سيدني 2000 ... الدورة الأفضل تُدخل الألعاب الأولمبية عصرها الجديد
نظمت سيدني الأسترالية النسخة الـ27 من الألعاب الأولمبية الصيفية من 15 سبتمبر حتى 1 أكتوبر من عام 2000، وتلك كانت المرة الثانية التي تستضيف فيها أستراليا الأولمبياد بعد دورة ملبورن 1956، واعتبرت ألعاب سيدني ناجحة بكل المقاييس. نجمة الدورة الأولى آنذاك كانت الأميركية ماريون جونز التي باتت في ما بعد، تحديداً في 2007، الخيبة الكبرى بعد إقرارها بتناول المنشطات.
أعلن رئيس اللجنة الاولمبية الدولية الماركيز خوان انطونيو سامارانش اختتام دورة سيدني الاولمبية في 1 أكتوبر عام 2000، بعد منافسات انطلقت في 15 سبتمبر، وثبت تفوقها على الصعد كافة بعبارته الشهيرة «أعلن نهاية الألعاب الاولمبية في سيدني، الأفضل في التاريخ»... هذه الجملة التي انتظرها الجميع منه، لتصبح «سيدني 2000» نهاية ناجحة للقرن العشرين، ومتنفسا للحركة الاولمبية ولجنتها الدولية بعد «فشل» أتلانتا قبل أربعة أعوام، وافتضاح أمر منح «رشاوى» لاستضافة الألعاب الشتوية سنة 2002 في مدينة سولت ليك سيتي الاميركية.ووسط غمرة الفرح في الصفحة الأخيرة من ألعاب سيدني، التي جاءت بمنزلة «نفحة إنعاش»، تساءل محبو الرياضة هل بدأ عصر جديد للألعاب الاولمبية؟وهؤلاء انتظروا الموعد الجديد في القارة البعيدة بلهفة من ينتظر النسيم العليل أيام القيظ، وبعدما غادر كثر منهم «أتلانتا» محبطين ومنزعجين بسبب فظاظة المنظمين والفشل التكنولوجي وفوضى المواصلات.وجاءت حفلة الافتتاح بمنزلة حلم صيفي وتحية لثقافة المواطنين الأصليين وأنشودة للمصالحة، وعبرت الحفلة بشكل خيالي عن تاريخ أستراليا.احتضنت أستراليا الالعاب للمرة الثانية في أقل من نصف قرن، وكانت الأولى في ملبورن عام 1956، لكن شتان بين المناسبتين، فمن تأجج الصراع بين الشرق والغرب ونشوء حركات التحرر والمحاور والكتل والاعتداءات والاجتياحات، إلى بزوغ العولمة الكبيرة، إذ جمعت الدورة الأخيرة 10651 مشاركا بينهم 4069 امرأة من 199 دولة، وهو رقم قياسي جديد.وسار وفد تيمور الشرقية خلف الراية الاولمبية، ومشى مشاركو الكوريتين معا في طابور العرض.وكان الجميع على موعد المنافسة في 300 مسابقة ضمن 29 لعبة هي: ألعاب القوى، التجديف، كرة السلة، البادمنتون، البيسبول، الملاكمة، الكانوي - كاياك، الدراجات، الفروسية، المبارزة، كرة القدم، الجمباز، رفع الأثقال، كرة اليد، الهوكي على العشب، الجودو، المصارعة، السباحة، الخماسية الحديثة، السوفت بول، كرة المضرب، كرة الطاولة، الكرة الطائرة بما فيها الشاطئية، التايكوندو، الرماية، القوس، السهم، الترياتلون، الألواح الشراعية.ودخلت رسميا البرنامج المثقل والمزدحم لعبات الترياتلون والتايكوندو والخماسية الحديثة ورفع الأثقال للسيدات.و«سيدني» التي تفوقت على برلين واسطنبول ومانشستر وبكين في الحصول على شرف تنظيم الألعاب، نظمت احتفال الافتتاح في أكبر استاد أولمبي في العالم تبلغ سعته 110 آلاف متفرج، وأوقدت الشعلة العداءة كاتي فريمان من السكان الاصليين، وتلت قسم المتبارين لاعبة الهوكي على العشب ريستيل هواكس.97 ميدالية أميركية و88 روسيةوفاق اعداد أفراد «العائلة الاولمبية» في هذا العرس الكبير مئة ألف شخص منهم 47 ألف متطوع و16 ألف صحافي وإعلامي، وتابعه نحو 3،7 مليارات نسمة في مختلف انحاء العالم. وحصد أبطال من 80 دولة ميداليات بينها 51 حصل أفرادها على الذهب، وبقيت الولايات المتحدة القوة العظمى وبلغ رصيدها 97 ميدالية بينها 39 ذهبية، تلتها روسيا بـ88 ميدالية (32)، ثم الصين بـ59 (28). وحلت استراليا رابعة بـ58 ميدالية (16)، وتقدمت على كل من ألمانيا (57-14) وفرنسا (38-13).ومنذ الدورة الأولمبية الأولى في أثينا 1896 وحتى سيدني 2000، تتزعم الولايات المتحدة المحصلة العامة لعدد الميداليات برصيد 1975 ميدالية بينها 547 ذهبية، وتتفوق بفارق كبير على الاتحاد السوفييتي السابق (999-294)، وبريطانيا (615-224). وفي استراليا التي تشتهر بوجود أكبر نسبة من السكان المزاولين للرياضة في العالم، اعتمدت فحوصات ايبو وتحليل الدم للحد من المنشطات.34 رقماً عالمياًوبلغ حصاد الأرقام القياسية العالمية 34، منها 15رقما في السباحة، وهو الأكبر بعد دورة مونتريال 1976 (29 رقما)، و16 في رفع الأثقال ورقمين في الدراجات ورقما في الرماية.وتوجت جونز نجمة «سيدني 2000» رغم فشلها في تحقيق حلمها في إحراز خمس ذهبيات، فنالت ثلاثا من المعدن الأصفر في سباقات 100 و200 م والبدل 4 مرات 400 م وبرونزيتين في البدل 4 مرات 100 م والوثب الطويل، المسابقة التي استعادت لقبها الألمانية هايكه دريشلر بطلة 1992 وثانية 1988.ودخل أميركي آخر على خط النجومية هو مايكل جونسون، إذ بات أول عداء يحتفظ بلقبه في سباق 400 م، ثم أكمل مجموعته الاولمبية بذهبية البدل 4 مرات 400 م، رافعا رصيده إلى خمس ذهبيات منذ دورة برشلونة 1992.وفرض مواطنه موريس غرين بطل العالم وحامل الرقم القياسي في الـ100 م (79،9 ث) نفسه أسرع عداء في العالم وانتزع ذهبية السباق (9،87 ث)، وأضاف إليها أخرى في البدل 4 مرات 100 م.ومع «هروب» الفرنسية ماري جوزيه بيريك وتواريها وسط غموض كبير لتصرفها المباغت، إذ زعمت ان حياتها في خطر، خلت الساحة للاسترالية فريمان لتفوز في سباق 400 م، معززة رقمها الشخصي (48،49 ث)، وقامت بلفة شرفية محيية 100 ألف متفرج وبيدها العلم الاسترالي وعلم سكان استراليا الأصليين التي تنتمي اليهم، وأعلنت «كنت انتظر بفارغ الصبر اجتياز خط النهاية لأنهي أربع سنوات من الانتظار».سباق 10 آلاف متر مثير وحافظ الأثيوبي هايله جيريسيلاسي على لقبه في سباق 10 آلاف متر، وانتزع الفوز من الكيني بول تيرغات قبل مترين من خط النهاية في سباق مثير حبست فيه الأنفاس طويلا، محققا إنجازا سبقه إليه التشيكوسلوفاكي اميل زاتوبيك (1948 و1952) والفنلندي لاسي فيرين (1972 و1976).وزامل التشيكي يان زيليزي الاميركي كارل لويس في سجل الكبار، كونه احتفظ للمرة الثالثة بلقب رمي الرمح، وهو إنجاز سبقه إليه لويس في الوثب الطويل.وفجر اليوناني قسطنطينوس كنتيريس المفاجأة بإحرازه سباق 200 م، مقصيا المرشح الأوفر خطأ الترينيدادي أتو بولدون، وباتت ناوكو تاكاهاشي أول يابانية تحرز ذهبية الماراثون، والاميركية ستايسي دراغيلا أول امرأة تحصد الذهب في القفز بالزانة.تعويذة الأولمبيادالتعويذة كانت عبارة عن ثلاثة حيوانات أسترالية عرفت باسم «سيد وأولي وميلي» وهي ترمز إلى الأرض والماء والهواء هانتر أبرز «المتنشطين» كشفت عدد الفحوصات التي أجريت على 2000 لاعب تسع حالات لمتنشطين وكان ابرزهم هانتر.ويبدو أن الخوف من الغش اثنى الكثيرين عن اللجوء إلى المنشطات، وأدى بالتالي إلى التزام الحيطة والحذر، لذا لم يكسر أي رقم قياسي عالمي في ألعاب القوى، بينما كثرت حالات التنشط في رفع الأثقال التي شهدت تحطيم 16 رقما قياسيا أسهمت فيها السيدات اللاتي تبارين للمرة الأولى أولمبيا، وكانت الصينيات أبرزهن وأقواهن، وأول المتوجات البلغارية ايزابيلا دراغنيفا (وزن 48 كلغ).وأبرز الذين اكتشف تورطهم بطل العالم في رمي الكرة الحديد الاميركي سي جاي هانتر زوج العداءة الشهيرة ماريون جونز، ولاعبة الجمباز الرومانية اندريا رادوكان.وإذا كان هانتر لم يشارك في المسابقة، فإن رادوكان جردت من ذهبيتها في مسابقة الفردي العام، ومنحت لمواطنتها سيمونا امانار. فشل كبير لحاملي الألقاب فشل حامل لقب سباق 1500 م الجزائري نور الدين مرسلي وخرج من الدور نصف النهائي، وأخفق بطل العالم المغربي هشام الكروج مرة جديدة واكتفى بالميدالية الفضية خلف الكيني نواه نغيني... والأمر ذاته ينطبق على الدنماركي الكيني الأصل ويلسون كيبكتيير الذي خسر معركة سباق 800 م في مصلحة الألماني نيلس شومان وبفارق 0،6 ثانية.كما خاب أمل بطل برشلونة في الـ100 م الكندي دونوفان بايلي الذي خرج من نصف النهائي، وحامل الرقم القياسي في المسابقة العشارية التشيكي توماس دفوراك، إذ حل خامسا، والاوكراني سيرغي بوبكا في القفز بالزانة.ولم تترك اللعنة الروسية سفتلانا ماستركوفا بطلة الـ 800 و1500 م، فأقصيت في الدور الأول لسباق 1500 م اثر توقفها بداعي الألم في ساقها اليسرى، وحرم جرح الاميركية غايل ديفرز من المتابعة في سباق 100 م حواجز فخرجت في نصف النهائي ولم تستطع الدفاع عن لقبها.كما أخفقت بطلة السباعية السورية غادة شعاع وانسحبت بعد سباق 100 م حواجز، بداعي الإصابة.وفشل الرباعي التركي نعيم سليمان اوغلو (33 عاما) في إحراز لقبه الرابع على التوالي (وزن 62 كلغ)، فعاد لقب بطل الحديد إلى مواطنه هليل موتلو (وزن 56 كلغ)، بينما اعتبر الإيراني حسين رضا زاده بطل وزن فوق 105 كلغ «هرقل الألعاب».وعاد بخفي حنين، المصارع الروسي الشهير الكسندر كارلين (وزن 130 كلغ) الذي تعرض لخسارته الأولى منذ 1987، على يدي الاميركي المغمور رولون غاردنر (19 عاما)، والسباح الروسي الكسندر بوبوف الذي خسر سباقي 50 و100 م حرة.وفشل المنتخب البرازيلي لكرة القدم في إحراز اللقب الوحيد الذي تخلو خزانته منه، لا بل خسر في ربع النهائي أمام الكاميرون التي أحرزت اللقب في ما بعد، مؤكدة سيطرة الكرة الإفريقية على المسابقة الاولمبية، بعدما نالت نيجيريا شرف ان تكون أول منتخب إفريقي يفوز بذهبية الألعاب في أتلانتا 1996. نهاية تمهيدية لأولمبياد أثينا انتهت الألعاب بحفلة ضخمة راقصة بدأت بموسيقى يونانية وكأنها تمهيد للألعاب الاولمبية المقبلة في أثينا، ثم عزفت موسيقى الألفية الجديدة حول المنصة الرئيسية، حيث وزعت آخر الميداليات للماراثون لثلاثة أفارقة يتقدمهم الأثيوبي الفائز جيزاغني أبيرا.ووجد كل متفرج على مقعده مغلفا يحوي تذكارات عدة لتبرير ارتفاع ثمن البطاقات، وأغلاها بلغ نحو 800 دولار، في حين عرضت أربع شاشات عملاقة أفضل لحظات الاولمبياد. أستراليا بطلة الفروسية قبضت استراليا مجددا على لقب المسابقة الكاملة في الفروسية احد أجمل المسابقات الاولمبية والمتضمنة الترويض وسباق العمق والقفز على الحواجز، وتوجت للمرة الرابعة والثالثة على التوالي بعد أعوام 1960 و1992 و1996.