرا بتناسقهما الحركي أن يجعلاها تتبّدل مع تطور العرض. وفي بعض الأحيان لم يكن ذلك خفياً على عين المشاهد. اللهم إذا كان مشدوداً الى تمثيل حسام، فيفاجأ بتبّدل في الفضاء الحركي، لقد نجح المخرج في استنفاد دلالات السينوغرافيا بالتمام والكمال مع نهاية عرضه المسرحي، الممتلئ بالحساسية المفرطة والتفاصيل المشغولة بدقة، فطلال درجاني يحرص دائما على اتقان التفاصيل ليبرز فيها شيطان إبداعه المسرحي لابساً ثوب ملاك السماء.

back to top