درب الجبل اللبناني نموذج للسياحة الريفيّة في لبنان تواكبه بيوت ضيافة ومرشدون محليّون... ويربط بين 70 قرية من الشمال إلى الجنوب

نشر في 03-08-2008 | 00:00
آخر تحديث 03-08-2008 | 00:00

ليست المواقع الأثرية والقلاع التاريخية وقرى الاصطياف ووسط بيروت وحدها ما يستحق الاهتمام في لبنان للتعرف الى عاداته وتقاليده وتراثه. السياحة الريفية مفهوم جديد يعبّر عنه مشروع «درب الجبل اللبناني»، الذي يصل بين سبعين قرية لبنانية على امتداد مساحة لبنان كلها.

سفوح الجبال الشاهقة، مناظر طبيعية خلابة، محميات الأرز الطبيعية، طرق ومعابد رومانية، قلاع تاريخية، قرى لبنان العتيقة وبيوتها المغطاة بالقرميد الأحمر، مسقط رأس عمالقة في الأدب والفكر، الأطباق التراثية والجبلية التقليدية... ذلك كله جزء مما يمكن لسالك درب الجبل اللبناني التمتّع به والتعرف إليه في ربوع لبنان.

من القبيات شمالاً الى مرجعيون جنوباً، يمتد درب الجبل اللبناني على طول 400 كلم، متّبعاً طرقاً قديمة شقَّها أجدادنا بأقدامهم في القرون الماضية، ويتراوح ارتفاعها بين 600 و1800 متر، بمعدّل متوسّط الصعوبة. يمر الدرب بمحاذاة عشرات الينابيع التي يشتهر بها لبنان، ويوفر للزائر إمكان النزول في بيوت الضيافة العائلية ومراكز التخييم.

درب الإكتشاف والمغامرة

درب الجبل، الذي يعرّفه القيمون عليه بأنه أول درب وطني للمشي والإكتشاف والمغامرة في لبنان، يؤكد عزم القرى والبلدات الجبلية اللبنانية على الحفاظ على إرثها الطبيعي والثقافي العريق، ويشجع السياحة المسؤولة بيئياً واجتماعياً، ويعزز الفرص الإقتصادية في المناطق الريفية. كذلك، يجمع اللبنانيين، من متطوعين ومجتمعات محلية، للعمل سوياً لخدمة قضية مشتركة.

في هذا السياق، يوضح مدير جمعية درب الجبل اللبناني نزار هاني في حديث الى «الجريدة»، أن فكرة درب الجبل اللبناني تعود الى شركة إيكوديت، (يملكها لبناني في الولايات الأميركية المتحدة)، التي نفذته بتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بموجب اتفاق تعاوني لمدة سنتين (2005-2007). مطلع العام 2008، تحوّل المشروع بعد اكتمال تنفيذه الى جمعية لبنانية أهلية، تضم اليوم 60 متطوعاً من مختلف المناطق والإنتماءات اللبنانية.

تنمية الريف وخلق فرص عمل

هدف درب الجبل العريض هو تنمية الأرياف وتشجيع التعرف إليها عن قرب، وفي الوقت عينه خلق فرص عمل محلية جديدة وزيادة مدخول القاطنين فيها عبر وسائل عدة:

- الإستعانة بخدمات المرشدين المحليين، الذين يبلغ عددهم 60 مرشداً.

- شراء منتجات محلية وحرفية.

- الإستراحة في بيوت الضيافة أو مراكز التخييم.

- مساعدة المزارعين في قطف محاصيلهم، كالتفاح والكرز والمشمش والزيتون.

- المشاركة في المهرجانات المحلية والمعارض القروية والمناسبات الدينية، والتعرف الى التقاليد المحلية...

في هذا الإطار والى جانب ما تقدّم، يلفت هاني الى أن المشروع يسلّط الضوء على المطاعم والفنادق القائمة أصلاً بهدف التعريف عنها وجذب الزوار إليها، وهو ما يصب بالتالي في خدمة الهدف الرئيس للمشروع.

صيانة الدرب... والشركاء المحليّون

يشير هاني الى أن الدرب مقسّم الى 26 قسماً، يترواح طول كل واحد منها بين 12 و20 كلم، ويمكن اجتيازه في يوم واحد، علماً بأنه يُترك للزائر الحرية في تنظيم رحلته واختيار الإنطلاق من أي قسم كان والمشي لمدة زمنية يحددها بنفسه، كما أن بإمكانه اصطحاب مرشد محلي لمرافقته ومساعدته في التعرف أكثر الى معالم الدرب وما يواكبه من استراحات وبيوت ضيافة.

الى جانب جمعية درب الجبل، يتولى شركاء محليون كثر متابعة المشروع، ذلك أن تطوير الدرب وصيانته عملية مستمرة ودائمة تتطلب حشد المتطوعين لتأهيل أجزاء منه، ووضع المزيد من الإرشادات ولوحات المعلومات عليه، وتجهيز بيوت الضيافة ومراكز استراحة اضافية.

كذلك يحظى المشروع بالدعم المستمر من وزارتي السياحة والبيئة ومديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني. من أبرز الشركاء: البلديات، الشركات المنظِّمة للرحلات، الجمعيات المحلية والوطنية، ورواد المشي والناشطون البيئيون...

بيوت الضيافة

الى جانب الخدمات المتوافرة كلها، يتميّز درب الجبل اللبناني ببيوت الضيافة التي تواكبه والمنتشرة في 11 قرية تتوزع على طول الدرب من الشمال الى الجنوب على الشكل التالي: القبيات، القمامين، تنورين، بسكنتا، العاقورة، المتين، الباروك، بعذران، نيحا، حاصبيا وراشيا.

يعرّف هاني بيوت الضيافة بأنها تجسّد مفهوم «الإقامة البديلة»، ويوضح أن معظم رواد درب الجبل يفضّلون الإحتكاك مع السكان المحليين للتعرف الى عاداتهم وتقاليدهم. هذه البيوت هي عبارة عن منازل لبنانية قديمة، تقطنها عائلات البلدة، وفيها غرفة أو طابق فارغ جهِّز خلال تنفيذ مشروع درب الجبل وأُعدّ لاستقبال الرواد. معظم هذه البيوت بيوت تراثية قديمة، يديرها أصحابها مباشرة ويقدمون المأكولات التقليدية التي تتميّز بها قراهم.

درب بسكنتا الأدبي

الى جانب السياحة الريفية، تنفرد بلدة بسكنتا بدربها الأدبي نسبة الى الكثير من الكتّاب والأدباء اللبنانيين المتحدّرين منها، منهم على سبيل المثال مخائيل نعيمة، رشيد أيوب، عبدالله وجورج غانم،... يمكّن الدرب الأدبي قاصديه من زيارة منازل الأدباء وغرفهم ومكتباتهم الخاصة، والمدارس التي تعلموا فيها، إضافة الى التعرّف إلى أفراد عائلاتهم وأقاربهم الموجودين.

من خلال إدارتها درب الجبل، تتولى جمعية درب الجبل اللبناني، وفقاً لمديرها نزار هاني، إرساء علاقات متينة ودائمة بين الأفراد والمؤسسات للحفاظ على الدرب والترويج له. لذلك، وضعت الجمعية جملة أهداف تسعى الى تحقيقها، من أبرزها:

- حماية درب الجبل اللبناني وتطويره وصيانته.

- الحفاظ على الإرث الطبيعي والثقافي والمعالم البارزة المنتشرة على طول الدرب.

- تعزيز الفرص الإقتصادية بشكل قابل للإستمرار عبر تشجيع السياحة المسؤولة بيئياً.

يستقطب درب الجبل اللبناني عدداً كبيراً من المهتمين، ويلفت هاني الى أن التفاعل بين السكان المحليين وبين رواد الدرب، اللبنانيين منهم والأجانب، لافت جداً. وإذا كانت الأوضاع السياسية السائدة في السنتين الأخيرتين حالت دون أن يأخذ الدرب حقّه من الرواد والإعلام، إلا أن هذا الوضع يُتوقع أن يتبدل خلال الصيف الراهن، مع تحسّن الأوضاع السياسية وزيادة التعريف عن الدرب ومفهومه وأهدافه.

back to top