لبنان... مجنون ليلى يخترق المشهد الرمضاني!
يبدو لبنان هامشيًا في إنتاج المسلسلات الرمضانيّة، مقارنة بمصر وسورية اللتين تشهدان منافسة حامية وشرسة في إنتاج الدراما والمسلسلات، بل يمكن القول إن المحطات اللبنانية الفقيرة في الإنتاج المحلي تنافس بعضها بعضاً في شراء المسلسلات العربية لعرضها خلال الشهر الفضيل، بمعنى آخر تبدو المحطات مستهلكة للمسلسلات وليست منتجة، ولذلك أسبابه وتداعياته. والحال أنه على رغم وجود ممثلين لبنانيين لامعين، يبدو الإنتاج اللبناني ضئيلا وباهتاً، ونلاحظ حضور الممثلات اللبنانيات في الأفلام والمسلسلات المصرية وهنّ أشبه بالديكور اللبناني في المشهد المصري، وثمة ممثلون يشاركون في المسلسلات السورية... لماذا لا ينتج لبنان، على قدر شهرته فنيًا وثقافيًا، الدراما التلفزيونية؟
يربط الكاتب اللبناني شكري أنيس فاخوري تصوير المسلسلات الرمضانية في لبنان بـ {العرض والطلب»، قائلاً: «حين تطلب مني جهة إنتاجية معيّنة أو محطة تلفزيونية كتابة مسلسل في الإطار الرمضاني التاريخي أكتبه، لكن يبدو أن تلك الجهات ما زالت تغض الطرف عن تلك المسلسلات، وتلجأ الى المسلسلات السورية والمصرية ربما لتوافرها». بذلك يشير فاخوري الى أن المحطات الفضائية اللبنانية تميل أكثر الى شراء المسلسلات العربية ولا تحاول إنتاج مسلسلات لبنانية، وذلك الأمر يرتبط بالجمهور العربي ومحاولة جذب أكبر عدد منه، ولا يبدو أن الفضائيات اللبنانية متحمسة الى صناعة الدراما. إذا راقبنا واقع التلفزيونات اللبنانية، نلاحظ أنها تميل أكثر الى الربح السريع وبرامج «تلفزيون الواقع» مثل «سوبر ستار» و{ستار اكاديمي» وانتخاب ملكات الجمال وتصوير الفيديو كليبات، أي أن لبنان يشهد على «صناعة» النجوم والنجمات أكثر من صناعة الدراما، وصورة لبنان أنه ينتج الجمال والمرأة المتلفزة أكثر مما ينتج الدراما، أو لنقل إن الدراما تبقى في إطارها المحلي ولا تحظى باهتمام الجمهور العربي.لوحظ أخيراً أن شركات إنتاجية لبنانية بدأت تعرف «نقاط ضعف المشاهد» وتدرك «من أين تؤكل الكتف»، فقد صورت مجموعة حلقات عن نساء من التاريخ بعنوان «حواء في التاريخ» مثّلتها نجمات لبنانيات مثل سيرين عبد النور وكارول سماحة ونيكول سابا، واختيار شخصيات تاريخية له دلالاته بالنسبة الى الجمهور، خصوصًا في شهر رمضان. جعل نجاح تمثيل الشخصيات التاريخية الكاتبة كلوديا مرشليان تبحث عن شخصيات أخرى، وراهنا يعرض مسلسل «مجنون ليلى» على شاشة «المستقبل» من تأليفها وإخراج سمير حبشي وبطولة يورغو شلهوب وريتا برصونا. يروي المسلسل قصة الحب الخالدة بين قيس وليلى منذ اللقاء الأول في إطار تاريخي ساحر. عن «مجنون ليلى» تقول مرشليان: «قصة المسلسل معروفة لدى الجميع تقريباً، لكن القصة شيء وكتابة مسلسل شيء آخر، لأن الكاتب لا بد من أن يترك العنان لمخيلته كي تتغلغل في تفاصيل العمل، شخصياته وبيئته... وأبطاله. أنا راضية عن مناخ العمل وأحببت ما قمت به وما قام به المخرج والممثلون».تضيف مرشليان: «يكمن الذكاء في أن تأخذ من القصة مسلسلاً يليق ببلدك وزمنك، وفي حالة «مجنون ليلى» خلال العصر الأموي إبان تضارب الحب العذري والإباحي نسترجع قيما افتقدناها وجمالية الشعر ونهضته الذي بات اليوم في طي النسيان، خصوصاً في لبنان وكأنه اختفى مع الديناصورات».لا شك في أن شركات إنتاج عربية كثيرة تصوّر مسلسلات خصيصًا لعرضها خلال رمضان الذي بات يضج بـ»طقوس تلفزيونية»، ففي السابق كان أبرز البرامج الذي تعرض خلاله الفوازير التي غابت في السنوات الأخيرة، وأتى شبح المسلسلات والدراما... هل ثمة مسلسلات رمضانية أم أن ثمة جمهورًا رمضانيًا؟ يقول الكاتب شكري أنيس فاخوري الذي اشتهر بمسلسلي «نساء في العاصفة» و{العاصفة تهب مرتين» في منتصف التسعينات من القرن الماضي، «ليس للمسلسلات الرمضانية روح خاصة بل هي كما كل مسلسل يجب أن تأتي متكاملة من خلال النص والإخراج والكادر التمثيلي، وبذلك يأتي العمل تأملاً متكاملاً لا نشعر به، ويستطيع بالتالي تحقيق النجاح المطلوب». مشكلة يتفق معظم الممثلين والممثلات في تحديد مشكلة التقصير في إنتاج المسلسلات اللبنانية، تقول الممثلة ألسي فرنيني «إن التقصير في المسلسلات الرمضانية اللبنانية يأتي أولاً وأخيراً من جهات الإنتاج، لأن لبنان يزخر بكتّاب ومخرجين وممثلين مهمّين لهم تاريخهم الفني وصبغتهم التي تميّزهم عن غيرهم من الفنانين العرب». تضيف فرنيني: «نعم تسبقنا البلدان العربية الأخرى في المجال الدرامي الرمضاني، خصوصاً سورية ومصر، وتكون الرائدة، لأنه للأسف بعد أن كان المسلسل اللبناني رائدًا منذ زمن، فقد أهميته وبدأ الجمهور يتعوّد على نمط معين من المسلسلات هو في الغالب النمط المصري والسوري». يعتبر الكاتب فاخوري «أن المسلسلات السورية والمصرية مسلسلات لها قيمتها في الإخراج والسيناريو والممثلين، لكن نحن أيضاً إذا ما توافرت لنا مقومات العمل من تمويل كافٍ هو عموماً لزوم كل عمل جيد، سنكتب ونخرج مسلسلات جيدة جداً ربما ننافس تلك المسلسلات المصرية السورية». تبدو الممثلة ريتا برصونا متحمسة جداً لإيصال صورة الدراما اللبنانية الى العالم العربي، تقول «إنه الوقت كي يتعرف العالم العربي الى الإنتاج اللبناني الدرامي الحقيقي والجدي». برصونا التي تحظى باهتمام الجمهور، خصوصًا بعد مسلسل «غنوجة بيا» الذي عرض قبل سنتين، وبطلة «قيس وليلى»، متشوّقة لتكون نجمة في العالم العربي، وتثني على تلفزيون «المستقبل» الذي سيعرض المسلسل خلال رمضان. لوحظ أخيرًا أن «المستقبل» بدأ يهتم بإنتاج الدارما اللبنانية المحلية، خصوصا بعد إنشاء «إخبارية المستقبل». توضح برصونا: «لا ينقصنا شيء كي ننتج مسلسلات كما يفعل المصريون والسوريون، الذين من دون شك لهم تجربتهم الواسعة في المسلسلات التاريخية تحديداً، لكن لا بد من أن تتوافر الجهة المنتجة كي نستطيع إنتاج مسلسلات بمستوى جيد، وهنا أشيد بالمنتج صاحب شركة «مروى غروب» مروان حداد الذي يتجرأ من كل قلبه على إنتاج المسلسلات ويسخى عليها بالدعاية والمؤتمرات التي طالما رافقت الألبومات وليس المسلسلات. أشير هنا الى أن نجاح المسلسل يأتي أيضاً من نجاح المحطة نفسها، و»المستقبل» لها جمهورها العربي الواسع. قدمنا المسلسل بالفصحى العربية كي لا يتحجج أحد بأنه لا يفهم لغة المسلسل».واذا كانت ثمة منافسة بين مصر وسورية، يقابلها كلام وكلام مضاد من هنا وهناك حول الدراما وجوهرها، يبدو أن لبنان يعيش الهدوء في ذلك المجال، تقول الكاتبة والممثلة كلوديا مرشليان «ليس همي منافسة الدراما المصرية أو السورية، لأننا لسنا في حلبة «كونغ فو» ونتصارع على الأحزمة. أعتقد أن الفن عمل تكاملي، فأغنية لبنانية مثلاً قد تكملها أغنية أخرى عربية أو غربية. همي هو صناعة مسلسل يليق ببلدي وهويتي وبالممثلين. نحاول جميعاً القيام بمسلسل جيد بغض النظر عن مناخ «الحلبة التنافسية» أو «كأس البطولة الرمضانية». المسلسل الجيد هو الذي يليق بأن يدخل الى البيوت ليفتح الباب أمام مسلسلات أخرى ربما تكون بتعاون لبناني - مصري أو سوري أو خليجي، لا فرق، ربما يصبح المسلسل اللبناني بذلك على لائحة الدراما العربية ويصبح صنّاعه، من مخرجين ومؤلفين وكتاب، على تلك اللائحة أيضاً. يورغو شلهوب، مثلاً، ممثل مبدع لا يقل أهمية عن أي ممثل عربي آخر، كيف له أن يصل الى مرحلة متقدمة وشهرة واسعة من دون مسلسل أو ربما فيلم جيد؟».عن مسلسها الجديد «مجنون ليلى»، تقول مرشليان «لا نريد أن نحمّل المسلسل مشاكل الدراما اللبنانية القديمة كلها ومطباتها، ولا نريد أن ندّعي أنه ذلك المسلسل المثالي، لأنه ما من عمل يخلو تماما من الأخطاء، لكن ربما يكون خطوة وبادرة خير تفتح السوق العربية الإعلامية على مسلسلاتنا كي لا نبقى، الى حد ما، المتلقين فحسب بل المنتجين أيضاً وتعرض مسلسلاتنا على الشاشات العربية.ربما تكون اللغة اللبنانية مشكلة من مشكلات الدراما اللبنانية، فحين عرض فيلم «البوسطة» لفيليب عرقتنجي في مصر ترجم الى العربية، فكيف الحال إذا صوِّر مسلسل باللغة اللبنانية. في المقابل، لا يبدو أن ثمة مشكلة بالنسبة الى اللهجة المصرية التي تزخر بتاريخ طويل في التلفزيون وقد اعتاد الجمهور العربي عليها وإن لم يتكلّمها. أما تلك السورية فتبدو وسيطية وقريبة الى الفصحى او «بيضاء» كما يقولون، على أن الجمهورية السورية دولة مركزية ولها محيطها القريب من ثقافتها، من العراق الى فلسطين ولبنان والأردن، لذلك لها جمهورها، عدا عن اختيارها المواضيع العريضة او التي تعتمد الكلشيهات اللافتة من التراث والشخصيات التاريخية الى المقاومة والنضال.قد تنتهي مشكلة اللغة في لحظة بحسب كثير من النقاد، ذلك لأن الموضة أقوى من كل شيء، والأمر نفسه في المسلسلات، ففي التسعينات راجت المسلسلات المكسيكية من «أنت أو لا أحد» الى «كسندرا»، كان نجاحهما ساحقا، لكن أين المسلسلات المكسيكية الآن؟ انتهت موضتها! والآن موضة المسلسل التركي المدبلج الى العربية مثل «نور»... هل يكون القدر يومًا ما مع موضة المسلسلات اللبنانية؟