اللاجئون العراقيون... مأساة الوطن الضائع!
ظنّ نجم عبيد هجول أنه سيكون عاد إلى بغداد بحلول الوقت الراهن. هرب رجل الأعمال هذا (49 عاماً) من العراق بعد أن أبلغه عامل في أحد مصانعه أن اسمه وارد على لائحة أهداف محليّة.
لم يكن هجول بحاجة إلى أي دليل إضافي ليصدق هذا الخبر. فقد نجا اثنان من أبنائه بأعجوبة من الخطف، وقُتل أخوه وابن أخيه رمياً بالرصاص. لذا قرر السفر، فوضّب وزوجته وأولاده السبعة أمتعتهم، ظناً منهم أن إقامتهم في المنفى ستدوم أسابيع ليس إلا. حدث ذلك قبل أربع سنوات. لكن على رغم تراجع حدّة العنف في العراق عام 2008، لا تزال عمليات الخطف والسيارات المفخخة وغيرها من الأعمال الإرهابية تهدد أمن بغداد. في هذا السياق يقول هجول، (مسلم سني)، إن حيه الذي كان مختلطاً في ما مضى بات اليوم خاضعاً لسيطرة المسلمين الشيعة. ويؤكد أنه سيُقتل لا محالة إذا عاد إلى منزله.يعيش هجول مع عائلته في شقة استأجرها في العاصمة الأردنية. يعبّر عن مشاعره، قائلاً: «أنتظر يومياً تحسُّن الأوضاع. إلا أنني لا أرى أي بصيص أمل. أشعر بأنني فقدت كل شيء في لحظة واحدة».فيما تحوّل الولايات المتحدة الأميركية تركيزها العسكري من العراق إلى أفغانستان، تخلّف وراءها أزمة إنسانية. فمنذ اجتياح عام 2003، هرب أكثر من مليوني عراقي من الفوضى التي عمت بلادهم لينعموا بأمن الأردن وسورية وغيرهما من بلدان الجوار. وقد أفقرت حركة نزوح السكان الأكبر في الشرق الأوسط بعد هرب الفلسطينيين عام 1948 مئات آلاف العائلات، وحرمت بلداً متعثراً من طبقته المحترفة. كذلك زادت العلاقات توتراً في هذه المنطقة المتقلّبة من العالم.بقيت عملية النزوح هذه في جزء كبير منها بعيدة عن الأنظار، إذ تتردد حكومات المنطقة في الاعتراف بموجة اللاجئين الجدد هذه. وبما أن العراقيين عاجزون عن العيش والعمل بطريقة شرعية في هذه البلدان، يحاولون الاختفاء سريعاً في مدن عمان ودمشق والقاهرة وبيروت. علاوة على ذلك، حظيت قلة قليلة من العراقيين (أقل من 23 ألفاً خلال السنتين الماضيتين) بفرصة السفر للعيش في أوروبا وأميركا الشمالية. وعلى رغم أن نحو 110 آلاف عادوا إلى العراق ليجرّبوا حظهم في هذا البلد المضطرب، ما زال القسم الأكبر منهم في المنفى يتخبط بين وطن تعتبره الغالبية غير آمن وبلدان يخشون فيها الاعتقال والترحيل.في هذا السياق، يوضح المفوّض الأعلى لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة أن اللاجئين العراقيين يشملون نسبة كبيرة من أصحاب الشهادات العليا، مثل الأطباء والممرضات والمدرّسين والمهندسين. ويستنفد هؤلاء راهناً مدخراتهم فيما ينتظرون تحسّن الأوضاع في العراق أو توافر فرص السفر للعيش في الخارج.بدوره يذكر عمران ريزا، ممثل المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن: «دامت إقامة اللاجئين العراقيين في المنفى فترة أطول مما توقّعوه. وبدأ اليأس يتملكهم». في الأردن وسورية مثلاً، اللذين استقبلا أكثر من ثلاثة أرباع اللاجئين، يُلام العراقيون على اكتظاظ المدارس وتحميل المستشفيات والعيادات الطبية عبئاً كبيراً ورفع كلفة السكن والوقود والطعام وغيرها من ضروريات الحياة.وفيما تتزايد الضغوط التي تُمارس على العراق ليدعم مواطنيه في الخارج، تقدّم حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي دفعات نقدية إلى اللاجئين كي يعودوا. كذلك نظمت سفارتا العراق في سورية ومصر رحلات جواً وبراً لنقل اللاجئين العائدين. إلا أن الإقبال عليها كان ضئيلاً.مساعدات أميركيّة لا يزال مروان عبد الله يعاني من الكوابيس بسبب اختطافه عام 2005. وقد دفعت عائلته 15 ألف دولار لقاء إطلاق سراحه. وبعد أن عاد إلى المنزل سالماً، هربت العائلة إلى الأردن. وعندما رجع والده إلى بغداد ليبيع المنزل، قُتل رمياً بالرصاص. «لا نملك مَن يحمينا» يقول عبد الله (18 عاماً). وبما أنه ينتمي إلى الديانة الصابئة المندائية، يأمل بأن تتمكن عائلته من العيش في بلد آخر خارج المنطقة: «لن أعود مطلقاً إلى العراق». ولأن هذه المشاعر شائعة بين اللاجئين، يستعد المسؤولون لعملية تهجير مفتوحة ستترتب عنها على الأرجح تأثيرات واسعة النطاق. حول هذه المسألة يوضح السفير جيمس فولي، المسؤول الأعلى لشؤون اللاجئين في وزارة الخارجية الأميركية: «يمثل هؤلاء الناس إلى حد بعيد مواهب العراق وأمل المستقبل العراقي. فإذا عجزوا عن العودة واستئناف حياتهم الطبيعية، فسيحدّ ذلك قدرة العراق على العودة إلى الوضع الطبيعي على الأمد البعيد».وطّنت الولايات المتحدة أكثر من 16 ألف عراقي خلال السنتين الماضيتين. ومنحت إدارة بوش الأمم المتحدة ومنظمات أخرى أكثر من 500 مليون دولار بغية معالجة هذه الأزمة. لكن النقاد يعتبرون أن البلد الذي تسبب بهذه الفوضى عليه تقديم مساعدات أكبر.تتحدث كريستال يونس، الناشطة في مؤسسة «الدولية للاجئين» في واشنطن، عن عمليات التوطين والمساعدة، قائلة: «ما هذه إلا أعداد ضئيلة». وتضيف ذاكرة أن على الولايات المتحدة بذل مجهود لحل أزمة اللاجئين يوازي ذلك الذي بذلته في الحرب: «من مصلحة الولايات المتحدة فعل ذلك. إذا أرادت أن يعود العراقيون المثقفون، الطبقة الوسطى، إلى العراق في ظل ظروف آمنة وكريمة كي يعيدوا بناء بلدهم، فعليها مساعدتهم راهناً في الدول التي لجأوا إليها ليحافظوا على ثقافتهم ومهاراتهم ويؤمنوا قوتهم».في شقة تكاد تكون فارغة من الأثاث في عمان، يملك هجول وثائق تدلّ على حياة رغيدة: أوراق ملكية مصانع تنتج الرخام وجلود الخراف للتصدير، صكوك منزل حيث كانت العائلة تعيش في منطقة المنصور الفاخرة في بغداد ومزرعة كانوا يربون فيها الدجاج ويزرعون البرتقال.يخبر هجول أن هذه الممتلكات كلها دمّرها جنود صادروها عنوة. تقيم هذه العائلة المؤلفة من تسعة أشخاص راهناً في شقة من أربع غرف نوم قرب سفح تلة تغطيها أشجار صغيرة في العاصمة الأردنية. يوضح هجول أنه استنفد سريعاً المئة ألف دولار التي أحضرها معه في نهاية العام 2004. كذلك باع سيارته وباعت زوجته حليّها. واضطر إلى إخراج ابنه من الجامعة وزوّج إحدى بناته: «لم أرد تزويجها. رغبت في إرسالها إلى الجامعة. أرادت أن تنهي علومها وتصبح طبيبة، لكنني أخبرتها أنني ما عدت قادراً على تسديد أقساط الجامعة. كان لدي 30 موظفاً في العراق. وانظروا إلى حالتي الآن! ها أنا أطلب المساعدة!».تُسمع صيحات التحسّر نفسها في مختلف أرجاء المنطقة. ففي منطقة السيدة زينب في ضواحي دمشق، يتفادى الرجال بعباءتهم البيضاء والنساء ببرقعهن الأسود سيارات الأجرة الصفراء على طول الطريق الرئيس المليء بمواقف السيارات والذي بات يُعرف راهناً بالشارع العراقي. تحوّلت «السيدة زينب» إلى مركز لمجتمع اللاجئين العراقيين الشيعة في سورية. حول تجربته يقول سبتي جمعة، سائق في الخامسة والستين: «ننعم بالأمان. فهنا يمكنني السير حيثما أشاء»، مشيراً إلى أنه هرب من العراق بعد تلقّيه رسالة من مجهول تأمره بمغادرة منزله.فقر يشكل الفقر المشكلة الأساس التي يواجهها العراقيون في سورية، إذ لا تسمح لهم الحكومة بالعمل. ومَن يعملون بطريقة غير شرعية يجنون مبالغ زهيدة ويتعرضون للاستغلال. وهذا ما يؤكده اللاجئ سورة جبار الشيخ (يعمل منسقاً في الأمم المتحدة) بقوله: «يجني العراقي مبالغ زهيدة ويسهل تهديده. فقد يهدده رب عمله بتسليمه إلى الشرطة إذا لم ينفذ المطلوب منه».بالإضافة إلى ذلك، يُرغم بعض النساء العراقيات على ممارسة الدعارة. حتى أن منطقة «المربع» الواقعة غرب دمشق صارت مشهورة ببنات الهوى العراقيات اللواتي يلبين رغبات العرب الخليجيين الذين يمضون عطلهم في سورية. ويذكر المسؤولون السوريون أن غالبية مَن يعملن في النوادي الليلة اليوم هنّ عراقيات، فيما يبدي السفير السوري في الولايات المتحدة عماد مصطفى أسفه الشديد على ما حلّ بالعراق موضحاً: «هذا محزن لأن العراق أمة أبية كانت في الماضي غنية. ينفطر قلبنا عندما نفكر في ما حل بها».في مطعم «السمينة» في السيدة زينب، يقدّم حميد الدليم أطباق التشريب (طعام عراقي تقليدي يُعد من لحم الغنم والبصل والبطاطا) إلى زبائن 99% منهم عراقيون، على حدّ قوله. قدِم هذا المترجم الفوري السابق (43 عاماً) إلى دمشق بعد مقتل إخوته الثلاثة، الأول على يد جيش المهدي والثاني على يد فيلق بدر والثالث على يد مقاتلي القاعدة. يوضح الدليم: «أحضر الأميركيون معهم مقاتلي تنظيم القاعدة. كان العراق بلداً آمناً قبل الاحتلال. أما اليوم فبات مليئاً بالميليشيات والمجرمين». صار الحنين إلى العراق في ظل حكم صدام حسين شائعاً بين اللاجئين، وكذلك الغضب من الولايات المتحدة. تذكر وفاء ابراهيم، مهندسة كيماوية في العراق قبل الحرب تعيش في تجمّع للاجئين في عمان اليوم: «جاء بوش وقوّض البلد. أراد قتال العراقيين وتدمير تاريخنا».يشار إلى أن عملية النزوح ترهق هذه الدول المجاورة للعراق. فقد استقبلت سورية، التي تعد 19.7 مليون نسمة، 1.2 مليون لاجئ عراقي، وفق ما ذكرته وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. أما الأردن الذي يبلغ عدد سكانه 6.2 ملايين، فقد استقبل 500 ألف لاجئ. وعلى رغم أن البلدين لم يعتبرا العراقيين لاجئين رسمياً، فقد سمحا لهم بدخول المدارس والمستشفيات.ونرى المسؤولين يتحدثون عن واجب الأخوّة العربية، ليصفوا بعد ذلك عبئاً يكلّف دولهم مليارات الدولارات.في هذا المجال، يوضح وزير الخارجية الأردني صلاح الدين البشير: «تخيلوا أن الولايات المتحدة استقبلت 30 مليون لاجئ. الأردن بلد صغير محدود الموارد. فنحن رابع أفقر دولة في العالم في ما يتعلّق بمصادر المياه. لذلك يلقي وجود إخواننا العراقيين في الأردن على كاهلنا عبئاً كبيراً». كذلك يعلن رئيس «الهلال الأحمر العربي السوري» عبد الرحمن العطار أن تدفّق اللاجئين يبدّل المجتمعات المحليّة. ويضيف موضحاً: «في منطقة تضم نحو 150 ألفاً أو 200 ألف، مثل السيدة زينب أو جرمانا، أصبح عدد السكان فجأة 600 ألف أو 700 ألف أو 800 ألف. يشكّل ذلك ضغطاً كبيراً على البنية التحتية والمنشآت الاستشفائية والماء والكهرباء والوقود وازدحام السير».في منطقة جرمانا في ضواحي دمشق، ينضم علي كاشو إلى العمال السوريين زملائه على أرصفة الطرقات بحثاً عن عمل. ويخبر أن إيجار الغرفة التي يسكنها ارتفع من 33 دولاراً شهرياً إلى 90 دولاراً منذ قدوم العراقيين.من جهته يؤكد سلام ماروكي، عراقي مسيحي يعيش في جرمانا، أنه يتفهم العدائية التي يواجهها في سورية أحياناً. ويوضح السبب بقوله: «لا عيب في الانزعاج من ارتفاع الأسعار. فنحن ضيوف أطالوا البقاء». وكلما طالت إقامتهم في المنفى، قلق المسؤولون بشأن الجيل الجديد. في الشارع العراقي، يملأ أسامة الشرف (13 عاماً) أطباق الكبّة المقدمة مع يخنة الطماطم ليقدمها للزبائن في مطعم «البركة». ترك أسامة المدرسة قبل أربع سنوات، وهو مسرور بمساعدة والده، مالك المطعم. يعبّر هذا الأب ويدعى نبيل حاسوم (60 عاماً) عن مشاعره قائلاً: «ضاع مستقبل أبنائي الثمانية. أقلق على مستقبلهم لأنهم لم يحصّلوا علماً كافياً، لكن ما بيدي حيلة. لا يمكنني تحمّل كلفة إرسالهم إلى المدارس. أحتاج إلى مَن يساعدني في المطعم».تنتاب الدليم، الذي أنهى علومه الجامعية، المخاوف نفسها، فيذكر: «بعد أن ترك ابني وابنتي المدرسة، شعرت أن جزءاً من حياتي انكسر. فالإنسان من دون تعليم أشبه بحيوان».بدائلنظّم كلّ من الأردن وسورية دواماً ثانياً في عدد من مدارس عمان ودمشق. كذلك أنشأت فرق الإغاثة برامج تعليم وبدائل أخرى لمساعدة الأولاد العراقيين. لكن على رغم ذلك تشير التقديرات إلى أن أربعة من كل خمسة أولاد يبقون من دون تعليم. حول هذا الواقع، يصرّح لورنز جولز، ممثل المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سورية: «الوضع مأساوي. تمتع العراق في ما مضى بنظام تعليمي متطوّر، واعتُبر مستوى الثقافة فيه مرتفعاً جداً... مرت سنوات عدة لم يتسنَّ للأولاد خلالها الذهاب إلى المدرسة أو كان تحصيلهم العلمي محدوداً أو متقطعاً». بدوره، يفيد السفير الأميركي فولي بأن اهتمامات الولايات المتحدة الأمنية الوطنية تشمل تعليم أولاد العراق. «فالخطر يحدق بجيل من العراقيين الذين، إذا أُهملوا ولم يحتضنهم المجتمع ويثقفهم، قد يقعون فريسة الآخرين، خصوصاً المتطرفين».تباطؤ الولايات المتحدة لا يعرف مصطفى حمد رسول السبيل إلى تأمين قوت عائلته. يخبر هذا الرجل العراقي الكردي (55 عاماً)، بأن المال الذي كان يجنيه في بغداد من متجره لبيع الثياب كان كافياً ليؤمن المسكن والقوت لزوجتيه وأولاده العشرة. لكن في سورية، حيث يقيم منذ سنة تقريباً بعد تعرّضه للتهديد من جيش المهدي، لا يسدّ الطعام ولا المساعدات النقدية التي يتلقاها حاجاتهم طوال الشهر. يلقي رسول اللوم على الولايات المتحدة، فيقول فيما ينتظر في مركز تسجيل اللاجئين التابع للأمم المتحدة في مدينة دوما على أطراف العاصمة دمشق: «يُكثر الأميركيون الكلام عن حقوق الإنسان. يأتون ويتحججون بأنهم يحرروننا. فليؤمّنوا لي مكاناً لائقاً أعيش فيه».يتردد صدى هذا المطلب بين اللاجئين العراقيين في مختلف أنحاء العالم. فقد استقبلت الولايات المتحدة أكثر من 16 ألف لاجئ عراقي خلال السنتين الماضيتين. ويُتوقع أن يتضاعف العدد مع نهاية العام 2009. كذلك أنفقت 570 مليون دولار منذ مطلع العام 2007 بهدف تحسين ظروف المهجّرين العراقيين في العراق وخارجه. فاق هذا المبلغ مجموع المساهمات التي قدمتها سائر دول العالم. لكن النقاد يؤكدون أن هذه التدابير ليست كافية. «فالولايات المتحدة مسؤولة عن هذه الفوضى»، حسبما يقول جوست هيلترمان، محلل لشؤون الشرق الأوسط يعمل مع «مجموعة الأزمات الدولية» (منظمة مستقلة تنصح الحكومات بشأن حل الصراعات). ويتابع: «لا شك في أن الولايات المتحدة هي المسؤولة لأنها سمحت بتطوّر هذه الفوضى في العراق. لذلك عليها تحمُّل تبعة أعمالها».هرب أكثر من مليوني عراقي من عمليات الخطف والتفجير والقتل التي هزّت البلاد منذ الاجتياح الذي قادته الولايات المتحدة قبل ست سنوات تقريباً. وما زال معظمهم يقيم في سورية والأردن والبلدان المجاورة، حيث باتوا يشكلون عبئاً على الخدمات الاجتماعية المحليّة لأن مدّخراتهم بدأت تنفد. يحذّر المسؤولون من مختلف الأطراف من شعب يمكن ليأسه المتنامي أن يهدد أمن المنطقة وغيرها. لذلك يدعو ائتلاف الجمعيات الإنسانية (يضم مؤسسة «الدولية للاجئين» و{المؤتمر الأميركي للأساقفة الكاثوليك» و{الخدمات الاجتماعية اللوثرية للهجرة واللجوء») الولايات المتحدة إلى زيادة الأموال التي تنفقها على المهجّرين العراقيين بمعدل ثلاثة أضعاف، مستقبلة في الوقت نفسه نحو 105 آلاف لاجئ في العام 2009، أي زيادة أكبر بسبعة أضعاف مقارنة مع العدد الراهن.تذكر كريستال يونس من «الدولية للاجئين»: «لا شك في أن الولايات المتحدة تستقبل أكبر عدد من اللاجئين، مقارنة بمعظم البلدان، وتقدّم المبالغ الأضخم. لكن علينا في هذه الحالة المقارنة بين الميزانية العسكرية والإنسانية، وبين عدد المواطنين وعدد مَن يحتاجون إلى بلد يأويهم فعلاً. عندما نتأمل في هذه الأرقام، ندرك مدى ضآلة الحلول المطروحة».كذلك يقر السفير جيمس فولي بأن الولايات المتحدة تتحمّل «مسؤولية كبرى في هذا المجال»، وأن أمن مجتمع اللاجئين واستقراره يخدمان مصلحة الولايات المتحدة الوطنية. لكن المنسّق الأعلى لشؤون اللاجئين العراقيين في وزارة الخارجية الأميركية يضيف أنه «من المستحيل إرضاء النقاد كلهم». ويتابع موضحاً: «طوّرنا قدرة متنامية على معالجة مشكلة اللاجئين العراقيين في أماكن مختلفة من الشرق الأوسط»، ما يضع الولايات المتحدة في «موقف يفرض عليها زيادة» عدد مَن تقبلهم للعيش على أراضيها في العام 2009. أما عن المساعدات فيقول: «سنبقى في الطليعة، باذلين الجهود لدعم المهجّرين داخل العراق وخارجه». تريد الولايات المتحدة، على حدّ تعبيره، أن تنضم إليها في هذه الجهود سائر دول العالم، خصوصاً أوروبا والدول الغنية في الشرق الأوسط، فضلاً عن العراق بحدّ ذاته. يوضح فولي في هذا المجال: «عملنا بشكل متواصل على زيادة مساهماتنا خلال العام 2008 لأن معظم الدول الأخرى تخاذل، لكننا لن نتمكن من متابعة العمل على هذا النمط مستقبلاً».بانتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، تأمل الجمعيات الإنسانية حصول اللاجئين على مساعدة إضافية. صحيح أن الرئيس المنتخب لم يأتِ على ذكر عمليات التوطين، لكن خلال المراحل الأولى من الحملة الانتخابية، تعهّد بزيادة الدعم المالي للمهجرين.فقبل الانتخابات الأولية في ولاية أيوا، قال أوباما أمام جمهور من الناخبين: «تشكّل حركة التهجير الكبيرة هذه خطراً يهدد أمن الشرق الأوسط وإنسانيتنا المشتركة. وتدفعنا مصلحتنا الاستراتيجية وواجبنا الأدبي إلى اتخاذ الخطوات اللازمة». عندما اختير فولي السنة الماضية لينظّم الخطوات التي اتخذتها وزارة الخارجية الأميركية بغية معالجة مسألة اللاجئين، كانت إدارة بوش انتُقدت بشدة لأنها قللت على ما يبدو من أهمية هذه الأزمة المتفاقمة. عشية الاجتياح في شهر مارس (آذار) عام 2003، أرسلت الولايات المتحدة وغيرها من الدول عمال إغاثة إلى المنطقة المتاخمة للعراق لاحتواء أزمة اللاجئين التي قد تنجم عن هذه الحرب. لكن هذه الأزمة لم تتفاقم إلا بعد ثلاث سنوات، حين أدى تفجير المسجد الذهبي في سامراء في شهر فبراير (شباط) إلى تزايد أعمال العنف بين الشيعة والسنة. فبدأت عندئذٍ السيارات والحافلات المحملة بأعداد كبيرة من العراقيين تتدفق إلى الأردن وسورية.لم يكن المسؤولون الأميركيون والدوليون مستعدين لهذا الكم الهائل من اللاجئين. ففي مطلع العام 2007، أعلنت مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية بولا دوبريانسكي أن الولايات المتحدة تستطيع استقبال 7 آلاف مرشّح للإقامة فيها بحلول نهاية تلك السنة. لكن مع غياب الموظفين الضروريين لمقابلة هؤلاء العراقيين وتقييم حالتهم، لم يتخطَّ عدد العراقيين الذين سافروا إلى الولايات المتحدة الألف والستمئة والثمانية.لم يأتِ الرئيس بوش على ذكر هذه الأزمة علناً قبل شهر مارس عام 2008، حين صرّح أن الملك الأردني عبد الله الثاني أشار خلال اجتماع معه «إلى مشكلة كنت على علم بها، إلا أنني لم أعرف مدى تأثيرها على هذا البلد. فقد لجأ إلى الأردن ثلاثة أرباع مليون عراقي تقريباً».رأس السيناتور الديمقراطي بنجامين كاردن، ممثل ولاية ماريلاند، جلسات استماع تناول فيها هذه الأزمة بصفته أحد رؤساء لجنة هلسنكي. ويقول في هذا المجال: «أعتقد أن الولايات المتحدة تحاول إبقاء هذه المشكلة بعيدةً عن الأنظار. وتكتفي بالمناداة بالتطورات الإيجابية في العراق. فهي تدرك أنها بإبرازها مشكلة اللاجئين تُظهر مدى عجزها عن حلّها».كذلك يصرّح المسؤولون، من الديمقراطيين والجمهوريين، أن هدفهم إحلال السلام والأمن في العراق كي يعود إليه اللاجئون طوعاً. ولن يقدَّم خيار التوطين في بلد ثالث إلا لقلة قليلة من اللاجئين الأكثر عرضة للخطر. أما الباقون فيُفترض أن يبقوا حيث يقيمون راهناً إلى أن تتيح لهم الظروف العودة بسلام إلى وطنهم. لكن تعتبر الجمعيات الإنسانية وغيرها التوطين حلاً فاعلاً متاحاً أمام المجتمع الدولي.توطينعُيّن فولي ونظيرته في وزارة الأمن الوطني لوري شيالابا في شهر سبتمبر (أيلول) عام 2007 لإنجاز هدف الوزارة: توطين 12 ألف عراقي في الولايات المتحدة بحلول سبتمبر من العام 2008. لكن الحصيلة النهائية بلغت 13823 عراقياً. علّق فولي قائلاً إن النظام المتبع راهناً يسمح بدخول ما لا يقل عن 17 ألف لاجئ إضافيين بحلول سبتمبر عام 2009. أما سائر دول العالم (كندا، أستراليا، السويد وبلدان أوروبية أخرى) فقد وطّنت نحو 6 آلاف عراقي فحسب.علاوة على ذلك، ساهمت الأربعة ملايين دولار، التي قدمتها الولايات المتحدة دعماً للعراقيين السنة الماضية، في شراء الطعام للاجئين في سورية وفي إنشاء عيادات طبية في سورية والأردن ولبنان، وتأمين ما يحتاج إليه الطلاب في الأردن من كتب ولباس رسمي وبدل نقل.يدعو فولي الحكومات الأخرى الى زيادة دعمها للاجئين، مشيراً إلى أن تصرّفات الدولة ستُعتبر منافية للمنطق وغير مسؤولة، في حال كانت تملك الموارد اللازمة وتجاهلت حاجة اللاجئين. ويستطرد موضحاً: «ينعكس مصير هؤلاء الناس وهذه المنطقة على كل فرد فيها وفي العالم. لذلك علينا إقناع الدول بأن إلقاء اللوم على الولايات المتحدة ليس حلاً أو رداً».على غرار المسؤولين السوريين والعراقيين، يحث فولي العراق على المشاركة في دعم اللاجئين. وعلى رغم أن إحدى لجان البرلمان العراقي تطالب بنحو 4 مليارات دولار في السنة المقبلة لدعم المواطنين العراقيين في الخارج، تعتمد حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي سياسة هدفها تشجيع اللاجئين على العودة إلى الوطن. حول هذه المسألة يصرّح المسؤول في السفارة العراقية في دمشق عدنان الشرافي: «على الحكومة العراقية تسهيل عملية عودة العراقيين، لا تسهيل إقامتهم في سورية».قدّم المسؤولون العراقيون مساعدات مالية ونظموا رحلات جوية وبرية من القاهرة ودمشق تسهّل على اللاجئين العودة إلى الوطن. لكن مع استمرار أعمال العنف في البلد وغياب نظام فاعل لحلّ الخلافات بين العائدين ومَن صادروا منازلهم، لا تشجّع الولايات المتحدة و»الأمم المتحدة» والجمعيات الإنسانية اللاجئين على الرجوع إلى الديار. يصف فولي الحوافز المالية ورسوم النقل التي تقدمها الحكومة العراقية بأنها بعيدة كل البعد عمّا هو مطلوب: «كنا سنتفهم رفض الحكومة العراقية المشاركة راهناً في عبء مساعدة اللاجئين الملقى على عاتق المجتمع الدولي، لو أنها نظمت جهوداً جديّة وصادقة استعداداً لحملة عودة موسّعة».فضلاً عن ذلك ، يدعو ائتلاف الجمعيات الإنسانية الولايات المتحدة لزيادة دعمها العراقيين في المنطقة إلى 1.35 مليار دولار في العام 2009، وتوطين نحو 105500 عراقي. تفيد عاملة من مؤسسة «الدولية للاجئين»: «لا شك في أن هذه الأزمة تتطلب تحركاً دولياً. لكن كما أعلنا منذ البداية، يجب ألا تتوقع الولايات المتحدة من الدول الأخرى أن تهرع لحل هذه الأزمة ما لن تأخذ هي المبادرة. وهذا ما يحدث راهناً. فقد كثفت جهودها لمساعدة اللاجئين وعليها مواصلة هذا النهج».لكن سفير الولايات المتحدة السابق إلى الأمم المتحدة جون بولتون لا يوافقها الرأي، معتبراً أن الولايات المتحدة كانت أكثر من سخيّة في الموارد التي خصصتها لحل هذه الأزمة. ويضيف: «لا تترتب على الولايات المتحدة مسؤولية تقديم المساعدات إلى الشعب العراقي كله بسبب إطاحتها بصدام حسين». يعترض بولتون، الذي يعمل راهناً في معهد «أميركان إنتربرايز»، على ما يسميه «ميلاً يتبناه البعض بتحميل الولايات المتحدة مسؤولية تبعات الإطاحة بصدام كلها». ويستطرد موضحاً: «أدى سقوط صدام إلى تداعيات كثيرة، منها ظهور عداوات بين فئات الشعب العراقي كانت تتأجج طوال عقود في ظل حكم حزب البعث، أو بالأحرى طوال قرون، بسبب الانقسام داخل الإسلام. وأفضت هذه التداعيات إلى عواقب محزنة ومأساوية. بيد أن هذا الواقع لا يعني أن الولايات المتحدة مسؤولة عن هذه العواقب كافة».لم يكتفِ منسّق الأمم المتحدة السابق للشؤون الإنسانية في العراق دينيس هاليداي، بانتقاد الحرب، بل انتقد أيضاً السياسة التي تعتمدها الولايات المتحدة في تعاملها مع العراق منذ مرحلة عقوبات الأمم المتحدة بين عامي 1991 و2003. كان هاليداي أول مسؤول في الأمم المتحدة يتعقب العراقيين الذين قتلهم الطيارون الأميركيون والبريطانيون خلال تمشيطهم مناطق حظر الطيران بين حربي العراق الأولى والثانية. وهو يؤكد أن على الولايات المتحدة تحمّل «كامل مسؤولية ما حدث في هذا البلد».يضيف هاليداي: «برأيي، على الولايات المتحدة أن تدفع تعويضات ضخمة للعراق. وإذا سُددت هذه التعويضات باكراً وسريعاً، يمكن استخدامها لتحسين الأوضاع في العراق وتأمين الخدمات الضرورية لإعادة اللاجئين إلى هذا البلد... وما أن تُطبَّق هذه الخطة حتى يساهم جيران العراق، مثل إيران والكويت والمملكة العربية السعودية، بمبالغ مالية وموارد أخرى. وهذا ما نشهده اليوم إنما على نطاق محدود. لكن على مَن تسببوا بهذه المأساة أن يأخذوا القيادة في إعادة تأهيل هذا البلد. والمسؤول الوحيد هو بالتأكيد الولايات المتحدة».صراع النخبة العراقيّة لم يتوقع محمد شومري النجاح بسهولة في بناء حياة جديدة في بالتيمور (أكبر مدن ولاية ميريلاند الأميركية). لكنه لم يظن أيضاً أن هذه الانطلاقة الجديدة ستكون صعبة إلى هذا الحد. كان هذا الطبيب (48 عاماً) مسؤولاً رفيع الشأن في وزارة الصحة العراقية حين سُرقت من حاسوبه صورة له في اجتماع مع مسؤولين أميركيين. بُعيد ذلك، بدأ يتلقى تهديدات من مجهول تحذّره من مغبّة العمل مع الأميركيين. فأخرج زوجته وأولاده الخمسة من العراق. وسافر بمفرده إلى الولايات المتحدة، طالباً اللجوء. وراح يخطط للحصول على عمل واستئجار شقة وإحضار عائلته إلى الولايات المتحدة.يخبر شومري في الغرفة التي استأجرها في أحد منازل منطقة «ريزيرفوار هيل»: «فكرت في أنني طبيب وسبق أن تعاملت مع الأميركيين. لذلك سأتمكن من إيجاد عمل، وهم سيُساعدونني. لم أظن أنني سأتبوأ منصباً رفيعاً. لكنني توقعت أن أعمل طبيباً أو أعلّم في إحدى الجامعات. لكنني شعرت بصدمة كبيرة حين وصلت إلى هنا».هذه هي حال 202 عراقي استقروا في ماريلاند منذ غزو عام 2003. اضطر هؤلاء المحترفون الذين شكلوا النخبة في وطنهم، مثل الأطباء والمحامين والمدرّسين والمهندسين، إلى مواجهة حضارة مختلفة واقتصاد مكلف وبيروقراطية لا تعترف بمؤهّلاتهم.يوضح شومري، الذي يزعم أنه كان مؤهلاً ليصبح وزير الصحة العراقي، أنه استنفد مدّخراته لتسديد رسوم مقرر تمهيدي يساعده في الحصول على رخصة مزاولة مهنة الطب في الولايات المتحدة. أما الساعات القليلة في الأسبوع التي يعمل خلالها مترجماً طبياً في مستشفى جونز هوبكنز، فلا تغطّي نفقات معيشته في بالتيمور. علاوة على ذلك، لم يرَ شومري زوجته وأولاده منذ زمن. فعليهم الانتظار حتى استكمال التحريات الأمنية عنهم قبل أن يتمكنوا من اللحاق به إلى الولايات المتحدة، أي بعد أكثر من سنتين.في سياق متصل، يوضح أمل زيليك، مدير عمليات التوطين في لجنة الإنقاذ الدولية في بالتيمور، أن عمله يشمل إدارة التوقعات. يذكر في هذه المسألة: «من الواجب إخبار اللاجئ بما هو متوافر أمامه وما يخبئه له الواقع». ويستطرد متحدثاً عن المهاجرين العراقيين: «نتعامل مع أفراد كانوا جزءاً من طبقة وسطى مستقرة جداً. لذلك من الطبيعي أن تكون توقعاتهم أكثر تفاؤلاً».خلال حكم صدام حسين الظالم، عانى العراقيون الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينات القرن العشرين وحرب الخليج عام 1991 وأطول وأشمل حصار في التاريخ خلال التسعينات، فضلاً عن الاجتياح والاحتلال اللذين قادتهما الولايات المتحدة. في دراسة شملت 754 لاجئاً عراقياً (أجريت العام الماضي بتفويض من المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)، ذكر المشاركون كافة أنهم واجهوا صدمة ما. أما «المركز العربي الأميركي للخدمات الاقتصادية والاجتماعية» في ميشيغان، الولاية الأميركية التي استقبلت ثاني أكبر مجموعة من العراقيين خلال السنتين الماضيتين، فوجد بين العراقيين نسباً مرتفعة من القلق والكآبة واضطراب الإجهاد ما بعد الصدمة. فضلاً عن ذلك، يواجه العراقيون الذين استقروا في ماريلاند تحدّي العزلة، فيما تقدّم المجتمعات العربية - الأميركية العريقة في ديربورن بميشيغان وجنوب كاليفورنيا وشمال فرجينيا للوافدين العراقيين الجدد الدعم للاستفادة من شبكات متطوّرة تشمل مساجد وكنائس ومدارس وشركات. أما ولاية ماريلاند فتفتقر إلى هذا النوع من المجتمعات العراقية أو العربية.تعمدت «لجنة الإنقاذ الدولية» (واحدة من ثلاث وكالات تتولى مهمة توطين العراقيين في الولايات المتحدة) توجيه اللاجئين إلى مجمع سكني في شمال شرق بالتيمور بغية تشجيعهم على تشكيل مجتمع موحد. على الرغم من ذلك، تعبّر زينة جلال عن مدى شعورها بالوحدة.كانت هذه الطبيبة (27 عاماً) تعمل في أحد مستشفيات بغداد عندما بدأ مقاتلون من جيش المهدي التابع لمقتضى الصدر يضغطون عليها لتسرق لهم مواد مخدرة. وقد تعرض أحد زملائها للقتل لأنه رفض الانصياع لأوامرهم. وذات يوم، عثرت جلال بين رسائلها على ظرف يحتوي رصاصة. وهذا ما دفعها إلى تحمّل معاناة دامت سنتين، وانتهت بوصولها إلى بالتيمور. سافرت جلال أولاً إلى الأردن، حيث عملت بطريقة غير شرعية في عيادة خاصة، إلى أن هددها مفتش من وزارة الصحة بإرجاعها إلى العراق. وفي شهر يوليو (تموز)، قدِمت إلى الولايات المتحدة برفقة والدتها وشقيقتها.تشعر جلال بالحنين إلى التسوّق في بغداد وإلى أصدقائها في الوطن وأمسياتهم في المقاهي التي تشكل جزءاً لا يتجرأ من تراث العاصمة العراقية. ولأنها لا تملك المال الكافي ولا سيارة، لم تستطع التجوّل في بالتيمور. توضح جلال: «علمت أننا سنمر بمرحلة صعبة. لكنني ظننت أنها ستشمل بعض لحظات التسلية والمرح. لكن أماكن التسلية ليست متوافرة هنا».تحضر جلال صفوفاً في جامعة مدينة بالتيمور الحكومية تتيح لها العمل في صيدلية، فيما تتابع دروسها للحصول على رخصة لمزاولة مهنة الطب. ووجدت شقيقتها (29 عاماً) المتخصصة في علم الأحياء عملاً كموظفة صندوق. تخبر والدة جلال ماي جلال (57 عاماً) محامية متقاعدة كانت متزوجة من طبيب قلب: «كانت حياتنا مترفة في العراق. لذلك نواجه صعوبة في العيش في ظل أوضاع مماثلة».تحاول لجنة الإنقاذ الدولية تسهيل عملية الانتقال هذه. فيُقل الموظفون الاجتماعيون، أمثال زيليك، الوافدين الجدد من المطار ويصطحبونهم إلى شقة مفروشة تتوافر فيها أطعمة من المطبخ العراقي، يستمتعون فيها خلال أمسيتهم الأولى في الولايات المتحدة. كذلك يساعدون اللاجئين في الحصول على بطاقات الضمان الاجتماعي، وإدخال الأولاد إلى المدارس، وتلقي اللقاحات. ويقدمون صفوفاً لتعليم اللاجئين اللغة الإنكليزية وبعض المهارات، بالإضافة إلى صفوف التوجيه مهني. يحق للأجانب الذين يدخلون الولايات المتحدة كلاجئين بمبلغ نقدي خلال الأشهر الثمانية الأولى. كذلك يمكنهم الاستفادة من وسائل الدعم الأخرى التي توفرها الحكومة. ويصف زيليك عملاءه العراقيين بأنهم متحمسون جداً، قائلاً: «يريد الأولاد الذهاب إلى المدرسة في الحال. ويرغب لاجئون كثيرون في تعلّم الإنكليزية والحصول على عمل. وقلما يطلبون المساعدة... فهم يريدون على حد تعبيرهم الوقوف بثبات بجهدهم الخاص».لم يشعر الجميع أن الحياة في الولايات المتحدة صعبة. فقد اعتاد فيصل (طلب عدم ذكر اسم عائلته) منذ حداثته الاستماع إلى إذاعة «صوت أميركا» وقراءة مجلتي «التايم» و{نيوزويك». قدِم هذا المهندس، الذي عمل مترجماً ومستشاراً للقادة والدبلوماسيين الأميركيين بعد غزو العراق، إلى بالتيمور برفقة زوجته وولديه في شهر مايو (أيار).يخبر فيصل (62 عاماً): «أدرك جيداً ماهية الحياة والثقافة والسياسة الأميركية. وفي غضون ساعات شعرت أنني في وطني. تأقلمت سريعاً».طلب فيصل الاستقرار قرب واشنطن كي يتمكن من العمل مع الحكومة أو أي متعاقد آخر كلغوي يقدم النصائح الثقافية والسياسية بشأن العراق. ويعبر عن حزنه بسبب أعمال العنف التي تلف موطنه.يقول فيصل: «ليست هذه عاداتنا. تعايش السنة والشيعة معاً طوال قرون. لم نتخيل يوماً أن بإمكاننا مهاجمة جارنا. هذا ليس العراق، وهؤلاء ليسوا عراقيين. ما السبيل إلى حل هذه المشاكل؟ لا أعلم، ولكن يسرني أن أساعد». ويعزو فيصل أعمال العنف الكثيرة في العراق منذ الغزو إلى فشل الأميركيين والعراقيين في فهم واحدهما الآخر. يريد فيصل متابعة دروسه الجامعية في مجال العلوم السياسية، خطوة ضرورية لدخوله مجال صياغة السياسة المتبعة في الشرق الأوسط. وهو يعمل راهناً مستشاراً في منظمة محلية لا تتوخى الربح. يرتاد ولداه المدارس الرسمية في بالتيمور. وقد انضما إلى فرقة كشافة. أما زوجته، طبيبة الأطفال، فتعمل مترجمة طبية في مستشفى جونز هوبكنز فيما تستعد لامتحان يخولها مزاولة مهنة الطب في الولايات المتحدة.يذكر فيصل: «نحن عائلة أميركية نموذجية». ويعتبر أن صدام حسين هو السبب وراء توقعات أهل بلده المتفائلة. ويقول: «أعطانا الانطباع أن العراق محور الكون. وصدقه عراقيون كثيرون. لم يسبق أن سافروا، وحققوا نجاحاً كبيراً في عالمهم. لذلك ظنوا أن الاستقرار في الولايات المتحدة سيكون سهلاً».صحيح أن شومري، الذي زار سابقاً الولايات المتحدة، لم يتخيل أن حياته الجديدة في هذا البلد ستكون سهلة. لكنه يعتقد أن التنظيمات البيروقراطية غير الضرورية تعقد هذه العملية من دون مبرر واضح. يذكر شومري: «أعرف ثلاثة أطباء، أحدهم طبيب عائلة والآخران طبيبان عامان. ولم يعثروا حتى الآن على عمل. وينطبق الأمر عينه على عدد من المهندسين. لم يستطع أحد الحصول على عمل. لا أقصد أن يتبوأ مراكز رفيعة. لكنهم عاجزون حتى عن إيجاد عمل متواضع. هل تتخيلون صعوبة الحياة التي يعيشها هؤلاء الناس؟ فهم يواجهون شتى العقبات».