هل استعدت إسرائيل وسورية للسلام؟

نشر في 05-06-2008 | 00:00
آخر تحديث 05-06-2008 | 00:00
 شلومو بن عامي إن استئناف محادثات السلام بين إسرائيل وسورية بعد ثمانية أعوام من المناوشات واستعراض القوة لا يشكل إلهاءً عن المتاعب السياسية التي يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي اقترب موعد رحيله. فضلاً عن ذلك فإن المحادثات ليست حيلة سورية تسعى بها إلى تجنب مواجهة المحكمة الدولية بتهمة اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري. إذ إن التوصل إلى اتفاقية سلام بين إسرائيل وسورية يشكل أهمية استراتيجية بالغة لكل من الجانبين، وكل منهما يدرك هذه الحقيقة.

مرّ نظام البعث السوري بتجربتين أساسيتين على قدر عظيم من الأهمية، الأولى حين خسر حافظ الأسد هضبة الجولان في حرب 1967 مع إسرائيل، والثانية حين خسر ولده بشار لبنان بعد أن أُرغِم على سحب جيشه من لبنان تحت الضغوط الدولية الساحقة التي قادتها الولايات المتحدة. لا شك أن استرجاع الجولان وحماية مصالح سورية الحيوية في لبنان من الأمور التي لا تشكل أهمية استراتيجية فحسب بالنسبة للرئيس السوري؛ بل إن كلاً من الأمرين يشكل أيضاً أهمية حاسمة فيما يتصل بالشرعية الوطنية للنظام وترسيخ بشار لزعامته.

إن السلام مع إسرائيل ليس من بين أولويات بشار الأسد، بيد أنه يشكل الشرط الأساسي الذي من دونه يصبح من المستحيل التوصل إلى غايات أسمى- مثل إعادة العلاقات الودية مع الولايات المتحدة، وإضفاء الشرعية على الوضع الخاص لسورية في لبنان، وتجنب اندلاع حرب مدمرة محتملة مع إسرائيل إذا تعذر استرداد هضبة الجولان بالطرق السلمية. ولقد أشار النظام إلى استعداده للتسوية حول المسألة التي أدت إلى توقف المفاوضات منذ ثمانية أعوام- والتي تدور حول ترسيم حدود 1967، فضلاً عن قطعة ضئيلة المساحة من الأرض على الساحل الشرقي لبحر الجليل «بحيرة طبريا».

ويشكل السلام الإسرائيلي السوري ضرورة استراتيجية بالغة الأهمية بالنسبة لإسرائيل أيضاً. فالتهديدات التي تواجهها تل أبيب تبلغ حداً من التعقيد قد تصبح معه أي مواجهة محتملة مع «حماس» في غزة سبباً في اندلاع حرب مع «حزب الله» في لبنان. ولن يتسنى لإسرائيل أن تخرج من مثل هذه الحرب منتصرة إلا بتدمير لبنان بالكامل بواسطة سلاح القوات الجوية. وإذا ما حدث هذا فمن المرجح أن تنتهز سورية الفرصة لكسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها قضية الجولان من خلال تحرك عسكري قد يتطور إلى حرب شاملة تتضمن قصف أهداف حيوية في إسرائيل بالصواريخ. وقد تنشط إيران إلى حد كبير في دعم هذا السيناريو المشؤوم سعياً إلى حماية برنامجها النووي من ضربة إسرائيلية أميركية.

لا شك أن الظروف الإستراتيجية في المنطقة باتت اليوم أكثر تعقيداً مما كانت عليه منذ ثمانية أعوام، حين كانت متطلبات إسرائيل في التوصل إلى اتفاق مع سورية تركز في الأساس على ترتيبات أمنية بشأن هضبة الجولان، وعلى استخدام سورية لنفوذها في لبنان للسماح بتسوية إسرائيلية مع ذلك البلد. ولم يكن تحالف سورية مع إيران يشكل قضية رئيسية في ذلك الوقت.

إن انسحاب سورية من لبنان قسرياً لم يصب في مصلحة إسرائيل. ففي إطار الجولة الأخيرة من محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي جرت منذ ثمانية أعوام، كان من الواضح أن الاتفاق مع سورية من شأنه أن يمهد الطريق تلقائياً نحو التسوية مع لبنان، وبالتالي إنهاء تهديد «حزب الله» لشمال إسرائيل. واليوم، قد يؤدي السلام مع سورية إلى تيسير عملية السلام بين إسرائيل ولبنان في نهاية المطاف، إلا أن هذا لن يتأتى كنتيجة تلقائية. والحقيقة أنه رغم الازدهار الذي شهده «حزب الله» تحت الاحتلال السوري، فإنه لم ينجح في ظله قط في اكتساب القوة السياسية غير العادية التي نالها اليوم.

بيد أن السلام مع سورية قد يشكل حجر أساس في بناء تسوية إسرائيلية عربية أكثر شمولاً، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى شرق أوسط أكثر استقراراً، رغم أنه من غير المنطقي أن نتوقع من سورية أن تسارع إلى قطع علاقاتها الخاصة بإيران تلقائياً في مقابل هضبة الجولان. إنها في الحقيقة محادثات سلام وليست معاهدة دفاعية، ولا نستطيع أن نطالب سورية بالانفصال عن أصدقائها الإيرانيين في التو والحال.

بيد أن العلاقات الطيبة بين إيران ودولة عربية في سلام مع إسرائيل ليست بالأمر السيئ. إذ إن الموقف السوري قد يعمل على تقييد الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي بدلاً من إطلاق المجال لها.

وكما كانت الحال دوماً، فإن الكثير سوف يتوقف على مدى استعداد أميركا للابتعاد عن الحلول العسكرية والشروط الإيديولوجية الجامدة، ورغبتها بدلاً من ذلك في تبني ثقافة عملية في حل الصراعات. إن السلام الإسرائيلي السوري المدعوم من جانب الولايات المتحدة من شأنه أن يحول البيئة الاستراتيجية في المنطقة وأن يجر القوى الرافضة الأخرى في الشرق الأوسط إلى نظام جديد يقوم على التعاون والأمن الإقليميين.

* وزير خارجية إسرائيل الأسبق «بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة»

back to top