الدولار المعدوم... الفن في مواجهة انهيار وول ستريت!
نيويورك - على غرار معظم الأميركيين، غضبت الرسامة لورا جيلبرت من الفوضى الحاصلة في سوق الأسهم الأميركيّة، وتود كسر عنق المسؤولين عنها. بما أنها تعجز عن ذلك، تسأل: «ما هو شعوركم لناحية إضعاف الاقتصاد؟» و{هل نستطيع استرجاع أموالنا؟»، لكن على طريقتها الخاصة.
بخلاف معظم الأميركيين، ابتكرت جيلبرت خطة للتنفيس عن غضبها وطرح أسئلتها. استخدمت هذه الفنانة التي تعمل بدوام كامل في نيويورك، حاسوباً ومهاراتها في الرسم لإنتاج نسخة مقلصة عن العملة الخضراء تحت إسم «الدولار المعدوم». توجّهت إلى وول ستريت، على أمل أن تجد اللاعبين الذين يتحكمون بالشؤون المالية والذين ضربوا الاقتصاد وعلى حدّ قولها، «أن أواجههم بفنّي». وقفت قبل الظهر أمام ساحة فدرال بلازا، مقابل بورصة نيويورك الشهيرة، وبدا ممكناً أن تقدِم هذه المرأة الهزيلة والجامعية على مضايقة الرجال الذين يرتدون بزات زرقاء، لكن ذلك لم يحصل.كان الثلاثاء بالنسبة إلى وول ستريت يوماً غير رسمي لعرض مسرحي في الشارع قدّمته مجموعة من المحتجّين، فعجّ المكان بالمراسلين وآلات التصوير الإخبارية ومختلف فئات المحدقين. وقف ثلاثة أشخاص يرتدون سترات سوداء ويطلقون على أنفسهم اسم Billionaires for the Bailout الأشخاص عينهم الذين قدموا عرض Billionaires for Bush، وراحوا يطلقون كلمات شكر ساخرة لدافعي الضرائب لتسديدهم 700 مليار دولار أميركي. كانوا يرددون جملة «شكراً لتغطية أصولنا» كثيراً. بجوارهم، كان يرقص شخص يرتدي رأساً ورقياً كبيراً لوزير الخزانة هنري بولسون على أنغام أغنية Money That’s What I Want، في حين ترفع إحدى المجموعات عالياً لافتة كُتب عليها «الخزانة الأميركية تحت إدارة جديدة: غولدمان ساكس». كذلك، كانت امرأتان تتخفّيان وراء قناعين باللون الأبيض توزّعان عملات حقيقية بالدولار كُتب عليها «إحذروا أيها الأميركيون، اعتقلوا بوش». ردّ فنيبالمقارنة مع تلك العروض، بدت مقاربة جيلبرت أكثر استقطاباً. لم يكن من مجال للخلط بين عملتها والعملة الحقيقية، إذ طبعت وجهي العملة على ورقة واحدة في الجانب عينه، ومن ثم وقّعت ورقّمت كل ورقة كأي طبعة محدودة النسخ، لكنها طبعت 10 آلاف ورقة، مؤكدةً أن نسختها غير محددة ولا قيمة لها إطلاقاً. تقول جيلبرت في هذا السياق: «كنت أحاول التفكير في أفضل طريقة للرد فنياً على تلك الفوضى الاقتصادية. حدثت خسارة كبيرة في الثروات، فالشعب الأميركي يتكبّد خسائر فادحة في خطط الادخار للتقاعد، لأن ادخاراته تتبدّد. لذلك يعتبر «الدولار المعدوم» تعليقاً حول تلك النقطة».لكن قبل أن تبدأ جيلبرت في حشر «الدولارات المعدومة» في أيدي الحشود، حُشِرت من المراسلين التفلزيونيين، من قناة CNN، وإحدى الشبكات الألمانية، وفرق الأخبار المحلية. من ثم هوجمت من السياح. بعد 30 دقيقة، صادفت أخيراً موظفاً في الخدمات المالية، رجلاً في أواخر العشرينات يرتدي بزة.سألته جيلبرت بلطف: «ما الذي يجري برأيك؟». أجابها: «الضغط».من ثم عادت وسألته: «أي ضغط، هل تعني البيانات المجرّحة؟». ردّ الموظف: «لا، الضغط الشخصي، كدفع الإيجار». بعدئذ، اقترب من الفنانة شخص يضع بطاقة مغناطيسية حول عنقه تحمل إشارة شركة AIG. سرعان ما انقضت عليه لأن AIG هي شركة التأمين العملاقة شبه المؤمّمة والمسؤولة بشكل كبير عن الاستثمارات السيئة، السبب الرئيس للمشاكل الاقتصادية الراهنة. خاطبته كما تستفسر ممرضة عن أحوال مريض طريح الفراش: «كيف حالك؟». تتحدث جيبلبرت بهذه النبرة من منطلق شخصيتها، لأنها حساسة بطبيعتها بغض النظر عن مدى المواجهة في هذه المهمة، ولأن هذه النبرة تأتي بمثابة ردّ تجاه اللغة الجسدية لموظف AIG الذي يبدو مكسور الخاطر. هزّ الرجل كتفيه استهجاناً وقال: «الأمر يبعث على القلق. لا تدرين إن كان الفرع الذي تعملين فيه سيظل قائماً في الغد». استطاعت جيلبرت من خلال ذلك تحديد النموذج الذي يجب أن تعمل عليه، فكل من سيتوقف ويأخذ «الدولار المعدوم» لا يستحق الصراخ عليه. يبدو الجميع في حالة استهجان، وفي الأسابيع الأخيرة، خسروا بالتأكيد أكثر مما خسرته جيلبرت التي سحبت أموالها من سوق الأسهم في أغسطس (آب) 2007، بعدما تكبدت خسائر طفيفة. في تلك الأثناء، كان الأشخاص النافذون المتباهون بأنفسهم يمشون مسرعين حتى عندما تلاحقهم. يبدو ذلك العقاب غير مرض، إذ أن هذا الفن لا يستفز أحداً من المارة، فإما يحبونه أو يتجاهلونه. توقف أحد الموظفين في بنك استثماري ليؤكد بكل تهذيب أن جيلبرت في الجزء الخطأ من المدينة. أوضح الموظف في وول ستريت أليك كوشنير من خلف نظارات شمسية قاتمة: «لا يجب أن يحقد هؤلاء الأشخاص علينا، لأن عملنا يقضي بإتمام المعاملات فحسب. معظم الأشخاص هنا يعيشون في ستاتن أيلاند ويتوجهون إلى عملهم بالباص. ليسوا هم من اشترى الرهون العقارية، فجلّ ما يقومون به هو تسوية التداولات». بنوك ليمان برازرز، جي بي مورغان، وبير ستيرنز، كلها موجودة في وسط المدينة لجهة الشمال، وتبلغ تعرفة سيارة الأجرة للوصول إليها 25 دولاراً. لذلك، إن أراد أي أميركي مواجهة الأشرار الذين أوجدوا مقايضات التخلّف عن سداد القروض، فليتوجّه إلى بارك أفونيو. مفهوم الدولار المعدوم فكرة خاطئة، لأن مشكلتنا في النهاية ليست التضخّم المفرط. يشار إلى أن الدولار كان في مركز جيد في الأسابيع الأخيرة. مسؤوليةوصفت جيلبرت مشروعها لاحقاً بأنه مثير للاهتمام. توضح: «تفاجأت بعدد الموظفين في وول ستريت الذين لم يكترثوا للأمر ولمدى استجابة الآخرين. لكن لا يخفى لدى الفئتين نبرة القلق الكامنة أيضاً». إن كانت تلك التجربة في تصفية الحساب بواسطة الفن تدل على شيء إنما هو مدى الحيرة في ما يتعلق بالمسؤول عن تلك الأزمة. يجب أن يكسر عنق أحدهم، لكن من؟ لدينا قائمة طويلة بالمشتبه بهم- المضاربين، المقرضين، وسطاء الرهون العقارية، مشتري المنازل، وسواهم- لكن أحداً لا يتبنى تلك المسؤولية. حتى ريتشارد فالد، الذي أدار بنك ليمان برازرز لسنوات، لم يعترف بأية أخطاء خلال إدلائه بشهادته أمام الكونغرس، ومن المؤكد أنه لم يعتذر.