الصناديق السيادية تشتري مع طبول الحرب وتبيع على أنغام الموسيقى تضم 2.5 تريليون دولار و5 تريليونات في 2010 و12 تريليوناً في 2015
تشير التقديرات إلى أن هناك الآن نحو 2,5 تريليون دولار في صناديق الثروات السيادية، مع توقعات بأن هذا الرقم سيرتفع إلى 5 تريليونات دولار في 2010، وإلى 12 تريليوناً بحلول عام 2015. وعلى الرغم من تمتع الصناديق السيادية بالموثوقية وروح الاستثمار الطويل المدى فإنها تعاني محاربة وتشكيكا من الدول الرأسمالية الغربية.
ظل التدفق الهائل لرؤوس الأموال من الدول النامية إلى الدول الصناعية يمثل المفارقة الرئيسية في النظام المالي الدولي منذ فترة من الوقت، وفي عام 2007 وصل اجمالي هذا التدفق إلى أكثر من نصف تريليون دولار، وهو رقم ستتجاوزه على نحو مريح الزيادة في الاحتياطيات وصناديق الثروات السيادية في الدول النامية. وتشير تقديرات مورغان ستانلي، استناداً إلى افتراضات منطقية، إلى أن هناك الآن نحو 2.5 تريليون دولار في صناديق الثروات السيادية، وان هذا الرقم سيرتفع إلى 5 تريليونات دولار بحلول عام 2010، وإلى 12 تريليوناً بحلول عام 2015. ومن المؤكد ان الدولة التي تحوز أصولاً أجنبية مملوكة ملكية عامة تحتاج الى أن تستجيب للطوارئ المالية، وتشعر بالضغط لنشرها استراتيجياً، أو لأن تكسب على الأقل عائدات أكبر من تلك المتوافرة في سندات الخزانة الأميركية. وحتى من دون هذا الضغط فإن صناديق الثروات السيادية تنمو حالياً بوتيرة أسرع من المعدل العالمي لإصدار أصول احتياطي تقليدية. وهناك مساحة كافية للجدل حول الحجم الأقصى الذي ينبغي أن تصل إليه هذه الصناديق، «وهل تحتاج الصين بالفعل إلى سعر ادخار يزيد على %50 يفرض مئات المليارات من الدولارات في نمو للاحتياطي؟»، ولكن السؤال الذي يطرح خلال السنوات القليلة المقبلة ويواجه النظام المالي العالمي والاقتصاد العالمي يتعلق بكيفية استثمار هذه الصناديق. عودة ملكية الدولةوالسؤال عميق ويصل الى غاية طبيعة الرأسمالية العالمية، وكان الحدث البارز خلال ربع القرن الماضي، هو التراجع الحاد في حجم ملكية الدولة المباشرة للأعمال، بما ان القطاع الخاص امتلك الشركات التي كانت مملوكة للحكومة في وقت من الأوقات، ولكن الحكومات تجمع أنواعاً مختلفة من الحصص حالياً في شركات كانت خاصة في السابق وذلك من خلال نشاطاتها الاستثمارية عبر الحدود. وفي الشهر الماضي رأينا كيانات صينية تسيطر عليها الحكومة تمتلك أكبر حصة خارجية في بلاكستون، وهي مجموعة كبرى للاستثمار في الأسهم الخاصة تعتبر واحدة من أضخم مؤسسات الاستخدام، وتسعى حكومة قطر إلى السيطرة على جيه سينسبيري، وهي واحدة من أكبر سلاسل محلات السوبر ماركت في بريطانيا، أما غاز بروم، وهي مؤسسة مركبة روسية يسيطر عليها الكرملين، فلها مصالح استراتيجية في قطاعات الطاقة في عدد من الدول وحصة في شركة إيرباص. وتعرض كيانات تسيطر عليها حكومتا الصين وسنغافورة للاستحواذ على حصة كبرى في باركليز ليعطيها المزيد من الثقل في مساعيها لتحقيق أكبر اندماج مصرفي في العالم مع بنك «ايه بي ان أمرو». وشاهدنا مدى القلق الذي صاحب محاولة نيوز كورب شراء وول ستريت جورنال. فكيف يتعين على المرء ان يكون له شعور مختلف ازاء حصة استثمار مباشر لحكومة أجنبية في شركة اعلام أو نشر؟ وعلاوة على موضوع ما تعنيه الحصص الأجنبية بالنسبة الى الشركات، ثمة سؤال اضافي عما يمكن أن تعنيه بالنسبة الى الحكومات المضيفة، وماذا عن اليوم الذي تنضم فيه دولة ما إلى «تحالف الراغبين» وتطلب من الرئيس الأميركي دعم اعفاء ضريبي لشركة استثمرت فيها تلك الدولة؟ أو عندما يتعين اتخاذ قرار حول كفالة شركة ما يملك أغلبية مديونيتها البنك المركزي لدولة حليفة؟ وسيتم تخفيف جميع هذه المخاطر إلى درجة كبيرة في حال استثمرت صناديق الثروات السيادية عبر مديري أصول وسطاء كما هي الحال في أغلبية مجمعات رؤوس الأموال المؤسساتية، مثل الأوقاف وصناديق المعاشات.وتوحي تجربة كثير من الأوقاف وصناديق المعاشات بأن هذا النهج سيؤدي على الأرجح في معظم الحالات إلى أفضل عوائد معدلة في ضوء المخاطر. وتختلف الحكومات اختلافاً كبيراً للغاية عن الأطراف الاقتصادية الأخرى، ويجب أن تخضع استثماراتها لقواعد موضوعة بعد استيعاب ذلك الواقع على نحو شديد الوضوح. وكانت «مورجان ستانلي» قد توقعت في منتصف العام الحالي أن تنمو الصناديق السيادية من نحو 2.5 تريليون دولار حالياً إلى نحو 28 تريليون دولار في سنة 2022. وفي اعتقادي أن بإمكان الصناديق السيادية أن تصل إلى تلك الأرقام إذا حافظت العوامل الاقتصادية الحالية على مستوياتها الحالية، إذ إن ميزان المدفوعات أصبح يميل الى الدول الناشئة منذ بداية الألفية الثالثة. فارتفاع أسعار النفط مكن الدول المصدرة للنفط من تكوين احتياطيات هائلة، وضخت الصادرات لدول شرق آسيا مليارات الدولارات من الفوائض المالية لتعود تلك الفوائض في صورة استثمارات في الشركات الغربية، وخصوصاً تلك التي تعاني أزمات سيولة. الخليج في الصدارةلقد أدرجت مجلة الإيكونوميست حجم الصناديق السيادية في مارس 2007 بحيث تصدرت دول الخليج وشرق آسيا تلك الصناديق، فتربعت هيئة أبوظبي للاستثمار المقدمة بأصول تصل إلى 875 مليار دولار، وتلتها سنغافورة بنحو 330 مليار دولار، وأتت المملكة ثالثا بحجم يصل إلى 300 مليار دولار. ورغم الحجم الكبير لأصول صناديق الاستثمار والمؤسسات العامة السعودية فإننا لم نسمع بأنها قامت بأنشطة استثمارية خارجية بحجم ما فعلته هيئة أبوظبي للاستثمار أو الصين أو سنغافورة، إلا أن كلمة وزير المالية في منتدى الرياض الاقتصادي وضعت الخطوط العريضة للسياسة الاستثمارية للفوائض المالية السعودية. ولعل أهمها إنشاء شركة استثمارية برأسمال 20 مليار ريال (الدولار يعادل 3.75 ريال) نتمنى أن ترى النور قريباً، إذ إن ذلك سيساعد الحكومة السعودية على المضي قدماً نحو الاستثمار خارجياً بشكل مدروس ومقبول للغاية، ويبدد المخاوف الغربية التي نلاحظها الآن. وفي اعتقادي أن تخصيص الشركة بحيث يطرح %50 للجمهور، وإخضاعها لأنظمة الشركات وأنظمة هيئة السوق المالية سيجعلها تتمتع بالإفصاح والشفافية وبالتالي القبول من الآخرين والترحيب بها كشركة استثمارية. فأحد عوامل فشل «موانئ دبي» في الاستحواذ على تشغيل بعض الموانئ في أميركا هو لكونها شركة مغلقة لا تتمتع بالإفصاح الكافي، وهو الأمر الذي سارع في طرح 20% من الشركة في سوق دبي المالي العالمي. الإفصاح والشفافيةإن مستقبل نجاح الاستثمار للصناديق السيادية مرهون بقدرتها على الإفصاح والشفافية ونشر أهدافها واستراتيجياته الاستثمارية بوضوح، لأن ذلك يسهم في قدرتها على مواصلة الاستثمار عالمياً وتبديد مخاوف السياسيين الغربيين. فالاقتصاديون الغربيون والشركات الغربية ترحب دائماً بتلك الاستثمارات لأنها أثبتت أنها المنقذ الأصيل والحقيقي في أوقات الأزمات. فهي لا تطلب مقاعد في مجالس الإدارات لتلك الشركات رغم حجم الاستثمارات الكبيرة. فالأمير الوليد بن طلال، كما كتب جوردون، لم يدخل مجلس إدارة «سيتي جروب» رغم أنه أكبر مستثمر فرد. ولم تطلب هيئة أبوظبي الدخول في مجلس إدارة «سيتي جروب» أو تغيير استراتيجياتها فهي شركات استثمارية تمد العون لإدارة الشركات لإنجاح استثماراتها. فالصناديق السيادية تشتري في وقت قرع طبول الحرب وتبيع على أنغام الموسيقى، على عكس صناديق التحوط والمضاربات الغربية التي تهرب وقت قرع طبول الحرب وتشتري على أنغام الموسيقى. الأمر الذي يضفي على الصناديق السيادية الموثوقية وروح الاستثمار الطويل المدى بغض النظر عن مواقف السياسيين الضيقة.