هلال رمضان... بين الحسابـات الفلكيّة والرؤية العينيّة!

نشر في 08-09-2008 | 00:00
آخر تحديث 08-09-2008 | 00:00

كثر الجدل والنقاش في السنوات الأخيرة حول تحديد اليوم الأول لشهر رمضان المبارك الذي كتب الله فيه الصيام، خصوصًا مع تداخل السياسة بالدين والاختلافات الدينية والمذهبية. ونتيجة لظهور الاختلاف في الآراء وتعدّدها، وقع الناس في حيرة من أمرهم، فهم لا يعلمون متى يصومون ومتى يفطرون.

في هذا السياق يعتبر مفتي جبل عامل السيد علي الأمين أن الشريعة السمحاء ليست مسؤولة عن هذا الحجم من الاختلافات لا في تلك العبادة ولا في سواها، فهي خاطبت أصحاب اللسان بلغتهم وبينت لهم مقاصدها المطلوبة منهم. تحققت الممارسة الطويلة لتلك العبادة في عهد النبي(ص) وعهد المخاطبين بلسان عربي مبين، فلم يجد الخلاف اليهم سبيلا، لا في تحديد تلك العبادة ونهايتها، ولا في غيرها من العبادات. لكن البعد الزمني عن عصر التشريع والتطبيق، وظهور عوامل أخرى، مثل الابتعاد عن قواعد اللغة العربية وأصولها، أديا الى خفاء الدلالة وعدم وضوح المقصود من النص الديني، فاحتاج ذلك الى الاختصاص في العلوم الأخرى، للمساعدة في فهم النص التشريعي وتحديد المقصود الشرعي منه. القمر على ما نعلم جرم تابع للأرض وجسم مظلم يعكس ما يسقط عليه من ضوء الشمس إلى الأرض؛ فيصبح مرئيًّا بالنسبة لسكان الأرض. تلك الإضاءة واتساع مساحتها يختلفان باختلاف زاوية موقع القمر اليومي من الأرض والشمس؛ وهو ما ينشأ عنه ظاهرة أوجه القمر المعروفة، والتي استخدمها المسلمون أساسًا للتقويم الهجري المعمول به؛ «يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج». حيث يُثبّت يوم بدء الشهر القمري برؤية الهلال بعد غروب الشمس في يوم 29 من الشهر القمري السابق، وإذا تعذرت رؤية الهلال يتوجب إكمال عدة الشهر القمري السابق 30 يومًا، ثم يبدأ بعد ذلك الشهر القمري الجديد؛ وذلك لأداء فريضتي الصوم والحج عند المسلمين. لذلك دأبوا في أقطارهم المختلفة على التطلع إلى الأفق لرؤيته بعد غروب الشمس. بعضهم يوفق في رؤية الهلال، بينما يشتبه الآخرون فيتوهمون رؤيته، ومنهم من لا يتمكن من رؤيته البتة، وبذلك يحصل الاختلاف خصوصا في تحديد شهر رمضان.

يشهد العالم الإسلامي في كل عام اختلافاً شديداً في ما يتعلق بهلال رمضان لا سيما في تحديد توقيت معين لبداية الشهر الكريم وفي نهايته، الأمر الذي يترتب عليه اختلاف في بداية عيد الفطر المبارك. غالباً ما تصطدم أمنيات العلماء المسلمين في توحيد الرؤية بحائط منيع يرى أصحابه ضرورة اعتماد الرؤية العيانية، في حين يذهب آخرون إلى اعتماد الحساب الفلكي حتى نغلق الباب أمام الاختلاف الطائفي والمذهبي. «الجريدة» سلطت الضوء على الموضوع وحاورت الفلكي الدكتور صالح العجيري حول أسباب الخلاف على رؤية أهلة الأشهر القمرية من الناحية الفلكية.

يعتبر العجيري أن مشكلة خلافات المسلمين حول رؤية هلال رمضان ليست حديثة، ولم يتوصلوا إلى إيجاد صيغة توافقية أو آلية لرصد الجرم السماوي «القمر» تنهي أسباب الخلاف. تصوّر البعض أن ظهور وسائل تقنية حديثة ستساهم في تقريب وجهات النظر، بيد أن هذا التطور التكنولوجي أدى الى توسيع أشكال الاختلاف وبروز أمور دينية لها علاقة بعوامل أخرى ثقافية واجتماعية وسياسية وتاريخية، أدت إلى تأصيل الخلاف بين المذاهب الفقهية حول الشروط الواجبة لتحديد بداية الشهر أو نهايته.

تقرّ معظم المذاهب بدخول شهر رمضان إذا شهد مسلمان عدلان برؤية الهلال، وأدى هذا الوضع إلى انبثاق سلطة ضمنية لدى علماء الدين والفقه على المسائل المتعلقة بالزمن، إذ تعهدت المؤسسات الدينية في الدول العربية بمهمة رصد الجرم السماوي اعتماداً على شهادة أفراد، وترفض اعتماد حسابات علماء الفلك.

الحقائق الفلكية

حول عدم تطابق الرؤية الشرعية مع الحقائق العلمية يؤكد العجيري أن الاختلاف على أهلة الشهور القمرية الشرعية له أسباب متنوعة: أولا تحكم الأمور السياسية في أصول الدين وفقاً لاعتبارات تصب في مصلحة الفرقاء في السياسة، ثانياً الاختلاف بين المراجع الدينية والمذاهب، يشير إلى «أنه سابقا وقبل التطور التقني في وسائل الاتصالات كان المسلمون يعتمدون على مبدأ الرؤية العينية، فيصومون لرؤية الهلال بلا اكتراث في المدن المجاورة أو الدول الأخرى»، ويعتبر أن وسائل الاتصالات الحديثة أثّرت سلباً في رؤية الهلال وعمّقت الخلاف بين المسلمين وشرّعت الباب للاختلاف في تحديد أهلة الشهور العربية لاسيما بداية شهر رمضان ونهايته.

في السياق نفسه، يوضح العجيري أن «التبعية الدينية والسياسية أدت الدور الأساسي في توسيع هوة الخلاف بين الفرقاء في المذاهب من جانب وبروز عوامل جديدة في اختلاف أبناء المذهب الواحد وفقاً للمرجعية الدينية من جانب آخر». كذلك يؤكد أن ثمة دولا تعتد برأي دول أخرى ليس لدوافع شرعية إنما لأسباب ليست لها أي علاقة بالدين أو الفلك كالمحاباة والمجاملة، ويبين أن الوسائل التقنية الحديثة أدت إلى تأصيل الخلاف بين أبناء الدين الإسلامي لا سيما في ظل عدم اعتراف بعض المسلمين بالطرق المتبعة في البحث الفلكي.

مراحل تكوين الهلال

يشير العجيري إلى أن «الدول الإسلامية أهدرت فرصة ثمينة حينما لم تعتد بالنتائج النهائية للمؤتمرالذي نظمته الجمهورية التركية عام 1978 والذي هدف إلى توحيد بداية الأشهر القمرية، وقدم المشاركون في المؤتمر دراسات عدة حيث توافرت أربعة شروط اتفق عليها المؤتمرون في تحديد بداية الأشهر القمرية: ينص الأول على التأكد من ولادة الهلال بمعنى أن يبتعد الهلال عن الشمس، يستلزم الثاني مكوث القمر لبضع دقائق أن يكون بمعنى غروب الشمس أولاً ثم غروب القمر، يستوجب الثالث مكوث الهلال لكن حينما يكون في زاوية 7 درجات وأكثر أن يظهر النور في جرم القمر، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان البعد الزاوي بين الشمس والقمر 7 درجات فأكثر، يشير الرابع الى ضرورة ضمان خروج القمر من حيّز الهلال، بمعنى أن نضمن خروج القمر من حيّز شعاع الشمس، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان ارتفاع القمر وقت غروب الشمس لا يقل عن 5.5 درجات فأكثر». يضيف: «صدِّق على تلك البنود واعتُمدت في تحديد بداية الشهر القمري ونهايته وانفض الاجتماع وكنا نأمل سريان مفعول تلك الاتفاقية، بيد أننا فوجئنا بتنصّل البعض من نتائج المؤتمر التي وقعوا عليها وروجوا بأنه غُرر بهم. تحجج فريق آخر بأسباب واهية معترضاً على عقد الاجتماع أو المؤتمر في دولة علمانية، مطالباً بعدم تطبيق المقررات».

أخطاء جسيمة

يتابع العجيري: «اعتنى علماء الفلك بمسألة رؤية الهلال عناية خاصة، نظراً إلى ارتباط بعض العبادات الإسلامية بحركات الشمس والقمر، بيد أن الحسابات الفلكية الدقيقة واجهت عوائق كثيرة، أبرزها عدم اعتماد رأي الفلكيين في تحديد موعد رؤية الهلال وكذلك قبول شهادات الرؤية بغير فحص ومن دون العودة إلى الفلكيين الاختصاصيين، على الرغم من أن الأمة الاسلامية تمتلك من الكفاءات العلمية والوسائل التقنية ما يسمح لها بمعرفة موعد ظهور الهلال مسبقاً». يشير الى ضرورة الرجوع الى علماء الفلك في تلك المسألة الدقيقة ليس للإثبات إنما للنفي وحسب لئلا تقع المؤسسات الدينية في أخطاء جسيمة تتسبب في ضرب الصف الإسلامي.

الفلك والتنجيم

يطالب العجيري بالتفريق بين علم الفلك والتنجيم لاسيما أن «علم الفلك علم رصين يستند إلى الحقائق الثابتة والقواعد الراسخة في تعلمه، وكذلك علم الأرصاد الجوية ويشبهه في كثير من النواحي فهو علم صحيح راسخ لا يستند إلى الحدس أو التخمين. أما علم التنجيم إن صح لنا أن نسميه علماً ففيه الكثير من الملابسات الخاطئة ويفتقر إلى القواعد والأسس الصحيحة ويعتمد ممارسوه على تغليب الظن على القواعد».

يضيف العجيري: «يخلط كثر بين العلوم الثلاثة، ويظنون أن المعلومات الفلكية تأتي عن طريق الإيحاء من الجان، وهذا أمر يؤسف له، وكوني فلكياً لست بعيداً عن الاتهام من أنني أمارس التعامل مع الجان. يحتاج المنجمون إلى دراية الفلكيين، ويحتاج الفلكيون إلى كفاءة الأرصاد الجوية، وأرباب التنجيم يدلِّسون على الناس ويوهمونهم، مع ذلك يقل هذا العلم اهتماماً عند بعض الناس».

الرؤية العيانيّة للصلاة

يشدد العجيري على أن فريضة الصلاة هي عماد الدين وهذا أمر متفق عليه، «إذن لماذا لا يتبع المؤذنون في المساجد الطريقة ذاتها في تحديد وقت الصلوات ويعتمدون على آلة جامدة تحدد لهم مواقيت الصلوات؟» كذلك يؤكد أن الصلاة فرضت من السماء من دون سائر العبادات، فمن باب أولى عدم الاعتماد على الوسائل التقنية الحديثة واتباع الطريقة ذاتها المتبعة في الرؤية العيانية في تحديد بداية الشهر ونهايته، موضحاً أن هذا الحديث غير مستساغ في وقتنا الراهن ويرفضه كثر من الفقهاء والمسلمين على حدٍ سواء «بيد أن المرفوض راهناً سيكون مقبولاً في ما بعد وسيطرحه أحفادنا على رجال الدين والفقهاء».

شروط الرؤية

من جانب آخر، يوصي علماء الفلك في العالم الاسلامي بأمور عدة تستوجب قبول شهادة الرؤية العيانية ومنها: رفض أي شهادة يصرح الحساب الفلكي باستحالة صحتها. هنا يحتاج الأمر الى توضيح بأن ثمة نوعين من الاستحالة: الأولى مطلقة، حيث يدّعى فيها رؤية الهلال قبل الاقتران، وهو ادعاء يحدث كما أوضحت بعض البحوث الفلكية. أما الشهادة الثانية فهي نسبية تخص إمكان خرق حد دانجوان أي أن يرى القمر بينما تفصله عن الشمس زاوية أقل من 7 درجات، كذلك ينبغي علينا التأكد من أننا لا نعتبر تحطيم الأرقام القياسية الخاصة بعمر الهلال أو زمن المكث.

أما التوصية الأخرى فتستوجب فحص الشهادات عند الإخبار بالرؤية وذلك بطريقة منتظمة، وتقترح البحوث توجيه أربعة استفسارات للشاهد تتعلق بزمن الرؤية وموقع الهلال من السماء والاتجاه الجغرافي لمكان ظهوره وتوجهه وشكله الهندسي.

حسابات فلكيّة

في السنوات الأخيرة بدأت أهمية الطرق الحديثة والحسابات الفلكية لتحديد بداية الشهر الجديد تشهد اهتماما من قبل بعض رجال الدين، وقبل كثير من الفقهاء والمنظمات والحكومات بتلك الطرق.

تستطيع الحسابات الفلكية الحديثة تحديد بداية الهلال الجديد تحديدا دقيقا ولسنوات عدة مقبلة عندما يكون القمر في زاوية صفر من الشمس وتتعذر رؤيته.

يصعب تحديد الرؤية الحقيقية للهلال الجديد (الذي يمكن رؤيته بمساعدة التلسكوب بعد 13 ساعة ونصف إذا كان القمر في زاوية بين 7,2 إلى 8,5 درجة من الشمس) بدقة خصوصاً أن تلك الرؤية تتعلق باختلاف التوقيت اليومي وطبيعة الظروف الجوية وشفافية الهواء.

حتى الآن لم تؤد الدقة المتناهية لتلك التنبؤات إلى اعتراف جميع الفقهاء بالحساب الفلكي والتخلي عن الرؤية العيانية. إليكم الأراء الثلاثة السائدة في هذا الجدل:

- يرفض الرأي الأول الأخذ بالحساب الفلكي رفضا باتا ويعمل بقاعدة الرؤية العيانية.

- يقبل الرأي الثاني الأخذ بالحساب الفلكي ليكون بمثابة قاعدة للرؤية العيانية.

- يقول الرأي الثالث بأن الحساب الفلكي والتقويم التجريبي يكفيان للتأكد من إمكان رؤية الهلال.

كي نتمكن من فهم اختلاف الآراء والمناهج، لا بد لنا من مراعاة المبدأين الفقهيين التاليين:

- مبدأ الرؤية العامة: معناه إذا ثبتت رؤية الهلال في أي بلد في العالم وجب على جميع المسلمين الاتباع وتكون بداية الصوم في اليوم التالي.

- مبدأ الرؤية المكانية: ومعناه أنه بناء على الاختلاف الفضائي والجغرافي فإن على كل جماعة أو منطقة مترابطة جغرافيا أن تأخذ برؤيتها الخاصة لبداية ونهاية شهر رمضان.

back to top