متحف رينيه ماغريت... الفن يتألّق في بروكسل

نشر في 27-05-2009 | 00:00
آخر تحديث 27-05-2009 | 00:00
No Image Caption
افتُتح رسمياً في العاصمة البلجيكية بروكسل متحف مخصص لرينيه ماغريت، الذي انتظره منذ أكثر من أربعة عقود محبو هذا الرسام السوريالي الذائع الصيت، وأحد أكثر الفنانين تأثيراً في مسار فنون القرن العشرين.

أوضح المسؤولون عن المتحف، الذين يتوقعون اجتذاب 600 ألف زائر سنوياً، أن بلجيكا أرادت متحفاً لماغريت لإثارة «حماسة عالمية»، على غرار أمستردام التي تحتضن متحفاً لفان غوغ وبرن.

لا يريد متحف ماغريت لنفسه أن يكون شاملاً، فبعض أشهر أعمال الرسام معروض في متاحف كبرى خارج بلجيكا، لكنه يسمح برفع النقاب عن رجل كان «يتقدم وهو يضع قناعاً»، لنكتشف بذلك قربه من التيار النقابي من خلال ملصقات له تدعو الى التظاهر، ونكتشف أيضاً علاقاته المبهمة بمجال الإعلانات الذي استعار صوراً كثيرة له، ونتعرّف إلى مرحلة لم يتردد في دخولها البرجوازي من بروكسل من خلال نحو 30 لوحة متأصلة في السريالية.

اللوحة الأشهر

والحال أنه رغم مرور عقود على وفاته، لا يزال يُنظر إلى ماغريت باعتباره أحد أكثر رسّامي القرن العشرين نفوذاً وتأثيراً، وبوصفه جزءاً لا يتجزّأ من مشهد عصر ما بعد الحداثة الثقافي، فهو صاحب اللوحة الأشهر «هذا ليس غليوناً».

كان الفنان يرى العالم كما لو أن ستاراً موضوعاً أمام عينيه. بمعنى أنه اذا كان المرئي من الأمور يغلّف الحقائق ويخفي الأشياء، فعلى الرسام الذهاب إلى ما هو أبعد من المرئي. كذلك تنبه الى أن الكتابة أو الرسم في العمق بمثابة كذبة دائمة. ومن هنا أتت جملة «هذا ليس غليوناً» التي كتبها في أسفل اللوحة، في إشارة إلى أن الصورة مهما كانت على درجة عالية من الواقعية، فإنها لا تنقل الواقع كما هو. فصورة غليون لا تكفي للإمساك به وتدخينه.

ماغريت يؤكّد أن الصورة ليست حقيقة، بل هي في النهاية تمثيل لرمز، وأن ما نراه في الواقع لا يعدو كونه انعكاساً لأنفسنا وأفكارنا وخيالاتنا الخاصّة. وبناءً عليه لا يجب الخلط بين الصورة والرمز الذي تمثله. وفي اللوحة إشارة ضمنية إلى محدودية إدراكنا للعالم الواقعي وقابلية أدمغتنا للتأثير فيه والسيطرة عليه.

تتألف لوحات ماغريت من أشياء يومية مرتّبة وفق منطق شعري تنتج عنه معانٍ كثيرة. وللتفكير بالواقع يجب التأمل فيه بعيني فنان، إذ يجب أن نعيد إليه ذلك الامتلاء بالمعنى الذي يخفيه. ومعظم اللوحات ينطوي على مفاهيم بصرية وفكرية وفلسفية مثيرة للاهتمام. ويصعب فيها غالباً الفصل بين الكوميديا والشعر والغموض والظلام.

يعتقد ماغريت أن الرسم أداة معرفة وليس هدفاً بحد ذاته وتصويراً للأشياء الحقيقية، بل يمثّل فكر الرسام إزاء الأشياء. أما عن طريقته في الرسم فهي أكاديمية بحتة وليس فيها أي تحديث شكلي، فهو لم يخترع تقنية جديدة في الرسم مفضلاً الغوص في أعماق الأشياء وتفكيك العلاقات في ما بينها. فتراه يقدم المظلة والدمية والطير والتفاحة والغليون والبطيخة بدرجة عالية من الموضوعية، كما لو أن الأمر يتعلق بدرس عن هذه الأشياء. وهكذا فإن لوحاته تصويرية جداً من جهة، لأنها تعرض لنا الأشياء كما هي، ومن جهة أخرى نجد أن نظرة الفنان تتدخل في تشكيل مجموع اللوحة من خلال الربط المزعج لعناصر عادية.

اهتمام متزايد

في السنوات الأخيرة اكتسبت لوحات ماغريت اهتماماً متزايداً من الناس والنقاد على السواء، وأصبح بعضها بمثابة أيقونات وعناصر ثابتة في الثقافة الشعبية ووسائطها المختلفة. في الموسيقى، تروق مناظر ماغريت كثيراً لمطربي «البوب» الذين يزيّنون بها أغلفة موسيقاهم. وفي السينما، ظهرت لوحته الشهيرة «ابن الإنسان» التي تصوّر رجلاً تحجب وجهه تفاحة خضراء في أكثر من فيلم سينمائي. ووظفت لوحته «إمبراطورية النور» في تصميم ملصق فيلم The Exorcist الدعائي.

وألف الفيلسوف ميشيل فوكو كتاباً استوحى عنوانه من لوحة ماغريت «خيانة الصور: هذا ليس غليونا»، وناقش فيه دلالات وإسقاطات اللوحة من منظور لغوي وتاريخي وابستيمولوجي وبصري. بدورها، وحتى وقت قريب، كانت الخطوط الجوية البلجيكية «سابينا» تضع لوحة الفنان «طائر السماء» شعاراً لطائراتها. ويجد النحّاتون ومخرجو الأفلام السينمائية ومصمّمو الغرافيكس والإعلانات الدعائية في أعمال ماغريت منجماً غنيّاً يستلهمون منه أفكاراً فنية وإبداعية متجدّدة.

لطالما عبّر ماغريت عن افتتانه بالعلاقة التبادلية بين الكلمات والصور، ورأى أن العنصرين قد يكونا أحياناً بلا معنى. يقول في هذا المجال: «لا يمكننا فصل الغموض عن أي شيء، وإذا فعلنا ذلك نكون قد أسأنا فهم الشيء وجرّدناه من جوهره». وبرأيه، الرسم لا يمكنه الوصول إلى حيث يصل الشعر والفكر. على أن لوحات كثيرة أبدعها جاءت بمثابة كشوفات فلسفية ونفسية وشعرية وتأمّلية للغة والإدراك، من خلال محاولة إعادة اكتشاف العوالم الداخلية والخارجية، واقتراح تفسيرات جديدة للعلاقات والأبعاد والافتراضات والتناقضات التي تحكم الحالة الإنسانية.

كان ماغريت يهوى الفلسفة والأدب، وكتب «في مدح الديالكتيك» و{إجازة هيغل» وهي مقالات مؤثرة في تأبين هيغل. كان صديقاً لهايدغر وفوكو، وكان يعرف تماماً أعمال مالارميه وبودلير ولوتريامون كافة. ومن المؤكد أنه آثر الأحاجي والألغاز التي تترك المشاهد حائراً، لكن الطابع المميز في لوحاته هو الحس المرهف والدعابة والغمزات المستمرة... ذلك كله أنقذ فنه من النزعة الفكرية الغامضة والجافة.

ولد ماغريت عام 1898 ودرس الرسم في بروكسل. ومنذ أعماله الأولى سيطر على فنه أسلوب قريب جداً من السوريالية، وطبع جميع أعماله في ما بعد. عرف هذا الفنان بدقته ومهارته الفنية، واشتهر بأعماله التي حاول فيها التقريب بين عناصر عادية في سياق غير مألوف لتعطي في النهاية معان جديدة. وتوفي عام 1967، لكن لوحاته تحظى إلى اليوم بشعبية واهتمام رغم غموضها وصعوبة تفسيرها غالباً.

back to top