فن حركة الجسد في السينما بين الأمس واليوم كاري غرانت... موهبة ليس لها نظير

نشر في 10-02-2009 | 00:00
آخر تحديث 10-02-2009 | 00:00

يبدأ فيلم التشويق North by Northwest (إخراج ألفريد هيتشكوك 1959) الذي يأخذنا إلى قمة جبل راشمور عبر طائرة زراعية مقاتلة تخطئ هدفها، بالحدث الأساسي: رجل يمشي عبر ممر. لكن بما أن هذا الرجل هو كاري غرانت، تبدو اللحظة استثنائية.

لفت انتباهنا منذ تلك الخطوة الأولى السريعة والطويلة ووتيرتها النشيطة التي تعكس التصميم، الدقّة، البراعة المتألقة. نشاهد غرانت يخرج من مصعد إلى الشارع، يملي رسالةً على السكرتيرة الموجودة إلى جانبه. لا يبدو غرانت صارماً أو جامداً، بل نلاحظ استرخاءً وسلاسةً في جسمه عندما يتحرك وينحني باتجاه سكرتيرته خلال حديثه معها. يبدو راضياً تمام الرضا عن موظفيه وفي غاية التهذيب مع مساعدته. إنه رجل لطيف وسلس كالماء، يحرّك عروقنا مع كل خطوة يخطوها.

لا تهمّ شخصية غرانت، كرئيس قسم الإعلانات، رودجر ثورنهيل، بقدر حركته التي تخطف أنفاسنا دوماً. بغض النظر عن مصدرها، سواءً كان حدسه، التدريب الذي خضع له أم المخرجين الأذكياء الذين وجّهوه، علم غرانت حقيقةً أبدية: لا شيء أكثر متعةً من مشاهدة جسم إنسان يتحرك، لأن الطريقة التي يتحرك بها تروي قصة.

فن الحركة

فن الحركة بطريقة بارعة، التمثيل الواعي للجسم، شبه غائب في الأفلام اليوم. لا أعني بين الراقصين على شاشات السينما- فهذا موضوع مختلف- لكن بين الممثلين. ما يلفت انتباهنا إلى التعبير الجسدي، التنقلات والحركات، مضامينها الدرامية والعاطفية. أتحدث هنا عن حس الموهبة، عن التمثيل الذي يحمل في طياته نبضاً محرّكاً ذات معنى. إنه أسلوب حركي نموذجي أكثر تعبيراً من لغة الجسد أو مما يسميه الممثلون بـ{الحركة العرضية» كإشعال سيجارة أو تناول مشروب. فكّروا مثلاً في خطوات غاري كوبر السريعة والمتلهّفة عبر المدينة باتجاه الكنيسة في فيلم High Noon، معتقداً أنه سيتمكن من حشد جمع من المتعبّدين للإنضمام إليه في التصدي لمجموعة من المجرمين. من ثم نلاحظ مشيته الصلبة والمتألّمة في طريق عودته إلى المدينة عندما يفشل في جلب العون. لا ينطق بأي حرف، لكن الثقل الذي يشعر به موجود في ساقيه، فلا يسعنا إلا أن نتألم لدى النظر إليه.

يوحي لنا الأسلوب الذي يتحرك به الشخص بأمر أساسي وأولي، إذ يشكل طريقة تواصل بين الكائنات الحية. قد يكون هذا الأسلوب ماكراً جداً إلى حد لن نلاحظه، لكن عندما يتحرك الممثل بصدق وعن عمد، ستتبعه أعيننا إلى أي مكان.

تكمن المشكلة في أننا لا نلاحظ ذلك دوماً. دفعتني الضجة، التي أثيرت حول المرشحين لجوائز الأوسكار لهذا العام، إلى التفكير في كيفية انتقال النزعة الفنية في التمثيل من المظاهر الخارجية إلى الداخلية. نحن نعيش في عصر اللقطات المقرّبة حيث تطغى الواقعية والحقيقة النفسية اللتان نجدهما في تعابير الوجه وفي العضلات الصغيرة التي تحيط بالعينين. ضاق أفق التركيز، وبات الضوء يُسلَّط بشكل كبير على الأجسام المثيرة، لكن الجسم كأداة تعبير غائب في الأفلام.

لعل السبب في ذلك أن الممثلين ما عادوا يتدربون على الرقص والحركة، خلافاً لما كان الأمر عليه في السنوات الأولى لصناعة الأفلام. كذلك تجتاحنا موجة من التحليل النفسي، فضلاً عن ظهور أسلوب «المحاكاة» التمثيلي منذ نصف قرن تقريباً، الذي يشدد على العواطف، الدوافع الداخلية والاستعداد الفكري. بدأ الممثلون يتجادلون حول إعاقة الحركة في المشاهد التي كانت تلقى استحساناً كبيراً من غرانت، كوبر، كارول لومبارد، كاثارين هيبورن، وغيرهم من نجوم ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته. بالنسبة إلى تلك الحقبة، كان التألق الجسدي دليلاً على التألق الداخلي. في المقابل، يعتمد الممثلون في أيامنا هذه مقاربةً أكثر شموليةً.

كاري غرانت لا نظير له

في المقابل، نتجاهل التمثيل الواعي للجسد على نحو خاطئ، فلا يمكن لأحد إنكار تأثيره في الجمهور. خذوا غرانت مثلاً، لن تحتاجوا إلى شهادتي لتعرفوا مدى عظمته. كما هو معروف، حلّلت بولين كايل في مقالها البعيد النظر The Man From Dream City شخصيته. كذلك يصف المؤرّخ ديفيد تومسون، في كتابهBiographical Dictionary of Film، غرانت بـ{أفضل النجوم السينمائيين وأكثرهم أهميةً في تاريخ السينما». فجاذبية غرانت السمراء، أسلوبه الكلامي المثقف، موهبته في الكوميديا كلها ميزات لا تقبل الشك. لكن أروع ما فيه تلك الموهبة الجسدية التي تجعله يتحرك بسلاسة تفوق الخيال، يجعلنا هذا الأمر برأيي نستمتع بمشاهدته كما خلال تلك العقود الآنفة.

ما زال غرانت حاضراً في كل دور، سواء في الطريقة التي يسير بها واضعاً يده في جيبه أو في طريقة وقوفه مع انحناء كتفيه باتجاه شريكته في التمثيل، الذي يقع سراً في حبها.

تمثلت براعة غرانت الفنية في تعبيره الجسدي وتحفظه العاطفي. على غرار الراقصين- فريد أستير، جين كيلي، وحتى نجم الباليه ميخائيل باريشنيكوف- استند في أدواره على مجموعة من التفاصيل الجسدية.

دخل عالم التمثيل بهذه الطريقة: سافر الصبي آرتشي ليتش، المولود في هورفيلد، من إنكلترا إلى الولايات المتحدة كعضو في فرقة بهلوانيين. بعدما توجّه إلى هوليوود وتحوّل اسمه إلى كاري غرانت، لم يفارقه حبه للأداء الجسدي وردود فعله الماكرة وشجاعته المتهورة.

شاهدوا فيلم - His Girl Friday 1940، أحد أروع الإبداعات في عالم السينما، من إخراج هاورد هاوكز. تندلع حرب بين محرر في صحيفة والتر بيرنز (غرانت) وزوجته السابقة هيلدي جونسون (روزاليند راسل) التي تعمل مراسلة. في أحد المشاهد، يحرّك غرانت جسده بطريقة رائعة، يظهر والتر جالساً على مائدة غداء رسمية مع زوجته السابقة (ما زال يحنّ إليها) وخطيبها الجديد، بروس (رالف بيلامي)، محاولاً أن يثبت لهيلدي مدى سخافة فكرتها الخيالية حول سعادتها المنزلية الوشيكة.

يقول غرانت بحماسة: «أجل، منزل فيه والدة»- من ثم يقهقه بلطف ويدير كتفه بعض الشيء- «وفي ألبانيا أيضاً!» قد تبدو السخرية في هذا المشهد جارحة، لكنها خفيفة ومراوغة إلى حد لم يلاحظها بروس، مع ذلك لم تُخفَ على هيلدي أو علينا.

يحسن غرانت التحكّم باللحظة، فمع كل خطوة قام بها، لفت انتباهنا إلى كتفيه، اللذين كان يضغطهما بخفّة ولم يرخهما إلى حين دلّت تلك الحركة التي تبدأ من رقبته وتزحف حتى كتفيه بأن هيلدي ترتكب خطأً غبياً. لا تستعرض تلك الحركة التي تنتهي بطرفة عين شجاعته، إنما تعكس مكر شخصيته ومشاعرها، تتسمّر حركة العضلة السلسة تلك، بالكاد تلاحظ، كصدىً أو موجة إذاعية أو رجفة في التيار العاطفي الذي يشمل غرانت وراسل ويشملنا.

فكّروا في وضعيته الدالة على الضعف وهو يحني جسده خلال تبادله الكلام الجارح مع هيبورن، تؤدي دور الزوجة السابقة وما زالت تستحوذ على قلبه في فيلم The Philadelphia Story -1940. ما لا تستطيع شفتاه التلفظ به، يهمس به جسده، فيقف على مقربة منها، منحنياً باتجاهها ورافعاً الراية البيضاء كذئب مستسلم يكشف نقطة ضعفه. في المشهد الذي يقتحم فيه منزلها قبل زواجها من رجل آخر، يظهر غرانت مدى رغبته في استعادتها من خلال تلك الخطوة الطويلة التي تلغي المسافة بينهما وتقذف به مباشرةً نحوها، فيصبح سعيه إلى اللحاق بها، مع ابتعادها عنه، أشبه برقصة تانغو مقتضبة.

عرض باليه

برع هيتشكوك في استغلال أناقة غرانت، لذا يعتبر فيلم North by Northwest بمثابة دراسة حاسمة لحركيته. نحن أمام فيلم شبيه بعرض باليه في زمننا الحديث، إذ نجد فيه ذلك الإضطراب الذي يقود موسيقى برنارد هيرمان. كذلك تنكشف القصة على شكل بنية مسرحية باليه كلاسيكية، تنتقل من البسيط إلى المعقّد في بناء الصور الرياضية، التي تدور حول ثنائي مقموع العواطف، الأهم من ذلك حول حركات غرانت المنفردة والمفعمة بالدراما والأحاسيس.

في نهاية الفيلم، يتمكن المدير التنفيذي لقسم الإعلانات اللطيف من النجاة بحياته من هجوم طائرة زراعية تنوي قتله، بخطوته التي يبذل جهده فيها لإظهار مدى ارتباكه والغبن الذي وقع فيه، فيقوم بغطسة متقنة في التراب قد يحسده عليها باريشنيكوف، ومن ثم يقوّس ظهره إلى الخلف على نحو ملفت للنظر واقفاً على أطراف أصابعه ومتفادياً رصاصات إيفا ماري سانت. تعكس كل هذه الكوميديا، التشنج والرومنسية والسرعة في الركض والتفافات الحبكة، ذلك الجسم الحي والليّن.

على الأرجح لن نشهد سيطرةً جديدة للتمثيل الواعي للجسد الذي برز في الأفلام القديمة، فسحرتنا عظمة النجوم والنجمات خلال تحركهم على الشاشة. لطالما تفوّقت الحقائق العاطفية على تلك الجسدية. لكن عندما قرّبت آلات التصوير الصورة، أصبح التركيز مسلّطاً على وجه الممثل وغدت الشخصيات أكثر «واقعيةً» من الناحية العاطفية وأكثر جموداً.

قبل أن تصبح المحاكاة رائجةً، «كان التمثيل في الأفلام الأميركية يرتبط بالتمثيل الانكليزي، حيث كانت الموهبة الجسدية أمراً في غاية الأهمية. مع مجيء مارلون براندو، عرفنا فجأةً الموهبة الجسدية»، على حد قول المؤرخ تومسون.

يتابع تومسون: «ما زالت المحاكاة رائجة، أي البحث عن الحقيقة الداخلية، والتخلي عن الأناقة والوضوح... نحن اليوم أمام أسلوب تمثيلي يكشف حقائق شخصية أكثر غرابةً».

الممثلون في عصرنا الحديث

• لم يعد لكاري غرانت أي وجود اليوم، لكن ثمة ممثلين يخطفون أنفاسنا بأداء يطغى عليه الوعي الجسدي المغري. من الأمثلة المدهشة حركة شون بين المتحرّرة والسعيدة في فيلم Milk. كذلك نجد بشكل نادر أولئك الممثلين الواعين لأجسادهم والذين يوصلون خلال حياتهم المهنية حساً من الذكاء الجسدي كما فعل غرانت.

• توم كروز أحد هؤلاء الأشخاص. قد لا يتضمن فيلم Valkyrie ما يشير إلى مهارته الرياضية، لكن سواءً كان ذلك من باب الغرور أو حساً فنياً، يعطي كروز أهميةً لبنيته الجسدية في أفلامه، لا سيما عندما يهم بالجري. أصبحت حركاته المجنونة في كثير من أفلامه مضحكة بعض الشيء، لكن الحقيقة أن أحداً لا يركض أفضل منه في فيلم Mission: Impossible III (خلال ملاحقة المروحية له ما يوعز إلى فيلم North by Northwest؟). تبدو خطاه بارعة على نحو مذهل، لا يشدّ كتفيه ولا يقوم بحركات خارجة عن إطار المشهد. كذلك يعكس تنسيقه البارع لحركات أطرافه هدفاً فكرياً غايةً في التناغم.

• فضلاً عن ذلك، يعتبر بيل موراي، الذي يبدي استرخاءً وجموداً مذهلين، نسخةً أخرى عن غرانت. ينقل لنا حساً بالإرتياح في حركاته على غرار غرانت، في فيلم Lost in Translation، الذي نجح في أدائه بوجه خال من التعابير ويتحدث بشكل أساسي عن الطاقة.

نشاهد في هذا الفيلم الصخب المزعج لحياة طوكيو الليلية، الضجر الممل الذي يجمع موراي بسكارليت جوهانسن. لكن ليس الأرق وحده الذي يجمع بين هاتين الشخصيتين غير المتكيفتين مع ظروف عيشهما واللتين تلتقيان في أحد الفنادق، إنما محفزاتهما التي تعمل بالسرعة عينها. من خلال الحياة البطيئة التي يعيشها، وأسلوبه التمثيلي الهادئ والبسيط وحركاته الجسدية الخمولة يوجد موراي شخصيةً يمكننا الوثوق بها.

• بالنسبة إلي، ثمة امرأة اليوم تذكرنا إلى حد كبير بغرانت. لطالما شدّتني كايت بلانشيت، تؤدي على نحو مثير للاهتمام دور راقصة في فيلم The Curious Case of Benjamin Button، كممثلة تتمتع بطاقة راقصة. ثمة تألّق مكبوت فيها وحس انطلاق مستتر، ما يمنحها حضوراً حيوياً حتى لو لم تكن تتحرك. بالإضافة إلى ذلك تحسن السيطرة على ذاتها وتتمتع بحذر شديد على الرغم من أدائها دوراً صغيراً كملكة الأقزام غالادريال في فيلم The Lord of the Rings: The Fellowships of the Ring. تبدو كأنها عائمة عند نزولها السلالم في المشهد الذي تؤديه في منتصف الليل، رافعةً صدرها ومقوسةً ظهرها بعض الشيء، بذلك الوجود الجسدي الثابت والمنزلق، تعكس لنا عمقاً خرافياً.

• يتمتع دنزيل واشنطن بحس تألق جلي يمنح المتفاوض بشأن الرهينة، الذي يؤدي دوره في Inside Man من إخراج سبايك لي، بعداً إضافياً من الحقيقة. يبدو في غاية القوة والهدوء بتلك الخطوة الحرّة ووتيرتها الناعمة، ما يدفعك حتماً إلى الوثوق به. من الرائع مشاهدة هذا الفيلم من منطلق الجسد وكيفية تجريد الأجسام من إنسانيتها (أجسام الرهائن في عملية سرقة مصرف) وسرقة فرديتها ومدى ثبات الشخصيات الساعية إلى السيطرة على الوضع.

back to top