معرضان في واشنطن يسلِّطان الضوء على مؤسِّسيه فن السود... لوحات تحكي الهجرة و الزنوج

نشر في 12-06-2008 | 00:00
آخر تحديث 12-06-2008 | 00:00

يقدم متحفان مهمان في واشنطن فرصة مشاهدة الأعمال الفنية لمؤسسي فن السود. يكافح أحدهما للبحث عن موقع له في الاتجاه السائد للرواد، مع تصميم لوحات تقاوم اتجاهاً سائداً لطالما استثنى الأميركيين السود، فيما يساعد الآخر في رؤية التحدي الذي يشكله هذا التوازن.

الفنان الأول هو جايكوب لورانس ويتجسد عمله في سلسلة «الهجرة» التي تمّت عام 1941. أعادت مجموعة فيليبس جمع 60 من لوحاته التي قُسمت بين متحف فيليبس ومتحف الفن الحديث. يمكن مشاهدة العرض الذي يكمّل ذلك العمل في «آرون دوغلاس: الفنان الأميركي من أصل أفريقي»، وهو معرض يقام في متحف الفن الأميركي السميثوني ويأتي من متحف سبنسر للفنون في جامعة كنساس ويقدم النظرة الأولى الشاملة إلى إحدى أبرز الشخصيات في نهضة هارلم. العرضان أساسيان لفهم مرحلة مهمة من الفن الأميركي الافريقي. لا يمكن الاعتراف بنجاح لورانس في رسوماته عن «الهجرة» من دون مشاهدة إخفاقات دوغلاس وفهمها.

نهضة هارلم

بدأ لورنس «هجرة الزنجي»، العنوان الأصلي لسلسلته، عام 1940 عندما كان في الثانية والعشرين. وُلد في نيو جرسي، وترعرع في بنسلفانيا وعاش في هارلم منذ بداية مراهقته. عندما حاز الموافقة على رسم لوحات عن «الهجرة»، لم يكن تلقى تدريباً رسمياً. تعرض لوحات لورانس الستون هروب الأميركيين الأفارقة من الجنوب الريفي في فترة الحرب العالمية الأولى، نشهد مآسي الجنوب: حالات الإعدام من دون محاكمة قانونية، المحاكم الظالمة والأشغال الشاقة والفقر. نعايش لحظة الهجرة: حثّ المهاجرين على الانتقال من قبل صحف السود والباحثين الشماليين عن العمالً. كذلك نرى إيجابيات إقامتهم في المنازل الشمالية وسيئاتها: تحسن فرص العمل والحصول على طعام أفضل وانخفاض حدة القمع العلني، تشكّل أحياء الأقليات، اندلاع أعمال الشغب العنصرية وشن الهجمات على مباني السود.

لا يتجاهل لورانس التغييرات الجذرية التي طرأت على فن الرسم خلال العقود الأربعة الماضية. لم يستطع العمل باعتماد التقنيات القديمة بسبب ارتباطها بالأيام السابقة السيئة التي ولد فيها. ولتتسم بطابع زمنه والنظر إلى المستقبل مع بعض الأمل، كان لا بد من تصميم لوحات «الهجرة» بأسلوب عصري يحاكي المستقبل، لكن كونه رجلاً أسود يعالج قضية عرقه، واجه استخدامه لهذا الأسلوب الرائد بعض المعارضة بما أنه نتاج مجتمع البيض القمعي.

المعارضة واضحة خصوصاً في الحرفة الفنية لسلسلة «الهجرة». تخضع معظم أشكال لورانس وشخصياته لأسلوب معين كما يتطلب الفن الحديث، لكن بدلاً من البراعة الهندسية وطريقة الرسم من دون تظليل، تبرز الخطوط الكفافية بشكل غير متقن. نلاحظ وجود ثغرات وترددات في مساحات الألوان الواسعة وكأنها ملونة بيد ولد كسول. يتجنب لورانس صقل المساحات الدقيقة الذي غالباً ما يستخدم في الفنون الجميلة ويستعيض عنه بآثار الصور الزيتية التي تتم بأقل قدر ممكن من العمل، كأنه يعترف بالأسلوب العصري كلغة وحيدة يمكنه التحدث بها، لكنه يصر على أن الرسالة تهمه وليس اللغة.

هجرة الزنجي

مع جعل رسوماته غير مرضية من حيث معايير الفن العصري الدقيق، يقول إن أهدافه تختلف عن أهداف الرواد على غرار بيكاسو وفرناند ليجيه. يعمل بأسلوب عصري، لكنه يرفض تطويره أو نقله إلى مرحلة متقدمة. كما يظهر في رسوماته، لا يتلاءم الأسلوب المزخرف مع المواضيع المطروحة، يبدأ ذلك الأسلوب بالتفكك عندما يواجه مواضيع ذات أهمية. يهتم بإيضاح هذه المواضيع قدر الإمكان.

لا يوجد شيء معقد بشكل غير ضروري في سلسلة «هجرة الزنجي» ولا يُستخدم مجاز أو رمزية أو إسنادات خفية. إنها لوحات قوية بقدر قوة اللوحات التي تحكي قصة آلام المسيح على جدران كنيسة من القرون الوسطى. مع ذلك، مثل اللوحات الجصية، يأتي معظم هذه القوة من عدم مطابقة اللوحات للقصص التي ترويها. لم تكن على الإطلاق بديلاً بسيطاً للقصة، حتى لوحات جيوتو لم تكن بمثابة «انجيل الأميين» كما اعتقد الخبراء الفنيون في القرون الوسطى طوال عقد أو أكثر. عوضاً عن ذلك، تنجح اللوحات القصصية بسبب الجهد الذي تستغرقه لملاءمتها القصص أو التفكير بالقصص غير المعروفة التي قد تمثلها، ولأن هذا الجهد يدفعنا إلى النظر إليها عن كثب والتفكير في محتواها.

تتطلب سلسلة لورانس بمواضيعها المختلفة جهداً يفوق المعتاد لفهمها. ما موضوع اللوحة رقم 7 شبه التجريدية المعنونة «الزنجي الذي شكل جزءاً من الأرض لسنوات عدة يبدأ حياة جديدة في المدينة»؟ يحتفظ لورانس بما يكفي من الفصل بين المساحات غير الكاملة وأشكال الأسلوب التكعيبي والمستقبلي لإظهار العالم المنكسر الذي يصوره ودفعنا إلى التركيز عليه.

الآن يمكنك أخذ كل ما تقدم عن سلسلة «الهجرة» وعكسه فتحصل على فن آرون دوغلاس. ولد الأخير قبل لورانس بثمانية عشر عاماً في توبيكا، كنساس في كنف والدين مهاجرين. حصل على إجازة في الفنون الجميلة في نبراسكا وكان الخريج الأسود الأول في قسم الفنون. علّم في الثانوية العامة في كنساس سيتي ثم انتقل إلى نيويورك عام 1925 بنيّة أن يشكل جزءاً من الوجه الثقافي لهارلم. تميز فنه المزخرف بالعصرية ولكن بالأسلوب الذي توضع فيه الجدارية في قاعة قصر. يمكن إعادة رسم معظم لوحاته بطريقة مختلفة من الحركة الواقعية إلى الانطباعية من دون الإضرار ببنيتها أو موضوعها الأساسي. (يمكن مقارنة ذلك بلوحات بيكاسو التي لا يمكن أن تُرسم بأسلوب آخر). تصمم رسومه التخطيطية «الخاصة» والمناظر الطبيعية والوجوه بأسلوب تقليدي ممتاز، وتتسم لوحاته الفنية التقليدية بالأساليب التزيينية، في الرسوم الموجهة للشريحة الكبرى من الجمهور فحسب. تميل أعماله التي تثير المسائل العرقية إلى الإذعان إلى القيمة والأذواق السائدة بدلاً من مقاومتها.

لا شك في أن دوغلاس كان متفانياً لقضية المساواة بين العرقين، إلا أن لوحاته المزخرفة المليئة بالرمزية المتكلفة لا تشير إلى أي نوع من التمرد. يبدو أنها تشكل جزءاً من الجسم الفني، حتى عندما بلغ دوغلاس سن الرشد، كان من المتطرف أن يرسم رجل أسود من كنساس لوحات من أي نوع. قال في رسالة إلى زوجته: «يعتقدون (الأميركيون البيض) أن فناناً أسود أمر يستحيل أن يتحقق». في الرسالة نفسها التي كتبت بُعيد وصوله إلى هارلم، قال «أريد أن تكون أعمالي مخيفة، أن تمثل رعباً أسود حقيقياً». عام 1926 صمم لوحات غامضة لأشخاص سود يبدون خائفين ويبثون الخوف في القلوب.

بحلول عام 1930، شملت دراسات جرت على جدارية تدعى «الرقصة السحرية» بتفويض من ناد ليلي في شيكاغو الكثير من الأفكار المبتذلة حول العروض الكوميدية، لدرجة تجعلك تظن أن رجلاً أبيض مجرداً من الإحساس صممها، اذ تبرز امرأة سوداء عارية تتمايل على أنغام الطبول والبانجو. كذلك، تتسم لوحة أنجزها عام 1936 بعنوان «نحو العبودية»، حيث يساق الأفارقة المكبلون إلى مراكب العبودية المتجهة نحو الولايات المتحدة، بلحظات مبهجة يمكن ربطها بالفرح أكثر منها بالحزن.

صممت أساساً تلك اللوحة، التي يمتلكها معرض كوركوران الفني في واشنطن، لتُعرض في معرض تكساس في دالاس. كانت إحدى الجداريات الأربع التي طُلب من دوغلاس تصميمها لـ«قاعة حياة الزنوج» التي بنيت، بعدما أمن فرانكلن روزفلت الأموال التي رفضت تقديمها الولاية الخاضعة لسياسة التمييز العنصري.

حققت القاعة ولوحاتها نجاحاً كبيراً، على الأقل وفق صحيفة دالاس مورننغ التي تحدثت عن حشود من «المحتفلين الريفيين السود» بـ«نظراتهم الثاقبة وأسنانهم الناصعة البياض». كذلك، زار البيض القاعة واستنتجوا أن جداريات دوغلاس المزخرفة لا يمكن أن تكون من تصميم أميركي من أصل افريقي. قصدوا بذلك الإهانة المباشرة والمديح غير المباشر، أي التغاضي عن قدرات السود عموماً والثناء على اللوحات التي اعتبروها رائعة بما يكفي لتكون من تصميم رجل أبيض. لكن هؤلاء العنصريين كانوا يقصدون أمراً مهماً عن اللوحات بحد ذاتها. لا شيء في تصميمها يجعل أي رسام أبيض أو مؤمن بالفصل العرقي يتردد في المطالبة بها. كان لا بد من أن يعترف المشاهدون البيض بذلك النضال المصور في اللوحات ويرون أنها تلائم المهمة التي تبناها دوغلاس، الرجل الأسود. كان إنجاح هذه المعادلة هدفاً أصعب من أن يحققه رجل يتمتع بمهارات دوغلاس وطموحاته والتزامه السياسي. لم تكن المفاجأة أن الأخير عجز عن التغلب على العوائق كلها التي واجهت صناعة أول فن للسود بشكل مقنع، بل إن لورانس الشاب نجح في التغلب عليها في سلسلة «هجرة الزنجي».

back to top