المخطوطات المصريّة تحت الحماية المشدّدة!
اعترض مثقفون وبرلمانيون مصريون على مشروع قانون الحفاظ على المخطوطات الذي وافقت عليه لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان المصري، قائلين إنه سيؤدي إلى حبس المثقفين.
يأتي قانون المخطوطات الجديد لحماية المخطوطات المصرية من التلف والسرقة، في ظل تنامي ظاهرة تهريب المخطوطات التاريخية النادرة إلى الخارج وازدهار تجارة المخطوطات، وذلك بعد الانتهاكات التي تعرضت لها المخطوطات المصرية من بعض الباحثين الأجانب أخيراً، والتي أدت إلى تلف الكثير منها وتهريب بعضها خارج البلاد.ويكفل القانون الجديد عقوبات رادعة لمنع المتاجرة بالمخطوطات، ويحكم على كل من يعثر على مخطوط ولا يسلّمه خلال 30 يوماً من تاريخ العثور عليه بالسجن بين سبعة وعشرة أعوام، وغرامة لا تزيد على 50 ألف جنيه ولا تقل عن خمسة آلاف جنيه.تضاربت آراء الخبراء والباحثين في قطاع الآثار والمخطوطات في مصر حول جدوى القانون وردعية عقوباته. في هذا السياق وصف النائب محسن راضي مشروع قانون المخطوطات «بقانون حبس المثقفين»، لافتاً إلى أن العقوبات الواردة فيه مجحفة، وستؤدي إلى تخلي بعض المثقفين عن هوايته في جمع المخطوطات النادرة أو الفريدة. وأكد أن ثمة عائلات تتوارث المخطوطات، مبيناً أن بعض مواد مشروع القانون يرفض الملكية الفكرية.ونبّه أستاذ الآثار في جامعة عين شمس أحمد الصاوي إلى أن المخطوطات مقتنيات ثقافية، لذا فإن تجارتها ليست مثل أي تجارة غير مشروعة تخضع للقانون الجنائي لأن الممتلكات الثقافية لها طبيعة خاصة. وأشار إلى أن صياغة أي قوانين متعلقة بالمخطوطات والآثار يجب أن تتم بمعرفة الاختصاصيين والباحثين القادرين على تقدير أهميتها وقيمتها، مستنكراً سرية العمل على تلك القوانين ومفاجأة الباحثين بها ومحدودية اللجنة القيّمة عليها.كذلك انتقد الصاوي عقوبات القانون، قائلاً: «يجب أن تكون العقوبة فاعلة، فهل يردع تغريم بضعة آلاف من الجنيهات عن سرقة مخطوط وتسريبه إلى الخارج بمبلغ يصل إلى الملايين. الاختصاصيون من علماء المخطوط والآثار يدركون قيمة المخطوط فعلاً ويستطيعون تحديد العقوبة المناسبة}.ولفت الصاوي إلى أهمية أن يتضمن القانون توصيفاً للإجراءات التي يُعطى بموجبها المخطوط للباحث لدراسته وإعادته من دون إتلافه. واستنكر صياغة قانون يحمي المخطوطات بمعزل عن القوانين المتعلقة بالآثار، مشيراً إلى أهمية طرح القانون على الرأي العام قبل التصديق عليه وإلى عدم الاكتفاء بلجنة واحدة من الباحثين. في سياق متصل صرح د. رأفت النبراوي: «المشروع بداية جيدة تأخرت خطواتها كثيراً، ما يبشّر بمستقبل أفضل للمخطوطات في مصر، لكن هنا يجدر التنبيه إلى أمور عدة منها أنه لا بد من أن تكون عقوبة سرقة المخطوط ردعيّة أكثر من العقوبات الأخرى، فكيف تتساوى عقوبة عدم الإبلاغ عن مخطوط عثر عليه بعقوبة المستولي على مخطوط للدولة؟». وتابع أنه لا بد من أن يراعي القانون ضرورة ترميم المخطوط الأصلي سنوياً على الأقل، ووضعه في مكان آمن لا تدخله الحشرات التي أتلفت مخطوطات مهمة كثيرة سابقاً». محسوبيّة ووساطةانتقد النبراوي عدم الأخذ برأي الاختصاصيين من علماء الآثار المصريين، على رغم أن بعضهم يعمل مستشاراً لدول أوروبية عظمى في الحفاظ على مخطوطاتها، مستغرباً عدم إفادة اللجنة التي تشرّع القانون من خبرة هؤلاء. وقال: «لا تزال الدولة المصرية مريضة بالمحسوبية والوساطة التي أخرت الكثير من أداء مؤسساتها ووزارة الثقافة المعنية بالآثار تحديداً، ناهيك عن أن الدولة تعطي أولوية للأجنبي وليس المصري في هذا المجال».ودعا النبراوي الدولة إلى إدخال تقنيات علمية جديدة إلى دور المخطوطات المصرية كي يتسنى للباحث الاطلاع على المخطوط من خلال الاستعانة بالحاسوب.بدوره أكد أستاذ الآثار الإسلامية في جامعة القاهرة د. مختار الكسباني، مستشار «المجلس الأعلى للآثار» وأحد أعضاء اللجنة التي وضعت القانون: «القانون الجديد رادع ولا يمكن تصعيده أكثر من ذلك راهناً. فقد تراوحت العقوبات السابقة التي أقرّتها المحكمة العادية بين السجن من ثلاثة أشهر إلى سنة، أما اليوم فتقر الأحكام المتعلقة بالمخطوطات والتي تتراوح بين السبعة والعشرة أعوام محاكم أمن الدولة. والذين يشيرون إلى عدم ردعية العقوبة التي أقرتها اللجنة، عليهم مراعاة تصعيدها تدريجاً}. وأضاف: «بالنسبة إلى صورة المشروع ففي رأيي أنها جيدة ومتكاملة وأتمنى موافقة البرلمان عليها لأنها ستسد الثغرة في القانون الراهن».أشار الكسباني الى أن القانون استوفى شروطه بالنسبة إلى الجهات المختصة، فقد شاركت في إقراره نخبة من أفضل الخبراء الاختصاصيين، موضحاً أن القانون تأخر كثيراً بخلاف ما يعتقده البعض، فقد قدّمه أعضاء اللجنة في نهاية الدورة البرلمانية الماضية عام.من ناحية أخرى، اعترف رئيس الإدارة المركزية في «دار الكتب» د. عبد الناصر حسن بأن العقوبات الخاصة بالقانون الجديد لن تمنع بشكل مطلق عملية الاستيلاء على المخطوطات، لكن قد تحدّ منها لأنها تشكّل نوعاً من الجزاء الرادع، مشيراً إلى أن العقوبة قد تصل إلى 50 ألف جنيه.حول المخطوطات الموروثة التي يمتلكها أشخاص، قال حسن إن «الهيئة العامة للكتاب» ستجمعها من أصحابها وتنسخ صوراً عنها، تحت إشراف «دار الكتب والوثائق». أضاف: «سوف يُسمح لمن يمتلك مخطوطاً الاحتفاظ به، لكن يحذَّر عليه بيعه أو تسريبه إلى الخارج من دون علم الدولة، ومن لا يأخذ هذه التدابير بالاعتبار ستنفّذ بحقه العقوبات الجديدة». أكد حسن أن مستوى اللجنة المنوطة بدراسة القانون رفيع جداً، لأنها تضم خبراء وفنيي حفظ المخطوط وخبراء بالقانون، وإداريين في الأزهر ووزارة الأوقاف وأعضاء في «الهيئة العامة للكتاب» ودور المخطوط الخاصة.وعن كيفية إطلاع الباحثين على المخطوط عند الحاجة إليه، أوضح حسن أن الهيئة تحتفظ بالأخير في خزائنها آمناً من التلف والسرقة، لذا لن يتسنى للباحث الاطلاع على أصل المخطوط، بل على صورة منه فحسب».