إصغِ الى قلبك... مفتاح سعادتك
سعادة، نجاح واكتفاء ذاتي، أهداف نصبو جميعنا اليها، لكن غالباً ما تتربص الأحلام بالخيال وترفض النزول الى أرض الواقع، فتأسر الحالم في قفص الاكتئاب والتعاسة حائراً لا يدري ما العمل.
لهذه الحيرة حل، وهو ما سعى الطبيب والباحث في مجال علم النفس دايفيد سيرفان الى عرضه من خلال كتابه «أسرار الشفاء... في قلبك!» الصادر لدى دار الفراشة للطباعة والنشر والتوزيع.ما هي السعادة؟ وما السبيل اليها؟ هل هي مرتبطة بالذكاء أو الجمال أو الصحة أو الثقة بالنفس أو المال؟ إنها عالم واسع وغريب والطريق اليه وعرة، تتخللها عقبات وحواجز من الصعب تخطّيها، لكنها ليست مهمة صعبة أو مستحيلة، لا سيما أن الذكاء العاطفي والعطاء والانخراط في المجتمع من العوامل الرئيسة التي تمهد الى هذا الطريق. ركزت النقطة الأولى التي استهل بها المؤلف كتابه على خطورة الحسد والتمثُّل بالآخرين. كلنا نحلم بالنجومية ونحسد الآخرين على حياتهم: « آه، لو أنني جميلة مثل مارلين مونرو»، «يا ليتني أعيش حياة كورت كوبين المغني في فرقة نيرفانا»، أمنيات بالسعادة إلاّ أن الواقع بعيد كل البعد عنها، اذ انتهى مصير هذين النجمين بالاكتئاب واللجوء الى المهدئات والمخدرات لنسيان همومهما ما أودى بحياتهما. لا تكمن السعادة في الشهرة أو المال بل بالجوهر وعيش حياة منسجمة والتمتع بالملذات الصغيرة في الحياة اليومية كالطبيعة والنوم ووجبة شهية. ليس بالضرورة أن يكون الأشخاص السعداء أغنياء أو أذكياء أو موهوبين، بل هم أشخاص مروا بإخفاقات وخيبات لكنهم تسلحوا بالصبر وواجهوا المشاكل بتفهم وذكاء، فما من سعادة أعظم من تلك التي نسعى جاهدين للحصول عليها على أثر وقوعنا في مأزق دمّر آمالنا، مع ذلك نهضنا وتسلّقنا سلّم النجاح بعزم وإرادة.ما هو الذكاء؟ بحسب تعريفه الأول، هو مجموع القدرات العقلية التي تسمح بالتنبؤ بنجاح أحد الأفراد. وضع العالم بينيه اختباراً عرف بـ«اختبار الذكاء»، لكن لوحظ أن العلاقة بين معدل الذكاء عند الفرد وبين «نجاحه» بالمعنى الواسع غير واضحة تماماً. تبين أن 20 في المئة من نسب النجاح يمكن أن تعزى الى معدل الذكاء. ثمة عوامل أخرى، أكثر أهمية من الذكاء النظري والمنطقي، مسؤولة عن النجاح بنسبة 80%.هنالك أنواع عدة من الذكاء ويبدو أن «العاطفي» هو تحديداً ما يفسر النجاح في الحياة أكثر من أي شكل آخر، وهو مستقل الى حد بعيد عن معدل الذكاء العقلي.انطلاقاً من فكرة الذكاء العاطفي، حدّد باحثو جامعتي يال ونيو هامبشير «معدله» الذي يسمح بقياس هذا الذكاء من خلال أربع وظائف أساسية:1 ـ قدرة الشخص على وعي حالته العاطفية وحالات الآخرين.2 ـ قدرته على فهم المسار الطبيعي الذي تتبعه العواطف.3 ـ قدرته على تحليل عواطفه الخاصة وعواطف الآخرين.4 ـ قدرته على التحكم بعواطفه وعواطف الآخرين. تعتبر هذه القدرات الأربع أسس السيطرة على الذات والنجاح الاجتماعي. فهي في أساس معرفة وضبط الذات والعطف والتعاون والقدرة على حل النزاعات. ذكاء عاطفي ونجاحيشكل امتلاك الذكاء العاطفي ضمانة أكبر للنجاح في الحياة مما يشكله معدل الذكاء العقلي. ففي إحدى الدراسات المميزة حول ما يسمح بالتنبؤ بالنجاح، جرت في العام 1940، متابعة ما يقرب من مئة طالب في هارفارد من قبل عدد من علماء النفس. لم يسمح أداؤهم الذهني وهم في سن العشرين بالتنبؤ بمستوى مداخيلهم في المستقبل أو بمستوى إنتاجيتهم أو بالإحترام الذي سيحصلون عليه من أقرانهم. ولم يكن الذين حصلوا على أفضل النتائج في الجامعة هم الذين تمكنوا من إقامة حياة عائلية أكثر سعادة، أو من الحصول على عدد أكبر من الأصدقاء. على العكس، أشارت دراسة أجريت على أطفال في إحدى الضواحي الفقيرة في بوسطن الى أن «المعدل العاطفي» يؤدي دوراً هاماً: فما كان يسمح بشكل أفضل بالتنبؤ بنجاحهم كراشدين، ليس معدل ذكائهم العقلي، بل قدرتهم، خلال طفولتهم الصعبة، على التحكم بانفعالاتهم وعلى إدارة ما يتعرضون له من كبت وعلى التعاون مع الآخرين.من منا لم يسمع بقصة جار متقدم في السن يفارق الحياة بعد أشهر من موت زوجته؟ أو بقصة عمة تموت بعد وفاة ابنها؟ تقول الحكمة الشعبية إن ذلك «فطر قلبهم». تعامل العلم طويلاً مع هذا النوع من الحوادث بنظرة الاحتقار، معتبراً أنها من نوع المصادفات العادية. ولم ينكب أطباء القلب والأطباء النفسيون على دراسة هذه «الحكايات» إلا منذ حوالي عشرين عاماً. اكتشفوا أن الضغط النفسي هو أشد خطورة من التدخين في ما يتعلق بأمراض القلب. كذلك تبين أن حدوث اكتئاب بعد الإصابة بالذبحة القلبية يدل على احتمال موت المصاب خلال الأشهر الستة التالية بدقة تفوق دقة كل طريقة أخرى من طرق قياس عمل القلب. عندما يخرج الدماغ العاطفي عن طوره، يعاني القلب بسبب ذلك وينتهي به الأمر الى الإنهاك. لكن الاكتشاف الأكثر إثارة للدهشة هو أن هذه العلاقة ذات اتجاهين، ففي كل لحظة هنالك تأثير لتوازن القلب على الدماغ، ويصل بعض أطباء القلب وأطباء الأعصاب الى حد الكلام عن «نظام ارتباط وثيق بين القلب والدماغ».لو كان هنالك دواء يسمح بإحلال الانسجام في هذه العلاقة الوثيقة بين القلب والدماغ، لكانت له تأثيرات مفيدة على الجسم بأجمعه. كان بإمكانه أن يبطئ الشيخوخة، أن يحد من الضغط النفسي ومن التعب، أن يزيل القلق ويحمينا ويجعلنا في مأمن من الانهيار النفسي. كان بإمكانه أن يساعدنا أثناء الليل في النوم بشكل أفضل، وأثناء النهار في تشغيل قدراتنا على التركيز والدقة بشكل أفضل. وخصوصاً، كان بإمكانه أن يسمح لنا بأن نحقق، بسهولة أكبر، حالة الانسياب المتناغم المرادفة للشعور بأننا في حالة جيدة، عبر إقامة توازن بين الدماغ والجسم. كان بإمكانه أن يكون دواء مضاداً لارتفاع الضغط والقلق والاكتئاب في الوقت نفسه. العلاقة بالآخرلاحظ الباحثون وجود علاقة وثيقة بين السعادة والانخراط في حياة الجماعة، اذ تبين من خلال دراسات اجراها هؤلاء ان الأشخاص الأكثر سعادة هم الذين يعطون من دون مقابل وينخرطون في علاقات اجتماعية تزيد من تقديرهم للآخر وتفاؤلهم بالعيش. يعني هذا أن يكرس المرء جزءاً من ذاته ومن وقته لقضية لا يحصل منها في المقابل على ربح مادي، وهو أحد النشاطات الأكثر فاعلية عندما يكون المطلوب تعويض الشعور بالفراغ الذي غالباً ما يرافق حالات الاكتئاب، كذلك لا يستلزم الوصول الى حدّ المخاطرة بالحياة ولا الانخراط في صفوف المقاومة.بث شيء من الحركة في حياة أشخاص مسنين يعيشون في مؤسسات العجزة أو تقديم مساعدة لمدرسة الحي، أو مشاركة في المجلس البلدي أو نقابة المصنع، كل ذلك يسمح للشخص بأن يشعر بأنه أقل عزلة وبالتالي أقل قلقاً أو اكتئاباً. كان الفرنسي إميل دوركايم، أول من أثبت في كتابه «الانتحار»، أن الأشخاص الأقل «اندماجاً» في جماعاتهم هم الذين يقدمون أكثر من غيرهم على الانتحار. وبعد دوركايم، بيَّن علماء الاجتماع الأميركيون أن الأشخاص الذين يشاركون في أنشطة جماعية ليسوا أكثر سعادة من غيرهم فحسب، بل يكونون في صحة أفضل ويعيشون مدة أطول. وتشير دراسة نشرتها المجلة الأميركية لأمراض القلب الى أن نسبة الوفيات بين المسنين الفقراء الذين يشاركون في نشاطات تطوعية يستفيد منها الآخرون هي أقل بـ 60 في المئة مما هي عليه بين الأشخاص الذين لا يشاركون في مثل تلك النشاطات. ويخلص تحليل نشرته مجلة Science، أولى المجلات العلمية في العالم حول تأثيرات العمل التطوعي على الصحة العامة، الى نتيجة مفادها أن العمل التطوعي هو أحد أفضل الوسائل التي تضمن طول العمر بشكل قد يكون أفضل من النجاح في التحكم بضغط الدم، أو المحافظة على معدل طبيعي للكولسترول، أو حتى التوقف عن التدخين. فلذة العلاقة بالآخر والشعور بالانخراط في جماعة بشرية يشكلان علاجاً ممتازاً للدماغ العاطفي وبالتالي للجسم كله أيضاً.بطاقة النقاط الستستة مفاتيح للتصرف بطريقة غير عنيفة سواء في البيت أم في المكتب، تمنحكم أفضل الحظوظ للحصول على ما تتمنون:المصدر: تأكدوا أولا من مصدر مشكلتكم، وهو غالباً ما يمتلك وسائل حلها. اكسبوا احترام الزميل أو شريك الحياة وغيروا سلوككم، توجهوا إليهما بالذات. من البديهي أن يكون ذلك صعباً، لكنه الوسيلة الوحيدة التي تضمن فاعلية ما تقومون به. المكان والزمان: ينبغي الحرص دائماً على أن يتم النقاش في مكان خاص وفي زمان ملائم. ليس من الحكمة أن تواجهوا من أساء إليكم في أحد الممرات، كذلك لا ينبغي فتح النقاش مباشرة بعد وقوع المشكلة. من الأفضل اختيار مكان يمكنكم التكلم بهدوء فيه، والتأكد من جهوزية الشخص الذي تتوجهون إليه.المقاربة الودِّية: لتتمكنوا من إيصال صوتكم، اضمنوا أن هنالك من يستمع إليكم. لا تتخذوا موقفاً عدائياً أو تتكلموا بلهجة قاطعة فوق اللزوم. إذا شعر أحد طرفي النزاع بأنه معتدى عليه، يميل، إلى الغرق في انفعالاته حتى قبل أن يبدأ النقاش، فيفشل الحوار على وجه التأكيد. ينبغي الحرص إذن، على أن يكون الشخص الذي تحاورونه في وضع مريح منذ الكلمات الأولى، والعمل على فتح أذنيه بدلاً من قفلهما. وبناءً على ذلك، اعلموا ان الكلمة الأكثر عذوبة في اللغة التي تصلح للبدء بالحوار هي اسم الشخص الذي تتوجهون إليه.السلوك الموضوعي: ادخلوا في صلب الموضوع.الانفعال: عندما تصفون الوقائع يجب أن يتبع ذلك فورا وصف ما تشعرون به، لكن لا بد من أن تعبّروا عن انفعالكم من دون أن تؤذوا الشخص الآخر، اتقنوا استعمال عبارات تعكس المشاعر التي تخالجكم كي تمرروا رسالتم بطريقة ذكية. خيبة الأمل: يمكنكم الاكتفاء بالتعبير عن انفعال ما، لكن الأكثر فائدة أن يتواصل الكلام بينكم مع ذكر خيبة الأمل أو الحاجة التي تشعرون بها والتي لم تتحقق.