أحوال القبائل عشيّة الانقلاب الإنكليزي في صلالة

نشر في 24-10-2008 | 00:00
آخر تحديث 24-10-2008 | 00:00
No Image Caption
تأليف: أحمد الزبيدي

الناشر: دار الفارابي

«أحوال القبائل عشية الانقلاب الإنكليزي في صلالة» رواية من تأليف أحمد الزبيدي صادرة عن «دار الفارابي» في طبعتها الأولى (2008)، تؤرخ وبشكل روائي أدبي لا يخلو من الجرأة، لتبدّل أحوال القبائل في عمان، في ظل الإنكليزي المستعمر الذي استطاع بحنكته تارة وبقوّته وجبروته تارة أخرى تقليب بعض الثوار على الثورة في الأدغال وجعل زعماء بعض القبائل يتأرجحون بين تأييد ثورة الشباب في الجبل ضد الإنكليز أو الوقوف ضدها، إلى أن انتهى بهم المطاف إلى خسارة الزعامة وإضاعة القبيلة والدغل وتسليم معظم الناس بسلطة الأمر الواقع.

ساخر

أسلوب روائي ساخر وذكي يلتقط التفاصيل ويسبر أغوار النفوس ومفردات غنية حبلى بالمعاني ووافرة ومتنوّعة تحاول نقد المرحلة المتحوّلة بعين الوعي والصدق، فها هو عوض الريحة زعيم إحدى القبائل في الأدغال وجبال صلالة في حالة حائرة: هل يؤيد ابنه خالد فهد في حربه ضد الإنكليز مع الثوار أم لا يحرك ساكناً ليظل محافظاً على الدغل والقبائل، نسائها وأطفالها ورجالها، ولا يخسر موقعه كزعيم؟ «حتى ارتجت الأرض وأخرجت مسقط أثقالها وناءت الجبال الظفارية الخضراء بكيكلها وبنادقها وثوارها»، ففي أقصى الجنوب في «صلالة» تمخّض الجبل فولد فأراً ويحدِّث عوض الريحة نفسه قائلاً: «... ولكن يا عوض أستحلفك بالله يا عوض... إنسَ ما فات ودع القبائل وأحوالها وقل لي من أنت يا عوض؟ كم من معارك خضت ونساء عشقت (...) وأموال بددت وأحبة واريتهم بيديك اللحد البعيد، ومع ذلك ظللت أنت عوض ما اهتزت في جسدك شعرة وها أنت الآن تهتز كصرح يتهاوى وترتجف كالجبان الرعديد أمام حادثة، فإذا زمام أمرك وسلطان مهابتك يدردب كفرس مذعورة في البراري دونما اتجاه... عوض... ياعوض... فليكن الفأر أسداً أنت تعلم نهايات الفئران التي استأسدت ولكن الشائعة حقيقية انقلاباً فلينقلب من ينقلب على من ينقلب وماذا في الأمر؟ فلم أنت هكذا؟ أين الصفاء الذي قادك دونما عناء إلى سدة العشيرة؟ أين الحلم والأناة اللذان سيَّداك على أهل الدغل؟ من أحتل من؟ وكيف؟ ومتى؟ يقول الرفيق فهد إنها البداية... دعك من فهد الآن وقل لي لم أنت هكذا؟ إبني خالد فهد ورفاقه جاؤوا ببنادقهم وثوّارهم وأهازيجهم يبشرون بحياة جديدة تحرّر الإنسان والجبل والسهل والبادية لم يسألوا السيد الجبل إن كان يريد أو لا يريد افترضوا سلفاً أنه موافق...» أما خالد أو الرفيق فهد إبن عوض الريحة فقد خان الثورة والرفاق فاغتال رفيقه مسلم الذي كان متنوراً أكثر منه وأشد صلابة وانتهى به الأمر في أحضان «مسز كلين»، أو في أحضان الإنكليز، التي استأجرت له جناحاً في فندق من فنادق الدرجة الأولى يؤوب إليه كلما عنّ له أن يستعيد معاركه التليدة ويعوّضها بمعارك مع النساء... يتسمّر والده عوض الريحة في مقعده في منزله الجديد في العاصمة بعد أن ترك الدغل والجبل عند سماعه البيان الصادر عن وزارة الدفاع: «استسلم بالأمس لقوات الحكومة أحد زعماء التمرد خالد بن عوض الريحة والمدعو فهد وقد أعلن المذكور توبته... هنا يدخلنا المؤلف في غياهب ومتاهات النفس البشرية عند كل من خالد المنقلب وأبيه المنكسر المتردد، فها هي رحمة إبنة عم خالد تحقّره على فعلته: «أنت تكذب يا خالد أنت وحدك أكذوبة حشرة لا تستحق إلا الاحتقار، أنا الذي فعلت ما فعلت من أجلك وفي سبيل حبك»، ويشكو خالد بدوره لمسز كلين قائلاً: «أنا مسز كلين بين اليقظة والنوم جثة متعبة أحرّك يدي فتخذلانني، أهز قدمي فتسقط كقضيب ميت، أصرخ فلا يسمعني أحد... أهتز أرتعش وأستيقظ مذعوراً فأشم رائحة الجرذان تعبق من جسدي، رأيت مسلم وطفول وأعضاء الكتيبة الثورية يزأرون ويضحكون يسخرون، كنت بين اليقظة والنوم ذهلت هلعت أضأت الأنوار واغتسلت فلم أر إلا الهدوء المريب (...) وخالد أصبح اسمه الشيخ خالد وعمرت داره بنساء من كل قارة، نساء حاذقات نساء خبيرات نساء عارفات، نساء يلقن بالمقام النفطي وبالأبهة النفطية، نساء من كل لون وباللغات كلها وعمرت استراحة الرفيق فهد سابقاً، الشيخ خالد لاحقاً بخدم وحشم ونادلات»... وها هي الاستراحة أضواء، ما إن تُضاء حتى يتدفق على حديقتها الرجال «جاؤوا راكبين وراجلين بعصي وخناجر وبنادق وأهازيج ورقصات عريقة للنصر ومئات من العرائض والتوسّلات دسّوها بين أيدي الشيخ خالد»...

لا ينسى المؤلف هذه المقارنة بين عوض الريحة وبين ابنه خالد والمواجهة المباشرة واللامباشرة بينهما في نهاية الرواية، وخالد يلقب أباه بالفيل الأجرب فهو يسأل نفسه: «هل أعطاك هذا الفيل شيئاً أم تقرأ كل يوم في عينيه ذلك الازدراء الصفق؟ ترى ألن يردد على مسامعي دون كلل كعادته: «الأرض يا ولد»... تعال يا عوض لنتجادل: هل كنت تستطيع ببدوك وينابيعك وراحاتك أن تفجر البترول من أعماق الأرض؟ بالطبع لا فلماذا إذن تمقت الأميركان والإنكليز؟ لماذا تتعاون حتى مع الثوار الذين رذلوك، أهو الكره الزائد للحداثة أم هي القومية العربية التي باعها أصحابها برخص الفجل...»

أخرس

أمام صوت أبيه الذي يأتيه مجلجلاً في الساحة: «إخرس يا غلام؟؟ أسكت يا ولد» يرتعد خالد، ولا تفلح محاولات المسز كلين في تشجيعه على مواصلة حديثه وخطابه أمام الناس المتجمهرين، وتلعثم خالد وقهقه عوض الريحة ثم أشار بيديه ففهم آل الريحة المعنى وانصرفوا وهم يلعنون هذا «الوغد»، وهذه الإنكليزية التي ورّطتهم في بقايا رأي عام يتحفظ على تدخلات المستر كلين ومع أقلية من المشاكسين والمشاغبين الذين لا يكلون من التأكيد على أن المسألة برمّتها لا تخرج عن حدود «مؤتمرات الاستعمار»: «لقد قررنا منذ زمن الانقلاب الإنكليزي أن كل فرد قيل نفسه وشيخ نفسه في أن» يختم عوض الريحة الحوار مع ابنه. إنها رواية حيوية وذات سمات متعددة وغزيرة المعاني ومتنوّعة المفردات.

back to top