قصص القرآن مبدأ من قصص القرآن العلم والعبادة في ظل المؤاخاة

نشر في 26-09-2008 | 00:00
آخر تحديث 26-09-2008 | 00:00
No Image Caption
عرفت قصص الأنبياء التآخي في سبيل الحق والعلم ... وعلمنا الإسلام ـ خاتم الأديان ـ (المؤاخاة) التي على أساسها قامت دولة الإسلام في المدينة ... مدينة المعلم الأعظم ؛ رسول الله... ومدينة العلم والإيمان ..

وهكذا ... فإن التآخي أو (المؤاخاة) عملية ضرورية ؛ حث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ... قال عليه السلام : «من آخى أخاً في الله رفعه الله درجة في الجنة لا ينالها بشيء من عمله».

وقوله صلى الله عليه وسلم : «إذا التقى الأخوان فسلم أحدهما على الآخر تتساقط عنهم الخطايا كما يسقط ورق الشجر في الشتاء»...

وقال صلى الله عليه وسلم : «سبعة يظلهم الله في ظله .. رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» ..

وقال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح؛ إن نسى ذكره، وإن ذكره أعانه»..

وموسى ـ عليه السلام ـ ككل الأنبياء؛ كان له ـ كذلك ـ أخ يصاحبه في حياته، وهارون هو الأخ الأول له، ولهذا رأينا أخاه هارون حياً فاعلاً عندما أرسل الله موسى لفرعون ؛ فقال موسى لله : {وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي} (طه : 29، 30).

ـ ونرى المؤاخاة تتجلى عندما رفض بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة .. { قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ} (المائدة : 25).

ـ ونراها لما عصى بنو إسرائيل وعبدوا العجل : { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي} (الأعراف : 151).

ـ ونراها الآن في صحبته لفتاه (يوشع بن نون).

والمهم : لقد انطلق موسى ، وانطلق معه فتاه (يوشع بن نون) فحمل موسى ـ عليه السلام ـ حوتاً مالحاً في مِكتل (بكسر الميم) ؛ وانطلق هو وفتاه يمشيان؛ وهكذا تبدأ الرحلة مشياً على الأقدام حتى بلوغ البحر، ثم يتم ركوب مركب للبحث عن مجمع البحرين؛ حتى إذا فقد الحوت؛ يبحثان عن الرجل العالم ليبدءا التعلم منه ...

والسؤال هنا :

لماذا لم يأت جبريل ليدله على المكان؟!!

الجواب : ليقول لنا ادفعوا الثمن في التعلم، واتعبوا من أجله ...

اتعب يا موسى ، وابذل جهدك ليقلدك الشباب ... أمَّا لماذا يكون اللقاء في مجمع البحرين؟..

إن ذلك ليعلمنا ضرورة الاجتماع والالتقاء بين حضارتين، وثقافتين، وعلمين ... بل ضرورة التعارف والتكامل الحضاري بصفة عامة

وهنا نرى هذه الآية العظيمة من القرآن تحكي بداية القصة : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباًْ} (الكهف : 60)، إنها آية عظيمة في حب العلم ...وانظروا إلى قول كليم الله موسى : لا أبرح ... يعني : لا يهدأ لي بال ولن أستريح حتى أصل لمن يعلمني ما أجهل أو أمضي حقباً (حقباً : جمع حقبة وهي العدد الطويل من السنين) ، فهو يقول مبالغاً ليدل ويعلم يوشع على مدى إصراره على التعلم، لو أسير عمري كله حتى أتعلم من هذا الرجل سأفعل.

الهمة العالية:

فيأيها المسلم؛ هل أنت همتك كذلك ؟ ...

لقد سئل أحمد بن حنبل : متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أول قدم يضعها في الجنة.

لقد دل الإمام أحمد بهذه الإجابة ؛ على همته التي لا ترضى بغير الجنة، وعلى خشيته لله وتقواه.

أيها الناس : سيروا مع الهمم العالية ؛ فإنها هي التي توصلكم للرفعة في الدنيا والآخرة.

بالإضافة إلى ما سبق فإن هناك دروساً أخرى لشبابنا من هذا الموقف ... وهذه الدروس تؤكد لنا ضرورة الإصرار والعزيمة على التعلم .. وأهمية التواضع والأدب مع من يعلمك ..

وضرورة امتلاك نفسية سهلة مرنة غير معقدة ، مع الاستمرار ـ طول الحياة ـ في طلب العلم... فالعلم لا حدود له لا في الزمان ولا في المكان ، وهو من أعظم سبل السعادة والرقي في الدنيا والآخرة ..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير».

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسو ل الله صلى الله عليه وسلم يقول : «من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإنَّ العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر».

وعن أبي إسحاق قال : سمعت مكحولاً يقول : «طفت الأرض في طلب العلم ... أقمت بمصر، فلم أدع بها علماً إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق، ثم أتيت المدينة ، فلم أدع بهما علماً إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها».

وقال عبد الرحمن بن قاسم العتقي: «كنت آتي مالكاً غلساً (يعني : في آخر الليل) ، فأسأله عن مسألتين أو ثلاث أو أربع، وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراح صدر، فكنت آتيه كل سحر، فتوسدت مرة عتبته، فغلبتني عيني فنمت، وخرج مالك إلى المسجد ولم أشعر به، فركضتني جارية سوداء له برجلها، وقالت لي : «إن مولاك قد خرج ، ليس يغفل كما تغفل أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة». فظنت السوداء أنني عبده من كثرة ترددي عليه .

وقال ابن القاسم: أنخت بباب مالك سبع عشرة سنة ، قال : فبينما أنا عنده إذ أقبل حاج مصر، فإذا شاب متلثم دخل علينا فسلم على مالك ، فقال : أفيكم ابن القاسم ؟ ! فأشير إليَّ، فأقبل يقبل عيني، ووجدت منه ريحاً طيبة، فإذا هي رائحة الولد ، وإذا هو ابني ... وكان ابن القاسم ترك أمه حاملاً به، وكانت ابنة عمه ، وقد أخبرها عند سفره بطول إقامته وخيَّرها ، فاختارت البقاء.

ـ وبهؤلاء وأمثالهم تقدمت حضارة الإسلام على يد معلمها الأعظم محمد بن عبد الله ؛ الذي كان أول ما أنزل عليه «اقرأ باسم ربك»؛ مستفيدين من تجربة موسى في طلب العلم والبحث اللاهث مع المشقة وطول السفر، بحثاً عن المعلم الخضر عليهما السلام.

back to top