سركون بولص مترجماً كتاب النبيّ تحفة بقلم شاعر أحبّ جبران

نشر في 08-06-2008 | 00:00
آخر تحديث 08-06-2008 | 00:00

صدرت ترجمة جديدة لكتاب «النبي» لجبران، الى العربية، بعد ترجمات عدة بأقلام عربية وأجنبية في مصر وتونس ولبنان وسوريا من أمثال ثروت عكاشة، الشاعر يوسف الخال والفيلسوف ميخائيل نعيمة. المترجم هذه المرة هو الشاعر العراقي سركون بولص الذي رحل قبل أشهر وترك المخطوط ناجزاً.

تولت دار الجمل إصدار «النبي» بالحرفية التي صاغها بولص، لأنه دخل الى عمق النص الشعري لجبران، الذي يعتبر أول قصيدة نثر عربية مصوغة من ضمن اتساع مفهوم قصيدة النثر وتجاوزها لشروط الفرنسية سوزان برنار في كتابها الشهير «قصيدة النثر الفرنسية من بودلير الى أيامنا هذه» (أي الستينات)، باعتبار أن تلك الشروط «الفرنسية» للقصيدة لم تعد تتسع للشعر الفرنسي في آفاقه المفتوحة منذ نصف قرن ولا حتى للشعر العربي.

شاعر التمرد

تحفة جبران من جديد الى العربية بقلم شاعر أحب جبران... كأن كلماته الأخيرة أرادها من شاعر «النبي» و{حديقة يسوع» و{الأرواح المتمردة» و{رمل وزبد» و{الأجنحة المتكسرة». شاعر التمرد والحرية حتى الفوضى يقابله شاعر آخر من طينته! التمرد الذي افتتح روح عصر بكامله والحرية التي كسرت الكثير من القيود في مطلع القرن الماضي،.

يعتبر «النبي» من أشهر كتب جبران على الإطلاق، خلاصة فكره وفلسفته الخالصة حول أمور الحياة، كتبه أكثر من مرة ومزقه وكتبه أخيراً باللغة الانكليزية. في عام 1931، كتب بخصوصه: «شغل هذا الكتاب الصغير كل حياتي. كنت أريد أن أتأكد بشكل مطلق من أن كل كلمة كانت حقاً أفضل ما أستطيع تقديمه». لعل مردّ هذه الشهرة أتت من كونه كتاباً اجتماعياً مثالياً، تأملياً فلسفياً، يدور حول زاهد يدعى «المصطفى» يهم بالرحيل من مدينة «أورفليس» التي أحب أهلها، تألم لفراقهم على الرغم من شدة لهفته، إلى مسقط رأسه، لما تجمع الناس لوداعه طلبوا منه أن يزودهم بتعاليمه ونصائحه. بدأت بذلك «المطرة»، وهي المرأة التي آمنت به أولاً، سألته عن الحب الذي هو أساس الحياة، المقرّب بين البشر، مصدر السعادة والقلق والعذاب.

حمله حديثه عن الحب إلى الحديث عن الزواج المثالي القائم على المحبة والمساواة وعن الأولاد، العطاء، الألم، الخير والشر، الموت، هنا ظهر إيمان جبران بالتقمص إذ قال بأن النفس تنتقل من حياة إلى حياة أخرى تكون أفضل من سابقتها، لأنها تكون أقرب إلى الكمال. هكذا نجد في تعاليمه يمزج بين المبادئ الصوفية، الحكم العملية، القيم الروحية، في كل صفحة نجد فكرة جديدة، صاغها بأسلوب شعري، متخذاً من الرموز سبيلاً لنشر أفكاره، متأثراً بالإنجيل والرومانسيين، بخاصة نيتشه في كتابه «هكذا تكلم زرادشت».

تتألف بنية الأدب الجبراني من مزيج من العناصر الرومانسية والواقعية والصوفية والثورية والحداثية، استطاع جبران أن يؤالف بينها في توليفة سحرية، لا تأتي إلا لمبدع كبير حقاً. أدبه رومانسي وواقعي وصوفي وثوري وحداثي في الوقت نفسه، يعتبر سر النكهة الخاصة التي تمنح نتاجه فرادتها وخصوصيتها، تبين كيف تنجدل خيوط العناصر وتتفاعل في ما بينها لتتماهى في النسيج الأدبي لنصوصه.

40 لغة

تكمن قوَّة كتاب جبران في أنه بعيد عن العبارات الفلسفية الغامضة، مكتوب بلهجة بسيطة، مباشرة، مسالمة، أثَّرت حتى اليوم في ملايين الناس وغيَّرت حياتهم بشتى الطرق وبعثت فيهم العزاء والأمل والفرح. صمدت معظم أعماله في وجه الزمن، اليوم وبعد مرور أكثر من سبعين عاماً على وفاة مبدعها، ما زالت دور النشر تتسابق على إعادة إصدارها. لم تتجاوز أعماله حدود الزمن فحسب بل حدود المكان أيضاً، فهي اليوم مقروءة في جميع بقاع الأرض بعدما ترجمت إلى معظم لغات العالم.

ترجم كتاب «النبي» منذ صدوره عام 1923 إلى أربعين لغة، ترجم إلى الفرنسية خمس عشرة مرة، طبع منه ما يزيد على 9 ملايين نسخة. إذا كان جبران نال إعجاب القراء، فلأنه نجح في تحريك المشاعر ولأنه يُقرأ على مستويات مختلفة، بطريقة شبيهة نوعا ما بـ{الأمير الصغير» لـ{سان إكسوبيري»، من خلال عناوين النصوص التي يحتويها: المصطفى، المطرة، الزواج، الأبناء، العطاء، اللذة، الجمال، الحزن والفرح، الألم، الصداقة، الزمان، الدين، البيع والشراء، الخير والشر، الحرية، القانون، الجريمة والعقاب، الموت، الوداع.

صرخة احتجاج

يعتبر محبو جبران أن «النبي» كان صرخة احتجاج ضد عالم يملؤه الشر وأن الكلمة فيه إحدى رسائل جبران لتخليص البشرية من الشر المتجذر في حاضرها. كان رسالة الى الإنسانية جمعاء قبل أن يكون عاصفة تجتاح الغرب، كما يقول روزفلت، ليس غريباً أن يكون من أروع ما ترك جبران لأنه تحدث فيه عن علاقة الإنسان بالإنسان، لا يعدو تأثره بكتاب «هكذا تكلم زرادشت» للفيلسوف الألماني نيتشه، كما يقال، أن يكون اقتباساً لطريقته في مُخاطبة الآخرين.

إذا كان نيتشه جعل من زرادشت «نبياً» ينطق بأفكاره، فإن جبران جعل من المصطفى لساناً ينطق من خلاله ليحدِّث الآخرين. في ما عدا ذلك، كان «النبي» نتيجة معاناة طويلة وفلسفة اعتمدت على الحب الطاهر، بخلاف فلسفة نيتشه المبنية على «السوبرمانية»، التي كانت أساساً لكثير من الأفكار العنصرية. كان يعيبُ جبران أنه وقع تحت سطوة أفكار نيتشه مثلما وقع تحت سطوة بعض أساليبه ويمكن القول، بعبارة أخرى، إن جبران في «النبي» معلِّم يستخدم قالب نيتشه على طريقته الخاصة وبأسلوبه الخاص، كما يقول دكتور ثروت عكاشة أحد مترجمي «النبي».

مقتطفات

الزمان

وقال فلكي:

أيها السيد، ماذا عن الزمان؟

فأجاب:

يحلو لكم أن تقيسوا الزمان، هو الذي يتخطى القياسات، ولا يمكن قياسه.

وأن تكيفوا سلوككم وحتى ان تحددوا مسار أرواحكم بالتوافق مع الساعات والفصول.

يحلو لكم أن تجعلوا من الزمان نهراً تجلسون على ضفتيه، وترقبونه يجري.

مع أن اللازماني فيكم يعي أن الحياة لا يحدها زمان، ويعرف أن الأمس ليس سوى ذكرى اليوم، وأن الغد حلم يومنا هذا (...).

لكن اذا كان لا بدَّ لكم في فكركم، أن تقيسوا الزمان بالفصول، اذن فليطوق كل فصل جميع الفصول الأخرى.

وليعانق اليوم ماضيه بالذكرى، ومستقبله بالشوق.

اللذة

ثم تقدم ناسك، يزور المدينة مرة كل عام، وقال: حدثنا عن اللذة.

فأجابه، قائلاً:

اللذة نشيد حرية، لكنها ليست الحرية.

إنها ازدهار رغباتكم، لكنها ليست ثمارها

هي عمق يتنادى نحو علو، لكنه ما هو بالعميق ولا بالعالي.

إنه ذلك المحلق خارجاً من قفصه، لكنه ليس الفضاء الذي طواه بتحليقه.

أجل وأيم الحق، ما اللذة سوى أغنية للحرية.

ومرادي أن تغنوها بقلب ممتلئ؛

مع أنني لا أريدكم أن تفقدوا قلوبكم في غنائها. (...)

والبعض من شيوخكم يتذكرون ملذاتهم نادمين كأنها موبقات ارتكبوها وهم سكارى.

لكن الندم يغيم العقل بسديمه فحسب، ولا يؤدبه.

الأحرى بهم أن يتذكروا ملذاتهم بامتنان، كما يتذكرون حصادهم ذات صيف.أما اذا وجدوا عزاءهم في الندم، فليكن لهم ذلك العزاء.

back to top