آيةُ الحواسّ لماجدة داغر... عينا القصيدة ومثواها

نشر في 05-04-2009 | 00:00
آخر تحديث 05-04-2009 | 00:00
No Image Caption
في باكورتها الشعرية الصادرة عن «دار المفيد» في بيروت بعنوان «آية الحواس»، تطلق الشاعرة اللبنانية ماجدة داغر العنان للحواس كي تبوح بما تريده فتبدو أنشطتها ثائرة، متلاحقة.

تنطلق داغر في ديوانها من بيت شعر للحلاّج: «مثالك في عيني وذكرك في فمي ومثواك في قلبي فأين تغيب؟». وفي قصائدها تنشد، بمزجها بين الغموض والمفاجاة وكثافة الصور، على نحو شديد الخصوصية، التعبير عن حالة شعرية باطنية، وكأن بها تصوّر تفجّرات داخلية لم ترضَ الخمود، فاستحالت تأملاً تختصره عناوين مكتنزة بالمعاني: «قفير في الجسد المقصول، أتسمّر في مشيئة ظلك، سارية اللون والشوك، رحيق، كجسر ماء، على ضوء مسنّن، سِفر الوحدة، رقعة مُحدّقة لقميص المساء، منفى الذاكرة الآتية...».

قال عالم الرياضيات ابن حمزة المغربي: «الآية من القرآن كأَنها العلامة التي يُفْضَى منها إِلى غيرها كأَعلام الطريق المنصوبة للهداية». والآية في اللغة العربية تعني العلامة أي الدليل والبرهان، وقصائد «آية الحواس» تعرّي الذات الكاتبة، فتصبح كل كلمة إيحاء لا يرسل كلاماً لا هوية له، بل ينطوي على معانٍ رمزية كثيرة:

أَعِد وجهَك الممهور بالعسل البري

لأفتح قفيراً في الجسد المقصول

لأسطع في الأقحوانة المكتئبة

... لتنتصب المناقيد (ص 18)

وإذا كان الشعر أقرب الفنون إلى اللاشعور، فقد صدقت ترجمة داغر اللحظية للاشعور المتدفق في اللاوعي وفق صياغة لغوية روّضت المعنى وربما أرجعت السكينة إلى الأنا بغرض المصالحة معها وإعطائها قدرة على المواجهة.

حواس الأرض

بحسب ابن الأَثير، الإِحْساس العلم بالحواس، وهي مشاعر الإِنسان كالعين والأذن والأنف واللسان واليد، وحَواس الإنسان: المشاعر الخمس وهي الطعم والشم والبصر والسمع واللمس. أمّا حَواس الأرض فخمس: البرد والبَرَد والريح والجراد والمواشي. ويبدو من مفردات الشاعرة أنها لم تقصد حواس الإنسان، بل تعدتها إلى حواس الطبيعة الأم، فقد صاغت قصائدها بمفردات من الريف، من الطبيعة، تزاوج بين الإنسان والأخيرة فتجعلهما من صنف واحد: وجهك المائي، أهدابي العائمة، صمغك الممزوج بالسرو، ترتعش المحيطات، وجهك الممهور بالعسل البري، تراقصين البدر المثقوب، يجري الغدير في أضلعك، نقطة لتنزل مع المطر، الظلمة في العروق، ارتعاشاتي المخضبة...».

وتتصدّر المجموعة صور كنانية لقدرة الشاعرة على استيعاب الرمز والإشارة، وصور استعارية عبر التشخيص والتجسيم، تليها صور تشبيهية، ويتخللها إيقاع داخلي محبب من دون أن تذهب إلى تكلّف وصناعة:

نقطة ويكتمل النهر

ويجري الغدير في أضلعِك

(ص 79)

الحجر مثلي ممتلئ بالأمطار

(ص 117)

... وعند الفجر الجائع،

وقف الغريب يبلل رغيفاً يابساً

ونداءه المتشقّق

ويعجن الليل الناقص قمراً

و... حبة قمح. (ص 49)

في قسمين، «طريق» و{في البدء كنتَ الكلمة وفي الآخر ماذا تكون!؟»، يتضمان 18 قصيدة مطولة، وعبر المراوحة بين برهات من غموض تارة ومفردات قد تبدو جديدة على البعض طوراً، تسير أبيات، وإن بدا قليلها مشتتاً، منشدّة إلى بعضها بعضاً بلحمة من كهرباء كنشيد متكامل:

أنا المتعقب هشاشتك الأزلية

أمضي مذروراً في نُثارك كفضةٍ لا قمر لها

مُرتطماً بكسر الضوء

منقاداً لعطركِ الذي يتّخذ شكل الريح

ويُداهم سكونات الزُّوفى وتوت العليق (ص 21)

قصائد ماجدة داغر محاولة جديّة في البحث عن لغة شعرية مُغايرة، فصورها تراوحت بين الرمزية والسرد الغرائبي، فيما بقي الشكل أوحد قوامه نثر متواصل يختال شعراً وفق نبض أحاسيس الشاعرة وصوتها الخاص الذي لم تتوسّل تقطيعه موسيقياً كي لا يستحيل الشعر أنغاماً تقرّرت سلفاً.

سمّت داغر مخلوقاتها كما تشاء: وجهك المائي، المحيط العنابي، وجهك المجرات، أفحوانة مكتئبة، البدر المثقوب، هشاشة أزلية، منام سريع الذوبان، قصائدي مائدة متهدجة، حائط الخطيئة، رحِم الصّدفة، قارورة ملعونة الغطاء... ومفاجأة أدبية أدهشتنا بها عندما جاورت بين مصطلحات بعينها، فكيف يتشكّل الجسر من ماء؟ وكيف يكون الغدير مسكوناً بالعطش؟

عابراً كجسر ماء

نسائم قدر يهلُّ

من سكون في قرونٍ (ص 66)

...

أُشارف صوتك العالق كنصفي الآخر

في هديري

في غديرك المسكون

بالعطش (ص 67)

وإذا كان الشاعر المغربي عبد الحق ميفراني أراد للحواس أن تصمت في ديوانه الثاني «صمت الحواس»، فالحواس في «آية الحواس» تبوح بما تشاء وتتوزّع على نفوس كثيرة، ولا تستقر على رغبة بعينها، والفراغ لا يصيبها ولا الترياق الأسود على رغم صرخات مؤلمة طاغية في الكلمات:

ضيقة كانت الممرات

وسيد الباب الملتهب

يسنُّ انتظاره

على بعد غيمتين

من الخطوات المتعثرة

ويشحذ سِنَّه الوحيدة

لوليمة الأرواح الناضجة

على نار مُغرية. (ص 106)

داغر لا تكتب للجمهور بل تعبّر عن وجدانيتها، تقول ذاتها تتلقى القصيدة بنفسها ولا نعرف إن كانت تفكر بالمتلقي، فتلتمع إشراقات رومنسية كاشفة عن إحساس مفرط بالحياة، بالمطلق بمتكأ تستند عليه:

مدّني سريراً لأحزانك

ومِظلةً في فيء عينيك

تتلو أغنية الرحيل

كلما ظنَّ المطر

أن حزنك الصغير

يكبر في بال غيمة (ص 51)

تنطلق الشاعرة بأبيات لافتة في معظم القصائد، لكن جماليات بعضها لا تستمر، إذ تتعثر الصورة في اللغة، أو ربما تتعثّر الصورة نفسها لتصبح أقل انسيابية وتفلتاً وخروجاً من الشجن والانكماش. وعلى رغم ذلك يبدو واضحاً أنه عن طريق المتعة والمتخيّل تستطيع داغر قول ما تريد:

أيها المغادر تحت زخات الصمت،

لإيقاعك غناء يستجلب الظل

لكثافتك أشباح تمتلئ

ويصير لها منكباك مكللين بالرحيل،

ووجهك المهجور

ينفض عنه القسمات

فتتطاير ذاكرتي المكومة

في بال فراشات

تقتفي لوناً يسيل من جناحيه الضوء. (ص 91)

back to top