القطاع الخاص أمام تحدي المبادرة: البيروقراطية وضعف البنى التحتية أبرز المعوقات
أدت عوامل كثيرة، ولاتزال، دورها في إيجاد نوع من الجمود في السوق المحلي، إزاء المبادرات التي تتقدم بها الشركات والمستثمرون الكويتيون لإقامة مشاريع آثرت السفر إلى أسواق خارجية بعد أن وجدت الأرض قاحلة محليا.هل تضغط البيئة التشريعية في الكويت على المبادرات مما يدفع الشركات الى البحث في الخارج عن مناخات لتجسيد أفكارها واقعا ملموسا؟ ام ان المبادرات الكويتية ضحلة حتى انها لا تجد لها وجهة محلية محددة، فتخرج الى بيئات خارجية توفر لها تسهيلات تفوق ما هو موجود في السوق المحلي؟ ام ان تربة الاستثمارات الخارجية اكثر خصوبة من البيئة المحلية مما يدعو الشركات الكويتية الى اقتناص الفرص الاكثر فائدة والأجدى نفعا؟
وهنا يطرح سؤال مهم ايضا: ما المعوقات التي جعلت المبادرات الكويتية تبدو ضحلة او قليلة ازاء حجم الاستثمارات الكويتية في الخارج، ذلك ان الافكار الكويتية وذات التمويل المحلي وجدت طريقا ممهدا في الاسواق الخارجية، في حين لاتزال آثارها محليا -حسب آراء كثيرة- شيئا لا يذكر؟ هذه التساؤلات كانت محور حديث «الجريدة» مع عدد من الخبراء وأصحاب الشأن، الذين قالوا ان استهتار موظف قد يبطل فكرة تكون وراءها ملايين الدنانير، الى جانب ما قد تصطدم به المبادرات الكويتية من معوقات قانونية ابرزها قانون املاك الدولة والآخر المرتبط به ارتباطا وثيقا ونقصد قانون الـ«بي أو تي».الوزان: القطاع الخاص مليء بالمبادرات أكد رئيس مجلس ادارة بنك الكويت الدولي عبد الوهاب الوزان ان القطاع الخاص مليء بالمبادرات، منها ما أخذ طريقه الى النور، وآخر بقي حبرا على ورق وثالث لايزال متداولا كأفكار تبحث عن مشجع.ولفت الوزان الى ان في مقدمة تلك العقبات، التي تعوق المبادرات عن الظهور الى واقع الوجود، النقص الملموس في التشريعات، اضافة الى اشكالية عدم وضع تلك المشاريع قيد التنفيذ، وعوائق اضحت مرضا مزمنا تتمثل بالبيروقراطية المتفشية في الدولة بأبعادها كافة.وقال ان عملية تقاسم هذه الكعكة خلطت الحابل بالنابل ما بين اصحاب الافكار والمبادرات واصحاب الرقابة وبعض اصحاب المصالح. واشار الى ان زيادة حدة المعوقات تلك ساهم في التأخر في انجاز المشاريع الحيوية وتطوير تلك الافكار او تحويلها الى مشروعات تلامس الواقع بأثر ايجابي على اقتصاد البلاد، لافتا الى ان عددا من الافكار لايزال معلقا كمشاريع السكن الخاص التي تغطي حاجة المواطنين.وبين أن القوانين ان اتخذت، فإنها لا تجد طريقها الى التنفيذ، مؤكدا ان رجال الاعمال يعيشون حالة احباط على مستوى السوق المحلي، مما دفعهم الى البحث عن فرص استثمارية اسهل واكثر ربحا في الاسواق المجاورة العربية وغيرها، لاسيما في الدول التي سعت وتسعى الى تطوير بيئاتها التشريعية.واشار الى ان المستثمرين الكويتيين دخلوا اسواق شرق آسيا نظرا الى وجود تشريعات سهلة من شأنها ان تحقق للمستثمر، شركة كان ام فردا، ما يصبو اليه من ارباح وانجاز افكاره بعد عسر ولادتها في السوق المحلي.ولفت الى ان هناك معوقات جمة ترجع الى المماحكات السياسية وانعدام الثقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.فعدم الثقة هذا يؤثر سلبا في جوانب مختلفة من الحياة الاستثمارية وغيرها، مما يجعل المستثمرين غير قادرين على المغامرة بمشاريع يعرفون مسبقا انها ستواجه اشكالية بل اشكالات لترى النور وربما لن تراه لاسباب واهية.النقي: بعض القوانين والقرارات صحيح وبعضها عائق فرَّق رئيس مجلس ادارة شركة الجزيرة القابضة محمد علي النقي بين نوعين من القرارات والقوانين، فمنها الصحيح الذي يصب في مصلحة المستثمر، ومنها ما يشكل خللا يعوق المبادرات الكويتية بمختلف انواعها.وبين النقي ان القرارات الأخيرة التي اصدرها بنك الكويت المركزي للحد من الخدمات التمويلية للمشاريع العقارية والسكن الخاص اعاقت كثيرا من المشروعات التي تعتبر مبادرات حيوية للشركات الكويتية.ولفت الى ان ما ساد من اقوال حول قوانين السكن الخاص يحمل في طياته آثارا ايجابية، ذلك ان الارتفاع الشديد لأسعار السكن الخاص وصل الى حد لا يوصف، ولكن للأسف هذه القوانين لم تكن واضحة بشكل كاف اذ امتدت آثارها لتشمل العقار الاستثماري والتجاري.واكد ان هذه الامور جعلت من المتعاملين بالعقار وشركات العقار يتوقفون مؤثرين الانتظار على المتابعة لضبابية واقع العقار وانتظارا لما قد يصدر في ما بعد من قوانين.واشار الى أن العامل النفسي لعب دورا في عملية احجام الشركات عن طرح مبادراتها في وقت من الاوقات، مشيرا الى ما حدث في الولايات المتحدة الاميركية بخصوص العقارات هناك.ووصف الوضع العالمي بأنه جيد وفي تحسن مستمر غير ان وضع تمويل العقار اوجد نوعا من الجمود وضعف العرض والطلب.ولفت الى وجود عوامل اخرى ساهمت في خفض مستوى المبادرات بعيدة عن القوانين والقرارات الرسمية ابرزها ارتفاع اسعار مواد البناء. وبين ان تكلفة المشاريع تضاعفت كثيرا مما اوجد حالة من الاحجام على المشاريع العقارية، مع ندرة نوافذ التمويل التي كانت تستطيع توفير نوع من الرضا بارتفاع الاسعار في ظل وجود تمويل لو وجد!الطواري: كيف يمكن للمستثمر المبادرة في ظل علامات الاستفهام المسبقة؟!تساءل الرئيس التنفيذي لشركة رساميل للهيكلة المالية عصام زيد الطواري عن كيفية طرح مبادرات من الشركات والمستثمرين الكويتيين وهم يعلمون ان عليهم علامات استفهام مسبقا.وبين الطواري ان الذهنية الموجودة في وضع علامة استفهام مسبقة على المتقدمين بمبادرات على مستوى السوق المحلي تعني ان المبادر جاء وهو طامع الى ذلك ينبغي التضييق عليه وامساكه بالجرم المشهود، وفي النهاية فإن الارض هي الارض وليس ثمة من يقدر على سرقة الارض، لكن الاشكالية في الاحكام المسبقة لدى الجهات الحكومية ومجلس الامة في استقبال مثل هذه المبادرات. واشار الى ان اخلال احد ما لا يعني اخلال الجميع، لان التعميم خطأ.القرطاس: المعوقات أكثر من أن تحصى!ضرب نائب رئيس مجلس الادارة العضو المنتدب في شركة مجموعة المشاريع المتحدة نزار القرطاس مثلا على كثرة المعوقات التي تحول دون تحقيق نتائج جيدة للمبادرات الكويتية، في مشروع مدينة الخيران الذي لم تصل الكهرباء فيه الا للمرحلة الاولى، علما بأن صاحب المشروع الاساسي ملتزم بالشبكة كاملة متسائلا عن سبب تأخر الوثائق لأكثر من سنة؟واشار القرطاس الى ان اهمال موظف واستخفافه بالقرارات والأفكار التي تطرح من شركات ومستثمرين كويتيين قد يميت هذه الفكرة او تلك، حارما المساهمين من ثمرة استثمار كان سيدر عليهم ارباحا تصب في نهاية المطاف في مصلحة الكويت على وجه العموم لأن الشركة اولا واخيرا كويتية. وذكر ان ثمة امورا ابسط من ان تذكر او تحسب كعائق يحولها موظف في وزارة الشؤون، على سبيل المثال، الى عائق كبير لأنه غير مداوم والتوقيع او الختم المطلوب في درجه في وقت لا يملك أحد آخر الصلاحية لمهره في حال غيابه. ولفت الى ان المعوقات ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج ترسبات طال عليها الامد حتى قست واصبحت مشكلة تحتاج الى اجتثاث من الجذور حتى يتسنى لنا وضع حد للاستهتار بأفكار لها من الآثار الايجابية الشيء الكثير.وذكر القرطاس ان جزيرة فيلكا على سبيل المثال مسكونة منذ نحو 40 سنة، وفيها بنية تحتية، فلماذا لا يُصنع فيها شيء يجذب السياح اليها، بدلا من ان يتمشى الناس بين «خراباتها»، مشيرا الى ان شركات صنعت جزرا وبنت عليها بينما فيلكا لا تزال الناس ترمقها بعين الحسرة لعدم وجود مرافق سياحية او مشاريع جاذبة.وقال كنا نعلل انفسنا بالغزو، والآن وبعد زوال جميع المعترضات ماذا بعد؟ وما اوجه الإعاقة، أليست هي البيروقراطية المقيتة بعد مرور نحو 18 سنة على الغزو؟!حيات: المبادرات موجودة والبيئة التشريعية غير مشجعة«ما أكثر مبادرات الشركات الكويتية على اختلاف قطاعات نشاطها في السوق المحلي ولكن للاسف البيئة التشريعية غير مشجعة».بهذه العبارة افتتح الخبير الاقتصادي عمران حيات حديثه الى «الجريدة»، مؤكدا ان اي مبادرة تتقدم بها شركة او مستثمر كويتي تحتاج الى وقت طويل، مما يفقد صاحبها الامل،ويدعوه الى العودة الى تقديم سواها مرة اخرى لما يلاقيه من تأخير في الحصول على الرد حتى لو كان بالرفض.ولفت حيات الى ان الكثير من المشروعات الكويتية تظل ضمن ادراج موظف مستهتر غير مبال بما تحمله صاحب هذا المشروع او المساهمون فيه من عناء، سواء من حيث دراسات الجدوى او غير ذلك من صنوف المعاناة، فضلا عن التكلفة التي تترتب على هذا التأخير في البت بالمشروع، وعن تفاوت الاسعار الذي قد يطرأ علىه ما يحتم ازدياد التكلفة عما كانت عليه عند تقديم الطلب!وذكر ان القوانين التي وضعت بخصوص مشاريع الـ «بي او تي» ليست بالمستوى المطلوب الذي كان ينتظره القطاع الخاص، وكأنه جاء على النمط الاشتراكي، وليس من باب التشجيع ان تدخل الدولة كشريك في هذا المشروع او ذاك وطرحه للاكتتاب العام! ورأى ان على الدولة ان تفرض رسوما على اي مبادرة حتى تحقق الدولة دورها كمراقب ومشرف على اي مبادرة دون ان تدخل في مشاركة غير مشجعة، متسائلا: كيف يمكن ان يضع صاحب المبادرة الافكار ويخترع المشاريع ثم يأتي آخر ليأخذ فرصته دون ان يبذل ادنى جهد؟!الدليجان: مبادرات كثيرة... ولكن!صاحب مكتب الدليجان العقاري سليمان الدليجان قال ان لدى الشركات الكويتية الكثير من المبادرات، ولكن تبقى هذه المبادرات مرتبطة بقانون املاك الدولة، وقانون الـ«بي أو تي» شبه المتوقف في ظل جدل بين مجلسي الامة والوزراء.واكد الدليجان ضرورة اقرار الـ«بي او تي» وتوضيح معالمه كي تبدأ الشركات بالتطرق الى مبادرات جديدة.ولفت الى انه من المفترض بقانون الـ«بي او تي» ان يكون مشجعا للشركات، ولكنني لا ارى ان فيه تشجيعا في ظل منع الشركات من الاقتراض والحصول على التسهيلات الائتمانية.وقال ان الحكومة لاتزال غير مقتنعة بإطلاق يد القطاع الخاص حتى لو في ظل رقابة سابقة ولاحقة في موضوع المبادرات، مشيرا الى ان الشركات العقارية كان لديها مبادرات اخذت طريقها الى النور وابدعت فيها. واشار الى ان الموضوع ليس له علاقة بالـ «بي او تي» فحسب، بل له علاقة بأملاك الدولة ،فأي عقار خارج خط التنظيم العام هو ملك دولة، وبالتالي إذا ارادت الدولة تشجيع المبادرات المحلية فيبنغي ان يكون ثمة ارض تباع وتشترى وتستثمر، وبغير وجود طرح أراض من الحكومة فإن الامر يبقى غير مشجع، على العكس تماما مما يحصل في دول الخليج الاخرى التي اطلقت يد القطاع الخاص في الاراضي الفضاء الشاسعة ليضع مشاريعه وفق قوانين واضحة.وخلافا لما قاله من التقيناهم أكد الدليجان ان البيئة التشريعية تعتبر من أخصب البيئات، وهي مشجعة وان كان فيها بعض الثغرات.