بغداد... ملاهٍ ليليّة رغم الترهيب!
خرج جندي أميركي من ملهى ليلي في بغداد. كان يحمل في إحدى يديه سلاحه وفي الأخرى عبوة من الكحول. فارتشف قليلاً منها وسار نحو اثنين من رفاقه كانا مجهّزين بعدة الحرب المموّهة على غراره.
شاهد الجنود الأميركيون وأفراد الفرقة الثانية والثمانين التابعة لسلاح الجو داخل الملهى مساء أحد الأيام شابات عراقيات، يبدو أنهن بنات هوى، يتمايلن على ألحان الموسيقى العربية الشعبية. وصدح صوت المغنية بكامل إحساسها عبر مكبرات صوت مزعجة. الغناء والرقص عمل أدانه المتطرفون الإسلاميون واعتبروا مرتكبه مستحقاً للقتل بقطع رأسه. وبعد 20 دقيقة، أقنع بعض الرجال السكارى جندياً أميركياً بالرقص. فسار مترنحاً وهو يحمل معدات الرؤية الليلية وجهازاً لاسلكياً. فانضم إلى نساء ورجال مفعمين بالنشاط في حلقة رقص عربي حول الطاولات.طوال السنوات الست الماضية، تحصّن الجنود الأميركيون وغيرهم من الغربيين في بغداد وراء جدران مضادة للانفجارات وعبروا الشوارع بآليات مصفحة، خشية التعرض لهجوم أو خطف. فالكوارث كانت غالباً نصيب جنود غامروا بدخول المنطقة الحمراء (العاصمة باستثناء منطقة محصنة وسط بغداد). لذلك ما عادوا يغادرون قواعدهم أو مراكزهم إلا لأداء مهامهم الرسمية.يخبر الجنود في شارع أبو نواس بأنهم زاروا الملهى ليتحدثوا إلى المدير بشأن الأمن. لكنهم كانوا يختلطون علناً بالعراقيين بطريقة ما كانت ممكنة البتة قبل أشهر قليلة. يعكس المشهد الإحساس المتزايد بالأمن في العاصمة وأجزاء كثيرة من العراق. لكن من المستحيل معرفة كم جندياً أميركياً في بغداد تسنت له فرصة شرب الكحول خلال القيام بالدورية لأن تصرفاً كهذا يشكل انتهاكاً لمنع استهلاك هذه المشروبات في مناطق القتال.عندما سئل أحد الناطقين باسم الجيش الأميركي عن هؤلاء الجنود، اعترته الدهشة. فسأل الرقيب كريس ستاغنر: «دعني أفهم ما قلته بوضوح. رأيت جنوداً أميركيين في ملهى ليلي وسط بغداد خارج المنطقة الخضراء يرتدون البزة الرسمية وهم يشربون ويرقصون؟».يؤكد مدير الملهى صلاح حسن أن تلك الزيارة لم تكن استثناء. وأضاف موضحاً: «يأتي الأميركيون إلى هنا أربع أو خمس مرات أسبوعياً ويشترون المشروبات».يخبر آخرون في الملهى أن الجنود يترددون الى هذا المكان. تقول آمال سعد، شابة صغيرة البنية تضع عدسات لاصقة زرقاء وتغطي شفتيها بطلاء أحمر كثيف: «أحب الأميركيين. أفرح حين يأتون إلى هنا. أشعر بالأمان. رافقتهم مرات عدة في آلياتهم. اصطحبوني إلى السوق وابتاعوا لي الشوكولا والهدايا».يذكر حسن أنه أسس هذا الملهى بفضل هبة بقيمة 10 آلاف دولار يوزعها الجيش الأميركي للبدء بمشاريع صغيرة. وقد شكلت الهبات جزءاً أساسياً من استراتيجية مكافحة التمرد الأميركية الرامية إلى تهدئة الأوضاع في بغداد. ويستطرد قائلاً: «يأتون للرقص. صرنا نعرف بعضنا جيداً».جوّ من الثقةوقّعت حكومتا الولايات المتحدة والعراق في نوفمبر (تشرين الثاني) اتفاق وضع القوات، والذي ينص على أن الجندي الأميركي الذي يرتكب جرماً خارج قاعدته العسكرية يخضع للقانون العراقي ما لم يكن يؤدي خدمته عند وقوع الحادثة، إلا أن تحديد ذلك منوط بالولايات المتحدة وحدها. لكن الشرب والرقص يولّدان انطباعاً بأن الجندي في إجازة.يتأمل الجندي إريك كارترايت (26 عاماً) من غرانادا هيلز بكاليفورنيا زميله وهو يتمايل في حلقة الرقص، ويقول: «نستمتع جميعنا. لا نفكر في ما قد يلحق بنا من أذى. وهذه علامة جيدة». في سبعينات القرن العشرين، شكل شارع أبو نواس عصب الحياة الليلية العراقية. كانت الملاهي لا تقفل أبوابها قبل الفجر. لكن في عام 1994، حاول صدام حسين كسب ودّ العراقيين المتدينين، فأقفل الملاهي كافة.بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، استهدفت الميليشيات الشيعية والمتمردون السنة باعة المشروبات الكحولية. وأرسلوا تهديدات بالقتل إلى المغنين والراقصات، ما اضطر كثيرين منهم إلى الهرب من البلاد.لكن رئيس الوزراء نوري المالكي أراد تصوير نفسه حاكماً وطنياً علمانياً. فسمح بإعادة فتح الملاهي قبل ثلاثة أشهر. وعززت هذه الخطوة شعبيته بين كثيرين من سكان المدن العراقيين. على رغم ذلك، بقيت أبواب الملاهي مقفلة معظم الوقت بعد صدور قرار المالكي لأن تلك الفترة من السنة ضمت عدداً من الأعياد المسلمة.صحيح أن تهديدات المتطرفين لم تتوقف، إلا أن التدابير الأمنية المشددة في مختلف أنحاء العاصمة ولّدت جواً من الثقة. وقد بدأت الملاهي الليلية تظهر في مناطق أخرى من بغداد. كذلك تقيم الفنادق حفلات راقصة للعراقيين الأثرياء. وصارت النوادي الاجتماعية، حيث يكثر شرب الكحول ولعب الميسر، تشهد إقبالاً أكبر. لذلك عاد مغنون كثيرون من منفاهم. يعتقد البعض أن أبا نواس هو أكثر شارع أماناً في العاصمة. يمتد الشارع على ضفة نهر دجلة وينتهي عند أحد مداخل المنطقة الخضراء، حيث تقع السفارة الأميركية ومباني الحكومة العراقية. يقع ملهى حسن في جزء من الشارع تحيط بجانبيه جدران مضادة للانفجارات ونقاط تفتيش يحرسها رجال شرطة عراقيون وحراس تابعون لشركات أمن عراقية خاصة. ويملك عدد من وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية مكاتب أشبه بحصون في الشارع، وأمام مقر كل منها تنتشر قوات خاصة، ويومياً يسير الجنود الأميركيون فيه كدوريات راجلة.يؤكد حسن: «إنها منطقة محمية جيداً. لولا الأمن لما استطعت فتح الملهى لأن الزبائن سيخشون دخوله، مخافة التعرض للخطف أو القتل». ويخبر حسن أن مسلحين اقتحموا في الليلة السابقة ملهى بالقرب من ساحة الأندلس وسط بغداد واختطفوا زبونين.بعد لحظات، بدت عليه إمارات القلق عند التحدث عن زيارات الجنود الأميركيين. فطلب عدم ذكر اسم الملهى، على رغم أنه مكتوب بالإنكليزية على يافطة في الخارج. وبرر طلبه قائلاً: «سيأتي الأميركيون ويقفلونه».في ملهى مجاور، ترى الزبائن ثملين إلى درجة أنهم لا يأبهون للتهديدات. فقد دفع كل منهم 45 دولاراً كرسم دخول، مبلغ ضخم في نظر عراقيين كثر، ليستمعوا إلى أديبة، إحدى أشهر المغنيات في البلد. ولا تخيّب هذه النجمة بشعرها الأسود آمالهم. ترسل القبلات في الهواء إلى الرجال في الصالة ثم تبدأ بالغناء:صدقني، ما أملّك.روحي حمامة في بيتك.صدقني.وتتمايل راقصة ببزتها الضيقة السوداء والحمراء، فيما يصيح الحضور بحماسة. ويبدأ الشبان، الذين يرتدي بعضهم سترات أنيقة، بتحريك خصورهم والتلويح بمناديل وردية. ويصعد أحدهم إلى الشرفة ويرمي حفنة من المال على أديبة وفرقتها المؤلفة من خمسة رجال.على غرار مغنيات عراقيات كثيرات، لا تستخدم أديبة إلا اسمها الأول. عادت قبل شهرين من البحرين، حيث أمضت السنوات الثلاث الفائتة. تخبر عن هربها من العراق: «توقف العمل. وكانت كل فتاة تُغني، يُقطع رأسها». عادت أديبة بعد تحسّن الوضع الأمني لأن «العيش خارج العراق قتلها»، على حدّ قولها. وسمعت أيضاً أن الملاهي فتحت أبوابها مجدداً. تقول بثقة: «العصر المظلم ولى». ويوافقها جمهورها الرأي. يذكر منتظر غزال (18 عاماً) الذي يعمل في مجال بيع الملابس: «بث صوتها شعوراً بالأمان في نفسي». ويقول صديقه حسين شيبا (17 عاماً): «لم نتوقع أن يوماً كهذا سيحل على العراق».