قرّر إصدار مخطوطة أصول لورا نجل نابوكوف يخون وصيَّة والده

نشر في 05-06-2008 | 00:00
آخر تحديث 05-06-2008 | 00:00
No Image Caption

«عزيزي ديمتري نابوكوف. لا تحرق لورا. أترك المخطوطة تجمع الغبار». هكذا أوصت فيرا زوجة فلاديمير نابوكوف ابنها ديمتري قبل وفاتها عام 1991، بعدما رفضت أن تحرقها هي شخصياً تنفيذاً لوصية الروائي الأشهر في العالم، صاحب رواية «لوليتا».

كان نابوكوف أوصى بضرورة حرق مخطوطة «أصول لورا»، عندما كان مريضاً، في حال توفي قبل أن يكملها. ما لبث أن غاب عام 1977 في أميركا، أي بعد شهرين من وصيته. كتب فلاديمير الإبن، موسيقي ومغني اوبرا ومترجم، إلى صحافي أميركي يدعى رون روزنبيرغ، أنه ربما يتخلص من المخطوطة احتراماً لرغبة والده - وليس والدته التي أوصته بألا يحرقها- لأنه يشعر أنه مريض وقد يموت في أية لحظة، ذكر له أنه يحفظها في خزانة خاصة في أحد البنوك السويسرية بمعرفة صديق له.

نشر روزنبيرغ مضمون الرسالة الالكترونية في صحيفة «نيويورك اوبزيرفر». أثار مقاله ضجة أدبية تناقلتها الصحف الأخرى عبر المحيط الأطلنطي مروراً بأوروبا وصولاً الى روسيا. أزعج الخبر الدارسين المهتمين بالأدب وبأعمال نابوكوف تحديداً.

مسودات

قبل أيام، تراجع ديمتري عن قراره تنفيذ وصيـــة والده وقرر عدم اتلاف مسودات «اصول لورا»، وهي واحدة من مجموعة مسودات تتألف من 50 بطاقة خاصة، كان يكتب أعماله عليها عادة بالقلم الرصاص. المعروف أن نابوكوف حرص على تنقيح كل رواية لتصل إلى الكمال برأيه، رفض أن ينشر عملاً غير كامل بعد وفاته، أوصى بأن ترمى مسودات «اصول لورا» في النار، في حال عجزه عن اتمام الرواية قبل رحيله الأبدي. بيد أن أرملته فيرا يفسييفنا لم تجد الشجاعة الكافية لتنفيذ وصيته وتركت الأمر بعد رحيلها عام 1991 لنجلها ديمتري الذي أعلن عام 2005 أنه سيتلفها.

على الرغم من السرية والغموض اللذين أحاطا بالرواية في غضون 30 عاماً، الا أن عدداً محدوداً من دارسي أدب نابوكوف اطلعوا عليها. توصل صحافيون التقوا بهؤلاء الى أن الرواية تدور حول عالم مرموق وذكي وسمين للغاية اسمه فيليب، يمعن أكثر فأكثر في التفكير بالموت وبمعانيه. يقال إن الرواية ستصدر بأوراق متفرقة ليكون بمقدور القارئ تصفحها كما يرى، يصوغ بنفسه ترتيب النص الذي كان من المفروض أن يضعه الكاتب.

حيث تشتعل النار تأكل الأشياء وتتركها رماداً، من هذه الأشياء الكتب التي يشكل حرقها ظاهرة لها معانيها ودلالاتها في تاريخ البشرية السياسي والاجتماعي والديني، لم تصل حتى الآن الى رواية نابوكوف. تعيد حالة ديمتري مع مخطوطة والده، التي لا تتجاوز الثلاثين صفحة، إلى الذاكرة وصية كافكا الشهيرة لصديقه ماكس برود، أقدم هذا الأخير، لحسن الحظ، على مخالفتها او خيانتها.

كتب كافكا في وصيته لصديقه ماكس طالباً منه أن «تجمع وتحرق كل مخطوطاتي ورسائلي ومذكراتي ورسومي وكل ما دوّنته في حياتي، هذا يعني ما تجده بين أغراضي، عند الآخرين من الأهل والأصحاب». فما كان من ماكس الا ان اتصل بأهم دور النشر، بعد أيام قليلة من رحيل كافكا عام 1924، ما أدى الى صدور رواية «القصر». هذه الرغبة في «اعدام» الكاتب كانت قوية جداً لدى كافكا، خصوصاً في الأيام الأخيرة حين اشتد عليه المرض أجبر صديقته الأخيرة دورا ديمان على أن تحرق أمام عينيه بعض المخطوطات. هنا يبرز السؤال: لماذا لم يحرق نتاجه الأدبي بيده؟ هل لأنه كان يكبله ويطوّق روحه؟ ام أنه أراد أن يدخل «الأسطورة» الأدبية؟ ام ان وصيته كانت مجرد دعاية لنفسه؟ الأمر نفسه مع وصية نابوكوف التي ناقشها الكثير من الكتاب في العالم.

حرق الكتب

أصبح كافكا رمزاً للرواية الحديثة في القرن العشرين. وباتت رواية «لوليتا» لنابوكوف رمزاً للتحليل النفسي، صوَّرت في أكثر من فيلم سينمائي واتُّهم باقتباسها عن قصة اوروبية.

ليس همنا التأمل في أحوال «لوليتا» نابوكوف او أعمال كافكا النفسية، بل إلقاء الضوء على بعض معاني حرق الكتب وأسبابها التي تتراوح بين العلمية والنفسية والاعتقادية والايديولوجية. من هذه الأسباب، ما هو قبلي اجتماعي مثل تتبُّع آثار مؤلفين وشعراء ذكروا بالذم والهجاء أهل بلد أو قبيلة معينة وإتلاف كتبهم حتى يعتريها النسيان، هذه مرآة من مرايا السياسة الايديولوجية.

يعتبر السبب النفسي الأكثر رمزية في إعدام الكتب، على نحو ما فعل غوغول بالجزء الثاني من روايته «الأرواح الميتة»، انتهى منها عام 1851 ووقع لسوء الحظ تحت سطوة أحد رجال الدين المتعصبين الذي اعتبر العمل الأدبي مقيتاً الى الله، طلب منه أن يتلف الجزء الثاني من «الارواح الميتة» ويكفّر عن اثم كتابته الجزء الأول بالعودة الى الدين. في عام 1852 قرر تنفيذ رغبة رجل الدين، بعد صراع نفسي مرير، فأحرق الجزء الثاني من روايته الشهيرة.

عند العرب أو الإسلام، كان أبو حيان التوحيدي أحد الرموز في حرق الكتب وكان يردد إزاء أفعاله الصادقة قول الله: «كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون»، يأخذ في الاعتبار أسلافه، إذ يقول «فلي في احراق هذه الكتب اسوة بأئمة يقتدى بهم ويؤخذ بهديهم ويعثى الى نارهم، منهم أبو عمر بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر». لعل التوحيدي كان منطقياً في تبريره وله نوازعه الوجودية، احرق بعض كتبه ولم يوصِ بحرقها.

بدوره رمى داود الطائي كتبه في البحر وقال يناجيها: «نِعم الدليل كنت، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول، وبلاء وخمول». يعتبر أبو حيان واحداً من عشرات العلماء في الإسلام الذين احرقوا كتبهم المختلفة بطرق متعددة من التقطيع والتمزيق أو رميها في البحار أو الأنهار أو غسلها للاستفادة مرة أخرى من ورقها.

صدر قبل أعوام كتاب «حرق الكتاب في التراث العربي» لناصر الحزيمي، يلقي الضوء على طرق حرق الكتب. المعروف أن بعض الأنظمة القمعية كانت تعمد الى حرق الكتب في الساحات العامة لأنها تريد محو ثقافة خصومها.

هل نتخيل العالم من دون كتب كافكا؟ أو من دون «لوليتا» أو من دون «مئة عام من العزلة»؟

back to top