أعاد فيها الروائي الصيني ماجيان إحياء ذكرى مذبحة تيان ان مان غيبوبة بكين... صرخة مدويّة ضد النسيان
ستولِّد رواية ما جيان البطولية حول مذبحة تيان ان مان في الصين وآثارها ردود فعل عارمة في العالم. يلتقي كاتب المقال بويد تونكن جيان المنفي الذي يتذكر ماضي الصين بكل جرأة.
خلال مذبحة ساحة «تيان ان مان» التي حدثت في حزيران (يونيو) 1989، قتلت قوى الأمن الصينية كثيرا من الطلاب والمناصرين الذين تظاهروا لأكثر من ستة أسابيع دفاعاً عن الإصلاح الديمقراطي. وتراوح عدد القتلى بين أقل من ألف وأكثر من سبعة آلاف. في العام الفائت، وقبل الاحتفال بذكرى المذبحة السنوية، ظهر إعلان صغير في صحيفة «بكين» جاء فيه: «تحياتنا إلى أمهات ضحايا الرابع من يونيو». لم تدرك الكاتبة الشابة التي وضعت هذه الكلمات أهمية معانيها، فأدى بها الجهل إلى صرفها من الخدمة بمجرد أن طُبع هذا التلميح المؤيد للاحتجاجات. في هذا المجال يقول الكاتب الصيني المنفي ما جيان: «تتمثل المأساة في أن الفتاة لم تعرف حتى أهمية التاريخ. فقد انمحت هذه الفترة من التاريخ الصيني تماماً». ويضيف: «أردت عرض هذه الأحداث وترسيخها لئلا يتمكن أحد من نسيانها». تفعل رواية جيان Beijing Coma أو «غيبوبة بكين» (ترجمة فلورا درو) أكثر من ذلك بكثير. فظهورها حدث يجب أن تبلغ أصداؤه العالم كله. إنها تُبرز ما جيان، الذي سبق أن ألَّف ثلاثة كتب حول الصين ما بعد حكم ماو تسي تونغ والتي غادرها أخيراً عام 1997، كالمعارض الشرس لبلوغ الصين موقع القوة العظمى. يقول جيان: «عندما يُمحى التاريخ، تُمحى كذلك قيم الناس الأخلاقية. من منطلق شعوري بالغضب تجاه إلغاء التاريخ، أحسست بالحاجة إلى الوقوف شاهداً عليه. في الحكومات الديكتاتورية، ثمة دائماً «صراع مستمر بين السلطات التي تريد السيطرة على التاريخ والكتّاب الذين يودون التمسك به واستعادته».على غرار نظيره السوفياتي الكاتب ألكسندر سولزنتسن في أيام المعارضة المجيدة، يجمع ما جيان الأكثر لطفاً في سلوكه، بين الخيال البانورامي المفصّل بدقة والحقيقة الرنانة. يؤكد أن المذبحة التي ارتكبتها الحكومة عام 1989 أضرت بنا جميعاً، في الشرق وفي الغرب. فقد سُحقت أجساد المحتجين تحت «دبابات النظام الذي أفلت من هذه الحادثة وأصبح أفضل صديق للعالم». أفلت الحزب الشيوعي منها مع دخول الصين في مرحلة الإزدهار. كان لهذه الحصانة «أثر مدمر على حضارة العالم». الآن، قد يدرك القادة الأجانب أن الرئيس الصيني هو جنتاو «كاذب ولكنهم يوافقون على مصادقته. يفسد مدّ يد التعاون لهؤلاء الناس قيم العالم الأخلاقية».تمرّد بطوليلا تحيي رواية Beijing Coma ذكرى عملية تمرُّد بطولية فحسب بل أيضاً تساهم في تجديدها وهذه المرة في سياق الكلام. تحدد الإطار الأشمل للماضي، الحاضر والمستقبل الذي أفلت من أيدي المتمردين. يمكن أن تبرز أحداث عظيمة، كما تشير الرواية، من أفعال صغيرة في أماكن مختلفة. نتحدث عن صرخة الحرية هذه في مقهى غرب لندن حيث أسوأ ما نخشاه هو اقتراب مدبّر لأمهات فاتنات مسلحات بعربات الأطفال. درس جيان موجة الهوس العارم الذي يسبق الألعاب الأولمبية و{النزعة المعادية للغرب» في الصين، يقول: «أصبحت بكين مسرحاً يمثل الجميع هذه المسرحية السخيفة على خشبته. ذكّرني ذلك بأجواء الثورة الثقافية عندما أثارت الحكومة حماسة الشعب القومية». يمكن لجيان زيارة الصين كمواطن عادي، لكن لا يمكنه التحدث، القراءة أو حضور الاجتماعات بصفته كاتباً: «يُشعرونك بأنك مراقب طيلة الوقت وهذا بحد ذاته يثير الخوف في النفس».ترك ما جيان وظيفته الأساسية كرسام ومصور صحافي عام 1983 بعد اتخاذ إجراءات صارمة حول «تلويث الروح» بحق البوهيميين مثله. انطلق في رحلة مثيرة للدهشة في أنحاء الصين وحوّل تجاربه إلى كتاب Red Dust. مُنعت مجموعة منفصلة من القصص البطولية حول التيبت تحت عنوان Stick Out Your Tongue من الصدور خلال انتقاله إلى هونغ كونغ. بعد قضائه فترة في ألمانيا، انتقل للإقامة في لندن حيث يقيم مع مترجمته فلورا درو، شريكته في الحياة والأدب. تنقل لغته الصينية إلى الإنكليزية الإصطلاحية بطلاقة وسرعة. ولكن هل النثر الصيني الذي يؤلفه «ما» سهل القراءة والترجمة؟ تقول: «إنه واضح جداً ومباشر. لا يخفي شيئاً. فيه روح الحياة ويتمتع بنزعة طبيعية... يحمل في طياته طابعاً تحررياً وعمقاً شعرياً عظيماً».ثورة ماو تسي تونغتتمتع رواية جيان بقيمة وثائقية مهمة، لكنها أيضاً تحرِّك المشاعر وتثيرها بصفتها رواية ملحمية. «إنها رواية في المقام الأول وأعتقد أن قوة الأدب أقوى من قوة الطغيان». يصاب بطل الرواية داي واي، المتخصص في علم الإحياء والمتحدر من عائلة موسيقية أضعفتها ثورة ماو الثقافية، برصاصة طائشة فيما تنقضّ الدبابات والجنود ساحقةً الاحتجاجات التي كان رئيس أمنها. خلال تسعينات القرن العشرين، يدخل في غيبوبة مراقباً بهدوء تشتت الصين. تصور لقطات سابقة الدراما والرعب الذي ساد الساحة. تتطلب الرواية صبر القارئ مع تطور الأحداث بشكل بطيء، لكنها تقدم مشهداً بعد مشهد، مأساة توقع الكآبة في النفس في إطار عاطفي.من «سبات» داي واي إلى سلوك الطلاب العابث فحمام الدم الذي ينتظرهم، تتسم رواية Beijing Coma بطابع مادي عميق يطبع أعمال ما جيان كلها. إنه شاعر الجسد بكل نشواته، ضعفه وصراعاته. يقول: «نعيش في أجسادنا ولكن هذه الأجساد هالكة ومحكوم عليها بأن تصبح تراباً. يعني عنوان الرواية بالصينية «من الجسد إلى التراب» وبشكل مماثل، لا يريد الحكم الاستبدادي السيطرة على عقولنا وأفكارنا فحسب بل أيضاً على أجسادنا. وتحت هذا الحكم، لا يمكنك أن تكون حتى سيد نفسك». يكتب الصحافيون بشكل غير متكلف عن البشر الذين كانوا يأكلون بنهم ويثملون ويستغرقون في الملذات لأنهم «محطمون». يبين «ما» صاحب النزعة المادية الحقيقية معنى ذلك فيقول: «في الحكم الاستبدادي، يُحطم جسدك في النهاية إذا عارضتَ الدولة». إذاً، يشكل تحرير الجسد أساس التمرد السياسي. «عندما تدرك فردانية الجسد، تشعر بتقدير ذاتك».تبين الرواية، بكل ما تكتنفه من غضب وتعاطف، وجود خيارين اثنين فحسب أمام الشعب: إما الخضوع أو النبذ. يتعلق الأمر بما لديك لتخسره كي تحافظ على حياتك. في مسألة المقاطعة، يعتقد جيان أن على السياسيين جميعاً مقاطعة الألعاب الأولمبية وأن يشارك فيها الرياضيون فحسب: «سيكون لهم أثر إيجابي في لفت انتباه العالم إلى انتهاك حقوق الإنسان». في هذه الأثناء، يمكن أن تؤدي المغالاة في الوطنية التي تطلقها بكين إلى نتائج غير مرجوة، يوضح جيان: «على الرغم من قوتها الظاهرة، إلا أنه لا يجب الافتراض أن الحزب الشيوعي غير قابل للتدمير. ما إن تشتعل هذه الحماسة القومية، لا أحد يستطيع التنبؤ بما قد تؤول إليه. ربما تدمر الحزب بحد ذاته». وفي نهاية الرواية، يزور عصفور دوري داي واي الغارق في غيبوبته. هل لهذا العصفور مكانة خاصة في التقاليد الشعرية الصينية؟ بالعكس يقول جيان، «إنه العصفور الأكثر وضاعة وحقارة. أطلق ماو هذه الحملات مشجعاً الناس على القضاء على عصافير الدوري كلها. أردت استخدام هذا الطائر الأكثر تفاهة وجدارة بالسخرية وجعله رمزاً للبحث عن الحرية». في النهاية، سيتحول هذا الطائر الضعيف إلى «كائن صغير جامد مكسور الجناحين وعاجز عن التحليق». إلا أن الرواية التي تستضيف هذا الطائر ستكون بمثابة نسر يخترق العالم بجناحيه. وفي بكين، سيخترق صوت رفرفتهما آذان الجبابرة وسيبث الخوف في نفوسهم. يُتوقع صدور رواية جيان بالطبعة الصينية في هونغ كونغ وتايوان على أن تصل إلى الصين عن طريق القرصنة والتهريب.