الأندلس حضارة غاربة وتاريخ عريق (8) الفلاسفة... بين التكريم والمطاردات وحرق الكتب

نشر في 21-09-2008 | 00:00
آخر تحديث 21-09-2008 | 00:00
No Image Caption

كانت التجربة الإسلامية في الأندلس ميداناً خصباً لإنضاج الأفكار الفلسفية وتناقلها في تلك البلاد، ولا مراء في أن حياة الترف ورخاء العيش وعناية الملوك والأمراء ورعايتهم الحركة الفكرية كان لها أبعد الأثر في ازدهار الحركة الفلسفية هناك، وإن لم يخل الأمر في بعض الأحيان من معارضة بعض الفقهاء والحكام وهجومهم الفكري والمادي على الفلاسفة وكتاباتهم.

اللافت أن الأندلس لم يعرف له فلاسفة من مسلمي البلاد قبل نهاية القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، ويعزى ذلك الى انشغال المجتمع الإسلامي الناشئ بالدراسات الفقهية واللغوية، والى فقهاء المالكية الذين كان يتخذون مواقف متشددة ليس من المتكلمين في الفلسفة فحسب، بل ومن الذين يخالفونهم في المذهب. تشير المصادر الأندلسية الى أن أول من نسب إليه الكلام في الاعتزال بالأندلس، طبيب وأديب قرطبي لم يعرف اسمه على وجه اليقين، وقد ارتحل الى الشرق الإسلامي في القرن الثالث الهجري وحضر مجالس العلم في العراق وعاد الى بلده قرطبة لينشر بين أهلها كتب الجاحظ.

اتبع تلك الآراء المعتزلية ثلاثة من أجلاء أهل قرطبة آنذاك وهم: أحمد بن عبدالله الحبيبي، أبو وهب عبد العلي بن وهب القرطبي مولى قريش وكان من أهل الفقه والشرع، خليل بن عبد الملك المعروف بخليل الغفلة، والأخير أحرق فقهاء المالكية كتبه عند موته.

يعتبر محمد بن مسرة القرطبي (269 _ 318 هـ) أول مفكر أصيل من أهل الأندلس، كان يستر آراءه وراء نسكه وزهادته. كان لابن مسرة تلامذة يحضرون دروسه وهو بعد في السابعة عشرة من عمره، وما لبثت الأراجيف أن انتشرت حول طبيعة تعاليمه وأنه يلقن تلامذته بدعة الاعتزال التي تقول أن الإنسان هو الفاعل الحقيقي لجميع ما يصدر عنه من أعمال وأن عذاب النار ليس عذاباً حقيقياً.

لم يجد ابن مسرة أمامه من سبيل في ظل هجوم الفقهاء عليه، على رأسهم أحمد بن خالد المعروف بالحباب، سوى أن يغادر البلاد، فزعم أنه خارج للحج وهرب من قرطبة الى القيروان ومنها الى مكة، وما لبث أن عاد الى الأندلس ولزم معتزله في جبل قرطبة حيث اتخذ لنفسه دويرة بناها على هيئة الدويرة التي اتخذها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لمارية القبطية أم ولده ابراهيم، وهناك استمر في تدريس تلامذته.

كتب ابن مسرة مؤلفات عدة أشهرها كتاب «التبصرة» و»كتاب الحروف». لم تصلنا أية مؤلفات لهذا الفيلسوف، على الرغم من ظهور أتباع لمدرسته في الأندلس خلال القرن الرابع الهجري.

أما ابن باحة فيعدّ من أشهر فلاسفة تلك الفترة وهو أبو بكر بن محمد بن يحيى بن الصائغ الملقب بابن باجة (توفي عام 225 هـ)، وقد سمع اسمه في بلاط الأمير الموحدي أبي بكر ابراهيم بن تيفوليت حاكم سرقسطة قبل أن يغادرها الى المرية ثم غرناطة وفاس وجديان ليبتعد عن السياسة منصرفاً الى التدريس والتأليف.

ابن باجة هو أقدم فيلسوف أندلسي نعرف عن يقين أنه درس فلسفة المشائين، وتظهر آراؤه واضحة في مؤلفه الفريد «تدبير المتوحد» الذي ترجم الى الإسبانية وفيه يتحدث عن مدينة فاضلة أو كيان سياسي هو المثل الأعلى للدول.

ومن الفلاسفة محمد بن طفيل القيسي بين عامي 506 و581 وأصله من وادي أش، ومن المرجح أنه كان تلميذاً لابن باجة. بدأ حياته طبيباً وعمل كاتباً في غرناطة لأحد أبناء عبدالمؤمن بن علي الموحدي وعلا نجمه الى أن أصبح طبيباً لأبي يعقوب يوسف المنصور وتركه لابن رشد قبل أن يرحل الى مراكش ويتوفى فيها. على الرغم من كثرة مؤلفاته في الطب، فإنه لم يتبق من مصنفاته إلا رسالته المعروفة «حي بن يقظان»، وقد اختار ابن طفيل لآرائه الفلسفية الواردة في تلك الرسالة قالباً قصصياً رائعاً تحدث من خلاله عن الاتفاق بين الدين والفلسفة عبر وقائع حياة حي بن يقظان.

بزغ نجم ابن رشد بعد ابن طفيل، وهو الكامل أبو الوليد محمد بن رشد (526 – 595 هـ) وهو يتنتسب لأسرة قرطبية جليلة تكررت في أفرادها النباهة والفقه. بدأ ابن رشد بدراسة الفقه ثم اشتغل في الطب وألف كتابه الشهير «الكليات في الطب» الذي عُرف عند الأوروبيين في العصور الوسطى باسم كوليجيبت وهو تحريف الكليات.

بدءاً من عام 557 هـ انصرف ابن رشد الى الكتابة في الفلسفة وترجمة كتب أرسطو وشرحها بناء على ترشيح ابن طفيل له لأداء ذلك الغرض تلبية لرغبة الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف المنصور.

وضع ابن رشد لمؤلفات أرسطو ثلاثة أنواع من الشروح يختلف أحدها عن الآخر في السعة، وله مؤلفات فلسفية أصيلة وضعها بنفسه، منها كتاب «تهافت التهافت»، ألفه ردا على تهافت الفلسفة لأبي حامد الغزالي، وله أيضاً كتاب «المقدمات في الفلسفة»، وهو مجموعة من اثنتي عشرة مقالة معظمها في مسائل من علم المنطق وكتاب «اتصال العقل الفعال بالإنسان».

لابن رشد في الفقه كتاب «دراسة المجتهد» ونهاية المقتصد، وهو على المذهب المالكي فضلاً عن كتب عدة في علم الفلك مثل «رسالة عن حركة الفلك» و «استدارة فلك السماء والنجوم الثابتة». خلف ابن رشد مدرسة فلسفية مزدهرة نبغ فيها تلامذة من أمثال تلميذه المباشر ابن طملوس (559 - 620 هـ) الذي ترك تصانيف عدة أشهرها كتاب «المدخل الى صناعة المنطق».

back to top