أمل دنقل... أمير شعراء الرفض
تأليف: نسيم مجليالناشر: كتاب الجمهورية
«أمل دنقل.. أمير شعراء الرفض» عنوان لافت حول شاعر مغاير أعلى من قيمة كلمة «لا» في قاموس الشعر العربي المعاصر، ومن شعراء الفصحى القليلين الذين ردَّد الجمهور أشعارهم وأضحت شعارات سياسية رنانة لها إيقاعها ومدلولاتها الخاصة في نفوس السلطة. جذبت قصائده الناس البسطاء والعاديين، على الرغم من توغلها في التاريخ واستلهام أحداثه ومن كتابتها بمفردات مختلفة ومغايرة عن السائد والمألوف. أطبقت شهرة أمل دنقل آفاق الساحة الأدبية والنقدية العربية بعد مماته، وهو الذي عاش حياته شبه وحيد ومنعزل، فقير ومفلس، أصيب بداء السرطان في أوج شبابه ورفضت الدولة نداءات من أصدقائه القليلين لعلاجه على نفقتها. وفي كتابه الصادر حديثاً، يؤكد الباحث والأديب نسيم مجلي ارتباط أشعار دنقل بمواكبة الأحداث ومؤازرتها وتضمينها ما يشبه النبوءة وامتلاك عين زرقاء اليمامة، وتجسد ذلك في قصيدتي «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» و{لا تصالح». ويضم الكتاب مختارات من أشعار دنقل السياسية مع استعادة تأثيرها في أذهان الجماهير وشباب الجامعات، الذين كانوا يتظاهرون بالآلاف، وهم يرددونها. وكان طبيعيا أن تنزعج السلطات وتصادر الكتاب. يعتبر مجلي أن الرفض في قصائد أمل هو لكل ما هو قبيح ودميم، لفساد السلطة وأساليب القمع ومصادرة الحريات. هذه الملامح التي أدت إلى التدهور في جميع نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية أيضا هي التي أدت إلى هزيمة 1967 وبددت ثمار نصر تشرين الأول (أكتوبر)، وفتحت الباب واسعا أمام المنافقين والانتهازيين والمهربين وسماسرة الانفتاح، فاستولوا على ثروة الوطن وتركوا غالبية الشعب تعاني الفقر والأمراض.بلطجةويربط الباحث بين ما حدث وما يحدث راهناً من ضرب الأحزاب السياسية وإضعافها، إلى الانتخابات البرلمانية حيث حصل الإخوان على ربع مقاعد المجلس، وفشلت الأحزاب السياسية الأخرى بسبب التزوير والبلطجة وشراء الأصوات. ويشير إلى أن «صدى كل ذلك نجده في أشعار دنقل، فهي بمثابة بانوراما كاشفة تدل على مواطن الخلل وأسباب العلل المزمنة». وكانت قصيدته «الأرض.. والجرح الذي لا ينفتح» (1966) رؤية فاجعة ونبوءة بكارثة وشيكة الوقوع. فلم يكد ينقضي عام على نشرها حتى داهمتنا هزيمة حزيران ( يونيو). وبعدها كتب أخطر قصائده التي كرست موهبته كشاعر أصيل وهي «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» ليكشف عن الخلل الخطير الذي أدى إلى وقوع المأساة. ثم إبان عقد اتفاقية كامب ديفيد كتب قصيدته الأشهر «لا تصالح» وتنبأ بالصلح مع إسرائيل وتداعياته.نشأ على حب الأدب وكتابة الشعر، كان والده مدرساً للغة للعربية في مدينة «قفط» في محافظة قنا في صعيد مصر، وكان أديباً وشاعراً فقيهاً ومثقفاً، جمع من الكتب معرفة واسعة، لذا تفتحت عينا أمل على رفوف المكتبة المزدحمة بألوان الكتب وتأمل أباه وهو يقرأ حيناً ويكتب الشعر حيناً آخر.لم يكد يتم العاشرة من عمره حتى مات والده، وفي سنوات التعليم الأولى عرف مجموعة من الأصدقاء أصبحوا في ما بعد شعراء معروفين ومثقفين وسياسيين وصحافيين، وكان الشاعر عبد الرحمن الأبنودي من أقرب أصدقائه. عرفت قصائد دنقل مبكراً الصراع مع الواقع العربي وكانت هزيمة حزيران (يونيو) 1967 بداية الانعطاف الحقيقي له نحو الشهرة والشعر. ففي الأيام الأولى للهزيمة، كان يقرأ «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» قبل النشر وهي قصيدة جريئة أكدت خطواته على طريق الشعر ولم يكن قد بلغ الثلاثين من العمر بعد، متخذاً من الأسطورة رمزاً. حذره البعض من نشر القصيدة، وفي ما تبقى من عام 1967 وإلى أوائل السبعينات، كانت القصيدة على كل لسان وشكلت تعبيراً عميقاً وصادقاً عن الموقف يقول: أيتها العرافة المقدسة جئت إليك مثخناً بالطعنات والدماء أزحف في معاطف القتلىوفوق الجثث المكدسة منكسر السيف،مغبر الجبين والأعضاء اسأل يا زرقاء كيف حملت العار ثم مشيت، دون أنأقتل نفسي، دون أن أنهار ودون أن يسقط لحميمن غبار التربة المدنسة أعادت هذه القصيدة إلى الأذهان مأساة «زرقاء اليمامة» التي حذرت قومها من الخطر المقبل فلم يصدقوها، كأنها صوت الإبداع الذي كان يحذر من الخطر الداهم في العام 1967 «النكسة» فلم يصدقه أحد إلا بعدما وقعت الكارثة.ويتابع في عهد السادات أقسى درجات رفضه الاجتماعي والسياسي، خصوصاً في ما سمي عام الضباب، وتأتي اتفاقية كامب ديفيد فيكتب دنقل: «لا تصالح»، يقول فيها: لا تصالحْ!ولو منحوك الذهبْأترى حين أفقأ عينيكَثم أثبت جوهرتين مكانهما..هل ترى..؟هي أشياء لا تشترى..مقتل القمروفي عام 1971 نشر ديوانه الثاني: «تعليق على ما حدث» ثم أتى نصر 1973 وعجب الناس من موقفه، إذ لم يكتب شعراً يمجد هذا النصر, وصدر ديوانه الثالث «مقتل القمر» عام 1974 دونما قصيدة واحدة تحدثنا عن النصر بل يحذر ويتنبأ: ماذا بعد النصر؟ وفي عام 1975 صدر ديوانه «العهد الآتي» الذي وصل فيه إلى القمة. غير أن شعر دنقل لم يكن سياسيا فحسب، فكتب الرومانسي الذي اقترن دائما بتوهج لحظات الحب القليلة التي مر بها والتي جعلته يدرك أهمية المرأة في حياته، فنجده يقول: دائما أنت في المنتصفأنت بيني وبين كتابي وبيني وبين فراشيوبيني وبين هدوئي وبيني وبين الكلام ذكريات سجني وصوتك يجلدني ودمي قطرة بين عينيك ليست تجفسرطانأصيب بمرض السرطان عام 1979، لكنه كان صاحب إرادة عالية في صراعه معه، دخل المستشفى وكان لا يملك مالاً للعلاج الباهظ الذي يحتاجه، وبدأت حملة لعون الشاعر من قبل الأصدقاء والمعجبين، في مقدمهم يوسف إدريس الذي طالب الدولة بعلاجه على نفقتها، وفي ظل عدم موافقتها على علاج الشاعر المعارض المشاغب، نظم أصدقاؤه حملة لمساعدته فطلب دنقل منهم التوقف. ظل يكتب الشعر في مرقده في الغرفة رقم 8 في المستشفى على علب الثقاب وهوامش الجرائد، ولم يهمل الشعر لحظة حتى آخر أيامه، لدرجة أنه أتمَّ ديوانا كاملا باسم «أوراق الغرفة 8» نشرته زوجته عبلة الرويني بعد أربعين يوماً من وفاته بمساعدة وزارة الثقافة.توفي يوم 21 أيار (مايو) عام 1983 ودفن في مسقط رأسه في «قفط» في مقابر أسرته وأقيمت له جنازة بسيطة بحسب وصيته التي كانت أقصر وأشهر وصية في التاريخ الأدبي المعاصر. سطران لا غير قال فيهما: «لا حزن ولا بكاء، فقد حزنت وبكيت في حياتي ما يكفي».