سياط الكهنوت
تأليف: مجاهد عبد المتعاليالناشر: دار طوى
صدر عن دار «طوى» كتاب «سياط الكهنوت» للكاتب مجاهد عبد المتعالي يتضمّن تأمّلات في مجالات اللغة والتاريخ والجغرافيا والفلسفة والعقل، حول الإنسان وعلاقته بالتفكير واللغة والوجود وكل ما هو سماوي.قسّم عبد المتعالي كتابه إلى أربعة أقسام: الكتابة المعقولة، اللغة المعقولة، الديانة المعقولة، السياسة المعقولة. من المتعارف عليه أن كلمة «المعقولة» بمعناها اللغوي تعني الممكنة، أما الكاتب فاستعملها بمعنى المقيّدة والمربوطة بسلاسل صدئة من الكهنوت. كذلك يذكِّر الكاتب بالمأساة عندما نتحوّل إلى مجموعة من المواضع والمواقف والعادات المقرّرة سلفاً كنمط كهنوتي، حول كيف ننام وكيف نصحو وكيف نستعيذ من التثاؤب، ويعتبر أن ذلك هو التحجّر الذي ينشده معظم الناس وتعينهم عليه العادات والاعتبارات الاجتماعية.وجوديّةيؤكد الكاتب أن المسلمين يتطوّرون لاهوتياً وفق التجارب السابقة لديانتهم، لم يعملوا على التطوّر الذاتي، بل كانوا تكراراً مملاً للآخرين عدا بعض المحاولات من هنا وهناك. كذلك يمرّ العقل الإسلامي بمرحلة من الكهنوت القديم التي تسيطر على حاضرنا، ويأمل الكاتب الخروج من العقلية الأصولية المسيطرة على العقل الجمعي في زمننا، ويدعو إلى خروج المتطرّفين من سلطة الحكومة ليتمتّع الدين بالمزيد من الحرية خارج نطاق السلطة وليفتح أقفال التراث. يخلص الكاتب إلى أن العقل الإنساني هو المحرّك الأساسي تحت أي غطاء سواء دينياً أو غير ذلك من الأغطية. المسألة هي في انطلاق العقل من عقاله الكهنوتي الذي يحول بين الراكب والماء والشارب والنهر.يعتقد الكاتب أن الفرار إلى الكتابة هو علة الشقوة، ويعتبر أن البحث المميت عن بعد جديد وراء الأبعاد القديمة (الله، المعرفة، المرأة) هو أصل اللعنة، اللعنة التي بالإمكان أن تكون أهون. يؤكد أن المدارس الفكرية تصنع دوغمائييها التابعين لها، والذين لا يستطيعون الخروج من سيطرتها، وتعتبر مدرسة الأثر أشدّ المدارس انغلاقاً على ذاتها لطبيعة تكوينها الفكري، الذي لا يستطيع مقاومة المدارس الفكرية ذات النزعة الفلسفية العميقة، إلا من خلال استعارات ضعيفة من مدارس أخرى، كما فعل القدماء عندما استعاروا أقوال المدرسة الشعرية ليردوا على المعتزلة. اللغةيؤكد الكاتب أن اللغة لن تسمح لنا بممارسة الفحولة لتستلب منا الرجولة، ويدعو إلى قراءة تاريخ اللغة لإدراك لغة التاريخ، لمعرفة الفرق بين الزير سالم وصدام حسين، فكلاهما زير للموت والخراب في منطق الإنسانية، لكن الأول أدرك لغة التاريخ فتحدّث بها ليصبح بطلاً، أما الآخر فاستهلك اللغة وأخطأ التاريخ ليصبح مجرم حرب. يضيف الكاتب أننا لسنا تقدميين ولا رجعيين، نحن هامش أسفل الصفحة فحسب، وما فعله الأديب المصري طه حسين أنه كان يمزق الكلمات، ينزع عنها جلدها، يقتل كلمة ويحيي أخرى، ثم يستنشق بنا عبق السادية، إذ تراجع خوفاً من وثنيي اللغة عندما جرت محاكمة بسبب كتابه «في الشعر الجاهلي» الذي عاد وأصدره بطبعه منقّحة بعنوان «في الأدب الجاهلي»، ما حصل لطه حسين لا يزال يحصل في مصر والكثير من البلدان العربية، سواء من خلال تكفير نوال السعدواي أو تهجير نصر حامد أبو زيد أو محاولة اغتيال نجيب محفوظ. يرى المؤلف أن الدعاوى التكفيرية ضد الحداثة هي إعلان عجز عن الرد على المد الحداثي، لكن تناسى المكفرون أنفسهم أن قاموس الحداثة استلبهم أيضاً، واستلب حتى اللهجة العامية، فبدأت القصائد الشعبية تتشبّع ببعض الرؤى والمفردات الحداثية. حتى الآن، كتب رجالات الحداثة في المتن خطوطهم العريضة، على الرغم من موقعهم في الهامش آنذاك، فيما انشغل معارضوها بمكاسب البقاء في المتن والتأليف ضد الحداثة من داخله، ليتفاجأوا بكتاباتهم وكتبهم على الرغم من قسوتها ولاإنسانيتها، وقد قفزت مع الزمن لتحتل موقعاً متميزاً في الهامش. أصبحت كتب دعاة التكفير أشبه بالمحنّطة في واجهة المكتبات.يتساءل المؤلّف: هل من جذور وثنيّة لمفاهيم الإسلام السياسي؟ يورد في هذا المجال قولاً للكاتب السوري عبد الرحمن الكواكبي، مفاده أن المدققين السياسيين كلهم يرون أن الدين والسياسة يمشيان متكاتفين، ويعتبرون أن إصلاح الدين هو أقرب وأسهل طريق للإصلاح السياسي. يتساءل: ما هو الحل مما نعاني منه في موضوع الحدود، كالقتل وقطع يد السارق وجلد الزاني وغيرها من قضايا استلزمتها العولمة تحت مسمى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي لم يأخذ طابعه العولمي المتشدّد إلا منذ بضع سنين على الرغم من قدم هذا الإنسان، فهل نقبل المساومة في ديننا؟ غربيجد المؤلّف أن الحل يكمن في أمرين: أولهما إفهام الغرب أن فرض أسلوب مختلف في معالجة قضايانا هو نوع من الاستعمار الفكري الذي لا ترضاه الإنسانية. أما الأمر الثاني فهو تأمل نظرية فكرية تقول: «يوصل التفكير العكسي إلى نتائج إيجابية غير متوقّعة، فمثلاً القلم في العادة هو الذي يتحرّك على الورقة والورقة هي الثابتة، وعندما تم التفكير بشكل عكسي أي تثبيت القلم وتحريك الورقة نتج لنا ما نسميه بمقياس الزلازل وعلى ذلك فلنفكر بالعكس، فبدلاً من التفكير للخارج لنفكر إلى الداخل».يتساءل عبد المتعالي: هل أدركنا الآن معنى المزايدة الدينية من الناحية السياسية؟ وهل يعني ذلك تكرار المأساة لتكون الشيشان أفغانستان أخرى، وستكون كذلك إذا بقيت المزايدات على الدين لنصل إلى الغلو في تكفير الآخر؟ لكن هل تخطئ الدول مرة لتنتج حركة طالبان وتنظيم قاعدة أخرى؟ أم أن أفغانستان لها موقع استراتيجي مختلف يسيل له لعاب الدول المجاورة؟ هل أدركنا كم نلوّث ديننا العظيم عندما نقحمه في السياسة بهذا الشكل؟ يشير المؤلف إلى أن أزمة الإسلاميين هي مع منظوماتهم الدلالية، التي أقاموا عليها إيديولوجياتهم في سبيل النضال السياسي، لتحقيق يوتوبيتهم الخاصة، كما في الإيديولوجيات من قبلهم. أزمتهم هي مع الشعارات التي رفعوها، والتي هرولت بهم زمناً طويلاً لترتطم بمعوّقات الواقع العالمي.في قسم بعنوان «السياسة المعقولة»، يلفت عبد المتعالي إلى أن الإسلام كدين منزّل من عند الله لا يعاني من أية مضايقات، ما زال المسلمون في أميركا يؤدون صلواتهم وما زال هناك مسلمون يعملون في الجيش الأميركي نفسه، فالإسلام كوحي متسامٍ لا يمكن محاصرته، وتبقى إذن المفاهيم الأرضية كلها التي هي ميدان للصراع السياسي والتقلّبات والتغيّرات والمراجعات والتراجعات، هي مدار البحث.يتساؤل المؤلف: هل التاريخ فعلاً يعيد نفسه؟ يجيب البعض بنعم إلى حد الهوس، معتبراً تلك المقولة، نظرية لا مثيل لها، في التحليل السياسي، إلى درجة تغلغلها في ذهنية آخرين إلى حد الرؤى والأحلام، فنجد من يتعامل مع الواقع من خلال ميثولوجيا التراث. يعتقد الكاتب أن بعض المؤدلجين العرب، هو أكثر الناس إيماناً بذلك، بل تكاد العقلية العربية تتطرّف في تعلّقها بالتحليل السياسي بناء على التاريخ، ويلمس لدى بعض منظري تيار الإسلام السياسي أثر العقل الباطن لديهم والمتشبّث بالماضوية في التحليل السياسي.القطبيلاحظ الكاتب أن نظرية القطب الواحد والعولمة قتلت قدسية التاريخ، بكل أشكالها، فالتاريخ حقيقة لا يعيد نفسه، بل الحقيقة هي أن الأغبياء وحدهم هم من يكررون أنفسهم وأخطاءهم، ولأن العالم في غالبيته يعيش في الغباء، بالتالي ستبقى تلك المقولة فاعلة في تفسير تحرّكات الجزء الأكبر من مساحة العالم. يتوقف الكاتب عند الكيان العربي الحاضر، فيرى أنه ضعيف وتابع بالمعاني التي يقصدها القوميون والإسلاميون معاً، وستظل كذلك سواء تحققت فيها العلمانية الديمقراطية أم طبقت الشريعة، والأنظمة العربية القومية التي يغازلها كثير من القوميين، هي علمانية في الواقع ولا تنقصها إلا ديكورات تعدّد الأحزاب، فهل هذه هي دولة التقدميين المنشودة؟