بعد أيام من تركه منصبه أحمد نوار: هيئة قصور الثقافة تعاني عجز الإمكانات الماديّة
اعترف الدكتور أحمد نوار، بعد أيام قليلة من تركه مركزه كرئيس للهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر، أن الهيئة يشوبها تقصير كبير في الآونة الأخيرة مقارنة بما كانت عليه في حقبة الستينات، إذ كانت تغطي أنشطتها الثقافية القرى والأقاليم وامتدت إلى الدول العربية, فشكلت مصدراً للاشعاع الثقافي والتنويري.
في حوار مع «الجريدة»، حلَّل د. نوار الأسباب الكامنة وراء هذا التقصير.كيف تفسر التقصير في دور الهيئة اليوم؟العجز في التمويل وغياب خطة بانورامية لتعزيز هذه المواقع أو خطة سيادية ثقافية, لا بد من وجود مواقع ثقافية في كل قرية مصرية. سعيت إلى الوصول إلى غالبية مناطق مصر في الوقت نفسه، كما هو معروف لا تفعَّل التنمية الشاملة في المجتمع إلا من خلال تكامل المؤسسات المدنية مع الرأسمالية. في أسبانيا مثلاً وفرنسا يموِّل المواطنون والبنوك ورجال الأعمال الأنشطة الثقافية، حتى الدول المتقدمة لا تستطيع ميزانيتها تمويل هذه الأنشطة ولا بد من المشاركة المجتمعية، لذلك ابتكرت ما يسمى بثقافة الوطن.لكن لم تلقَ دعوتكم رجال الأعمال لتمويل الأنشطة الثقافية أي صدى؟صحيح، لأسباب منها: غياب الثقافة عند كثير من رجال الأعمال والمستثمرين وافتقاد المؤسسات المصرفية والقائمين عليها لثقافة الوطن، لو أنهم يمتلكون هذا الحس لوجب عليهم أن يقترحوا في اجتماعات مجالس الإدارة في المصارف التي تربح المليارات مشاريع ثقافية, على غرار ما كان يفعل طلعت حرب وما حققه بعض رجال الأعمال في السابق في هذا المجال، في رأيي ينضح الإناء بما فيه.للعلم، يقتني 20 بنكاً في أسبانيا أعمالاً ثقافية، يتبنى بنك مدريد القومي متحف مدريد، بينما التجار عندنا لا يسعون إلا إلى الربح المادي. تعتمد الثقافة، مثل التعليم وثقافة الوطن، على سلوك المواطن تجاه عمله ووطنه ويؤدي غياب هذا السلوك إلى فساد وجهل وإرهاب.يتابع كثيرون أنشطة ساقية الصاوي ويجهلون تماماً برامج قصور الثقافة وأنشطتها، لماذا؟هناك سببان كل منهما مرتبط بالآخر: الأول شخصية المسؤول عن المكان, تملك ساقية الصاوي مقومات النجاح من حيث الإدارة والخدمات والتمويل وعدم وجود روتين، بالإضافة إلى الاستقلالية والحرية المطلقة في الإدارة.الثاني الإمكانات, لدينا قوانين ولوائح تنظم عملية التوظيف والترقيات إلا أنها لا تتناسب مع العمل الثقافي الإبداعي. تفتقر معظم قصور الثقافة إلى التمويل الكافي، كيف يسير العمل على ضوء هذا الواقع؟هذه نقطة مهمة وحقيقية, لا تتوافق الميزانية التي تخصصها وزارة المالية سنوياً مع الخطة التي يجب تنفيذها، وهي للأسف تصل إلى 5% من المطلوب, مثلاً لدينا أكثر من 300 فرقة مسرحية لنوادي المسرح وفرقة مسرحية مركزية، تعرض كل عام أعمالاً في مهرجان المسرح الخاص بالأندية، ومن الطبيعي أن يشترك في هذا الإنتاج المسرحي الأديب والمخرج والممثل والمهندس والمصمم, كيف تستمر في الإبداع إذا لم تتوافر إمكانات للإنتاج بخاصة أننا نعرض 300 يوم مسرح في السنة؟لماذا لا تسوِّقون هذه الأعمال؟حاولنا ولم نلقَ التجاوب حتى من التلفزيون المصري، المسرحية الوحيدة التي اشتراها هذا الأخير كانت «ست الحسن». هناك أعمال على مستوى التجريب لإعداد الأجيال، لا بد من أن توفر لها وزارة المالية ميزانية تساهم في تثقيف الأجيال والارتقاء بحسها الجمالي والثقافي. يتعامل المسرح مع قضايا الجمهور الاجتماعية والإنسانية، فلو عُرض عمل مسرحي في كل مدينة لخمس ليال مثلاً، سيخلق جيلاً مثقفاً يحفز المواهب.من جهة أخرى، لم تلق دعوتنا إلى البنوك القومية وغير القومية أي صدى ولا حتى الاعتذار على عكس ما حدث مع المواطنين العاديين الذين أنشأوا مكتبات على حسابهم الخاص وتبرع بعضهم بأرض، هناك أكثر من 40 قراراً لتخصيص أراض لبناء قصور ثقافة في المحافظات ولكن لا يوجد تمويل.كيف يتم العمل في مثل هذه الحالات؟ارتأيت أن تطوير القصور الحالية أهم من أن أبني الجديد، عبر تحديث المواقع ثم نبدأ بتخصيص ميزانية للبناء.يخالف المشهد اليوم المشهد الذي ساد في الستينات، برأيك ما كانت أسس الإزدهار في تلك الفترة؟في الستينات كان دور الإعلام مهماً, زار طلاب مصر كلهم السد العالي فأصبح مشروعا قومياً, كانت روح الناس معه وتابعوا مراحل بنائه واستشهد المئات من المواطنين خلال سنوات العمل فيه.شكلت معايشة الناس له عن طريق هذه السياسة المفتوحة سبباً رئيساً في الارتباط به وبمصلحتهم وبشعورهم بالأمان في حماية هذا المشروع الذي يقيهم من الفيضانات ويحفظ الماء، أي ثقافة شعب, اليوم يقابله مشروع مترو الأنفاق، لم يرتبط الناس به مع أنه مشروع عصري وعمل عبقري، لو أن وسائل الإعلام، ومنها التلفزيون، نقلت هذه المشاريع إلى الناس ستكون خير دعاية لربط هؤلاء بالمجتمع بطريقة طبيعية غير مفتعلة، المشروع ملك الناس ولا بد من ربط المواطنين بثقافة إنشاء هذه المشاريع ما يعمق الحس الوطني لديهم ويشعرهم بالمسؤولية. هل هناك تعاون بين الهيئة والدول العربية؟الهيئة معنية في المقام الأول بالمحليات لكن لا مانع في بعض الأحيان من أن تمتدّ بعض الأنشطة إلى الدول العربية مثل فرقة الفنون الشعبية التي لها امتداد في جميع الدول العربية والعالم.هناك قرار من مجلس الإدارة بتدعيم المكتبات العربية في المواقع الثقافية والجامعات بإصدارات الهيئة العامة، لدينا الآن قاعدة معلومات، نتواصل مع الدول التي تحتاج إلى زيادة الثقافة المصرية لديها مثل السودان وفلسطين ودول الخليج التي تنشئ جامعات جديدة، ولنوازن بين التعليم الأجنبي الذي يتم في دول الخليج وغيرها مع الأشقاء العرب أيضاً.