رمضان في طرابلس اللبنانية
كيف هو رمضان مدينة طرابلس اللبنانية التي كثر الحديث عنها أخيراً، بسبب الأوضاع الأمنية المتردية على محور منطقة باب التبانة وبعل محسن، هذه المدينة التي تشتهر بحلوياتها وطقوسها الاجتماعية، لها تاريخها وتحوّلاتها، فهي كانت مدينة التنوّع الاجتماعي والديني، بل مدينة السينما والثقافة والأسواق التجارية، قبل أن تأتي جحافل الأحزاب اللبنانية التي كانت تسمى «وطنية» وتهتك التنوّع الذي اتسمت به.
حدث أن استولت «حركة التوحيد» عللى طرابلس في منتصف الثمانينات وجعلتها «إمارة اسلامية» تحرم فيها وتمنع ما تريد، وسرعان ما استولت عليها المخابرات السورية الغنية عن التعريف، تلك المدينة التي يقال إنها أشبه بقنبلة موقوتة بسبب الإشاعات والأصوليات والسلاح غير الشرعي والفقر المدقع، سبق إن زرناها مراراً، رأينا أنها مدينة تدير ظهرها للبحر، ليست مفتوحة على توجهات بل مدينة عريقة تحتاج الى نهضة جديدة، فهي لا تزال تعيش على وقع ماضيها الكالح بسبب الأزمات السياسية والاحتراب، وهي تحتاج الى إعادة ترميم خصوصًا في وسطها. يشعر زائرها ببساطة العيش فيها، لكن في جانب آخر يلاحظ أنها مدينة تنام باكرًا لا حياة لليل فيها، بل ليس للسهر مطرحه في مدينة يسكنها نصف مليون إنسان.تقع طرابلس فوق سهل منُبسطٍ تغسل أطرافه الغربية مياه البحر. تبعد عن العاصمة بيروت حوالي 80 كيلو متراً وعن الحدود السورية نحو 40 كيلو متراً. يخترقها في الشرق نهر «أبو علي» المتدفّق من «ينبوع الحدائق» في وادي «قاديشا»، وهو يفصل بين ربوتَي «أبي سمراء» جنوباً و{قبة النصر» شمالاً. تضرب جذورها في عُمق التاريخ، وترقى إلى ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، أسسها الفينيقيون قبل الميلاد بنحو ألف وخمسمائة عام، وتعاقبت عليها الأمم والعهود من الفينيقيين حتى الانتداب الفرنسي، مروراً بالرومان والبيزنطيين والفرنجة والمماليك والعثمانيين. تُعتبر طرابلس المدينة الأولى بثروتها التُراثية على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، والثانية بآثارها المملوكية بعد القاهرة، وتمثل متحفاً حياً يجمع بين الأوابد الرومانية والبيزنطية والآثار الفاطمية والصليبية والعمارة المملوكية والعثمانية. تضم بين جنباتها أكثر من 160 معلماً بين قلعة، جامع، مسجد، مدرسة..ملامح عثمانيّة عندما يصل الزائر إلى الساحة المركزية لطرابلس «التل»، يجد الساعة العثمانية ذات الطبقات الخمس، المُهداة من السلطان عبد الحميد الثاني وبجوارها حديقة المنشية وقصر نوفل العثماني المعروف بمركز «رشيد كرامي الثقافي البلدي»، بعدما حوّلته بلدية المدينة إلى مكتبة عامة وقاعة محاضرات ومعارض.في ساحة الكورة التي تتجاور فيها العمارة العثمانية والحديثة، ومنها في دقيقة إلى ساحة السلطان الأشرف خليل بن قلاوون (النجمة سابقاً) حيث بداية حدود المدينة القديمة، من هنا تبدأ الجولة السياحية والغوص في سحر الشرق والتمتّع برؤية المعالم الأثرية والتاريخية بزخارفها ونقوشها، وهناك المجمع الأثري الأول وفيه : الجامع المنصوري الكبير الذي أسسه السلطان الأشرف خليل بن قلاوون، وبُني عام 1294م. هو أكبر جوامع المماليك في طرابلس ولبنان وأقدمها على الإطلاق . عند مدخله الرئيس على اليمين مدرسة الشيخ الهندي المعروفة بـ{لمشهد»، تعود إلى مطلع القرن الرابع عشر بزخارفها الملوّنة في الخارج والداخل يسار «المدرسة الشمسية»، أقدم مدارس المماليك في لبنان منذ أواخر القرن الثالث عشر وفوقها دار صاحبها القاضي شمس الدين الإسكندري ومنظرته الخشبية، وهي تقدم أقدم نموذج للبيوت المملوكية القديمة. على جانب الشارع المقابل، تقوم «المدرسة الناصرية» التي بناها السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون بين سنتي 1354-1360م. كذلك تحمل شعاره فوق بابها. إلى جوارها «مدرسة الخيرية حُسْن»، أسستها سنة 1316م. من»الجامع المنصوري» يصل الزائر إلى مدرسة الأمير شهاب الدين قرطاي، أكبر مدارس المماليك في طرابلس ولبنان، بناها بين عامي 1316 و1326. رمضان طرابلس المدينة المملوكية الثانية ما زالت حتى اليوم تحاول حفظ عاداتها الرمضانية التي طبعتها منذ عصور نظراً الى موقعها التاريخي والإسلامي، خصوصاً في مساجدها الكثيرة وزواياها التي تحيي ليالي رمضان بالصلاة والتواشيح. شهر الصيام وإن كان يختلف اليوم عنه بالأمس، إلا أنه يبقى للمتعبدين كما لمحبي اللقاءات والسهرات عنواناً للتقرب والمحبة، وفيما ينشغل فيه الأولون بتأدية طقوسهم الدينية، يذهب الآخرون الى احياء الليالي على طريقتهم، فتمتلئ بهم المقاهي الشعبية خصوصًا تلك المنتشرة في المدينة القديمة، لما لها من قيمة تراثية تعكس الإلفة والحميمية في نفوس زائريها. امتازت طرابلس بطقوس خاصة تؤديها قبل الشهر وخلاله وبعده. مع قرب حلوله، اي في الأيام الأخيرة من شعبان وتحديداً في آخر يوم عطلة منه، اعتاد الطرابلسيون عبر التاريخ إقامة «سيران رمضان»، وهو عبارة عن نزهة يقضونها في البساتين حيث يصطحبون معهم طعامهم، وتعقد بعدها حلقات الرقص، لتنتهي في بركة البداوي التي كانوا يقصدونها سيراً على الأقدام للتيمّن بها وبأسماكها، ومن بعدها الى برج رأس النهر او مطل الشرفة باتجاه المولوية، وهي خلية صوفية كانت زاوية لفرقة المولوية الشهيرة.خلال الشهر الفضيل، اعتاد الطرابلسيون إعداد الموائد المميزة التي لا يغيب عنها طبق الفتوش والحساء وصحن الفتة من محلة باب الحديد، ومعها شراب الخرنوب والتوت والسوس والحلويات، أبرزها ورد الشام والكربوج وحلاوة الجبن. لعل السكبة الطرابلسية من أهم العادات التراثية التي رافقت الشهر في أماسيه، وهي تكون بسكب صحن من الطعام كل يوم للجيران والأقارب والفقراء، ويوزّعها صبية الأحياء في صحاف ملأى بأصناف الطعام، يطوفون بها على أبواب الدور. تتشابه طرابلس في بعض العادات الموروثة في هذا الشهر مع مدن لبنانية عدة أخرى مثل مدفع رمضان الذي كان يطل من على شرفة قلعة طرابلس، واستبدل اليوم بآخر حديث نصب في محيط معرض طرابلس الدولي، بالإضافة إلى موائد الخير والحلويات التي تمتاز بنوعيتها وجودتها. طرابلس خالد زيادةطرابلس المدينة الثانية في لبنان، كتب عنها الدكتور خالد زيادة «مقاطع من سيرة مدينة (طرابلس) على البحر المتوسط» في كتاب نشرته «دار النهار» عام 1994، بعنوان «يوم الجمعة يوم الأحد». في هذا الكتاب الصغير في حجمه، نقرأ فصولاً من المنازعة التي عاشتها طرابلس بين كونها مدينة بحرية متوسطية تنفتح على حداثة القرن العشرين في زمن متأخّر، وانكفائها التقليدي على نفسها أو على الداخل. سيرة زيادة لمدينته المتنازعة بين التقليد والتحديث جعلها «ثلاثية» متصلة ومتعاقبة. بعد ثنائية «الجمعة والأحد»، كتب ثنائية أخرى عنوانها «حارات الأهل، جادات اللهو»، ثم ثالثة عنوانها «بوابات المدينة والسور الوهمي»، عن دار النهار أيضًا، قبل أن يأخذ شغف السرد الكاتب إلى رواية «حكاية فيصل»، أي الأمير فيصل، كمعلم اجتماعي – سياسي للحركة العربية إبان الحرب العالمية الأولى في ما كان يسمى بلاد الشام.حكاية طرابلس في ثلاثية زيادة، هي حكاية المنازعة الاجتماعية – السياسية التي يمكن التعرف إليها من الرموز الكثيرة: فمدينة التحديث العثماني تقابلها مدينة التحديث الفرنسي، والمدينة الكولونيالية غريمتها المدينة التقليدية القديمة وسورها، ومدينة المسجد الكبير تقابلها مدينة السرايا، ومدينة الجادات والساحات العامة تحاصر مدينة السوق القديمة والحارة، والمدينة الداخلية تقابلها المدينة البحرية والمرفأ، مدينة الدولة، أخيراً، تقف في وجهها مدينة الأهل والعامة. وإذا كانت طرابلس هي مدار تلك السيرة المعقدة، فإن مدننا العربية والاسلامية كلها ما زالت عالقة في تلك الثنائيات المأسوية.ثمة مزيج ناعم بين سيرتين في كتاب زيادة: السيرة الشخصية وسيرة المدينة، لكن السيرة الأولى لا تأخذ الحيّز الأبرز، أي إنه لا يجعلها في المقدمة، اذ غالبا ما يخفيها ويبعدها الى الكواليس، ليفضل عليها سيرة المدينة، التي هي نقطة الانطلاق والأساس في «بحثه» هذا، أقول بحثًا، هناك انطباعات ومشاهدات و{حنين» لأيام خلت، لأمور كانت تشكل طفولة ومراهقة وشبابًا، بكل ما تحمله من ماء الذكريات الأولى، ذكريات مخصبة، لم تجف بعد، كأنها حية للأبد.بين السيرتين، ثمة أزمان مختلفة، يقول الكاتب إنه في «اللحظات الحرجة، في نوبات تتكرر كل عشر سنوات تقريبا، 1948، 1958، 1967، 1975، تهديم أو تخريب عشوائي يأخذ طابع نزع الاستعمار ورموزه وأشباهه وآثاره ويصيب المؤسسات التي هي أقرب الى المثال الكولونيالي او من بقاياه».إنها المدينة المتحوّلة في فترة زمنية قصيرة، غير الثابتة في مناخ معين، لكن تراكم تلك الأزمان والحقبات، تشكل زمنا طويلا، يمتلك مقومات التبدل، لكن ثمة ملاحظات نستخلصها من كلام زيادة، وهي دور الحروب والمشاكل في تغيير هيئة المدينة وشكلها، لكن الحروب ليست وحدها من يدفع المدينة الى التبدّل، يكمن في فترات الهدوء التي تعقب الحرب أيضاً. تستدعي كل حرب تغييرا على الصعد كافة، وأبرزها الصعيد الديموغرافي. يتمركز نزوح السكان من مناطق الريف الى المدن، خلال الحرب، أحيانا وبشكل نهائي، في زمن السلم. لكن نزوح السكان الى المدينة لا يقتصر بسبب الهدوء فحسب. على مر تاريخ البشرية، كان أهل القرى ينزحون إليها لعوامل وأسباب عدة.مدينة طرابلس، التي يكتب زيادة تحوّلاتها، تبدو في أحد جوانبها، وكأنها شهيدة «الحداثة» والتحديث هنا، لا يقتصر على جانب واحد فحسب، وإنما يتغلغل الى الجوانب كافة، لكنها حداثة ناقصة.