السرطان... المرضى يحاربونه بالتمارين!
لا يبدو صفّ التدريب هذا مختلفاً... يتمدد الرجال والنساء على السجادة، مؤدين تمارين التحمية قبل بدء التدريب. لا تلبث أن تلاحظ التفاصيل غير المألوفة، تنزع إحدى النساء شعرها المستعار، كاشفة عن شعيرات قليلة مشعثة تغطي رأسها، ويواجه بعض المشاركين صعوبة في التنفّس بعد تمرين بسيط للمعدة. يقول المدرّب إن تمريناً معيناً للجزء الأعلى من الجسم مفيد جداً لمَن يعانون أوراماً في الدماغ.
تضم غرفة في مبنى مخصص للمكاتب في سانتا مونيكا في كاليفورنيا أشخاصاً يتلقون علاجاً لمرض السرطان أو يتعافون منه. على رغم شعورهم بالوهن والغثيان واعتلال أعصابهم، قرر هؤلاء الدّفع بأجسامهم نحو اللياقة البدنية، سواء كانوا مستعدين لذلك أم لا. لا شك في أن التجربة مضنية بالنسبة إلى جسم هدّه مرض السرطان، إلا أنها أصبحت شائعة اليوم. مع تزايد الدراسات التي تُظهر فوائد التمارين الرياضية المعتدلة قبل العلاج وخلاله وبعده، صارت منشآت إعادة تأهيل مرضى السرطان وغيرها من المراكز الصحية تقدّم برامج رياضية تسهّل على المرضى تخطي هذه المرحلة.تحسّنتساعد التمارين القلبية الوعائية وتمارين القوة مَن خضعوا، أو سيخضعون، للجراحة أو العلاج الكيماوي في التقليل من تأثيرات المرض الجانبية، مثل الوهن وخسارة العضلات.أما خلال مرحلة التعافي من العلاج أو هدأة المرض، تعزّز التمارين عملية الشفاء وتسرّع عودة المريض إلى حياته الطبيعية. توضح البروفيسورة في جامعة بنسلفانيا كاثرين شميت: «بخلاف مَن يعانون أمراضاً قلبية وعائية، يملك مريض السرطان جسماً متضرراً يمكن للتمارين مساعدته على التحسن». لا يعني ذلك أن الالتزام بجدول تمارين محدّد سهل في ظل الظروف التي يمرّ بها مرضى السرطان. أولاً: يشعر كثيرون منهم، بحسب قول شميت، بأن جسمهم خانهم: «لا تعرف في هذه الحالة إن كان جسمك صديقك أو عدوّك».ثانياً: يعاني مريض السرطان من تأثيرات العلاج المضنية. قد تؤدي الجراحة إلى خلل في توازن العضلات وضعف وألم وندوب، وقد تتسبب أدوية الاستروئيدات بانهيار العضلات. غالباً ما يشعر المريض بتعب شديد نتيجة تناوله الإنترفرون. كذلك يؤدي بعض الأدوية مثل Sunitinib (يُستخدم في علاج سرطان الكلى والمعدة والأمعاء) ودواء سرطان الثدي Tratuzumab إلى تلف في القلب. ينعم مرضى السرطان بالفوائد نفسها التي يحصدها الشخص السليم من التمارين. قد تكون هذه الفوائد أكبر أحياناً، منها: زيادة الطاقة، تحسّن المرونة والوظائف القلبية الوعائية، وتقوية العضلات والعظام.تجديد النشاط عام 2005، شخّص الأطباء أن بربارا كونفرس، المقيمة في لوس أنجليس، مصابة بسرطان شرجي. تشارك كونفرس منذ أكثر من سنتين ونصف السنة في صفوف التمارين التي تديرها شميت في فرع سانتا مونيكا من مركز Wellness Community، الذي يُعنى بدعم مرضى السرطان وتثقيفهم: «أدركتُ أن التمارين ستجدّد نشاطي. لم أعد أشعر بأنني شجرة صغيرة مسكينة سقطت أوراقها في فصل غير مناسب من السنة».عندما انضمت كونفرس إلى الصفوف، لم تظن أنها ستنجح في أداء التمارين. كانت كتفها جامدة بسبب سقوطها أثناء خضوعها للعلاج الكيماوي (ترفع يدها وتحرّكها راسمة دائرة كاملة لتبرهن مدى تحسّن حالتها)، فساعدتها التمارين في استعادة توازنها والتخفيف من الشعور بالتعب، بعد أن كانت تُضطر إلى النوم كلما صعدت بضع درجات: «أعادت لي هذه الصفوف ثقتي بنفسي وساعدتني في الخروج من البيت. كذلك نمّت قدرتي على الاحتمال».يُعتبر «معهد جبال روكي لإعادة تأهيل مرضى السرطان»، في جامعة شمال كولورادو في غريلاي، إحدى المنشآت الأولى التي اعتمدت التمارين والغذاء وسيلةً لإعادة تأهيل مرضى السرطان. على غرار برامج كثيرة مماثلة، أنشأ هذا البرنامجَ شخصٌ صارع مرض السرطان.شخّص الأطباء أن كارول شنايدر تعاني ورماً سرطانياً في منطقة الحوض عام 1995. بعد خضوعها لعلاج مكثّف بالأشعة، تخبر شنايدر: «شعرت بتعب شديد. أحسست أنني ضعيفة وحالتي يُرثى لها، فطلبتُ من طبيبي المساعدة، لكنه لم يعرف ما الحل».عندما بدأت شنايدر تواجه تأثيرات العلاج الكيماوي الجانبية، مثل فقدان العضلات وتضرّر القلب والوهن، أدركت أن التمارين هي الحل الأنسب. زاد اقتناعها بالفكرة حين اطلعت على دراسات تتحدث عن حسنات التمارين في حالة مرضى السرطان.بعد أن أسست شنايدر المعهد، اختبرت البرنامج بنفسها. خصصت ثلاثة أيام لتمارين الأيروبيك ويومين لتمارين القوة. عندما لم تشعر بتحسّن بسبب صرامة البرنامج، وضعت آخر أكثر اعتدالاً يشمل تمارين أيروبيك وقوة ومرونة: «شعرت بتحسّن كبيرة في وقت قصير. زادت طاقتي، وصرت أمضي فترات أطول على آلة المشي. شعرت بأنني أقوى. تحسّنت كامل وظائف جسمي ونوعية حياتي، وهذا ما يختبره مرضانا أيضاً».برنامج رياضي خاصأدرك عالَم اللياقة التقليدي مدى أهمية التمارين بالنسبة إلى مريض السرطان. لذلك يزداد اليوم عدد المدربين الذين يأخذون مقررات خاصة يتعرفون من خلالها إلى طبيعة المرض وعلاجاته المتنوّعة ويتعلّمون العمل مع كل مريض على ابتكار تمارين خاصة به. يطبق كثيرون منهم ما يتعلمونه في النوادي الرياضية ومراكز إعادة التأهيل.في فصل الخريف، بدأت الكلية الأميركية للطب الرياضي منح شهادات تخصّص في العمل مع مرضى السرطان انطلاقاً من تشخيص المرض وطوال فترة العلاج. كذلك تقدّم مؤسستا لانس أرمسترونغ وYMCA معاً برنامجاً رياضياً خاصاً بمرضى السرطان، هو راهناً قيد الاختبار في عشر مدن أميركية.علاوة على ذلك، أنشأ بعض المدربين مراكز للتدريب في «معهد تمارين مرض السرطان» في واست لين في ولاية أورغن. يُذكر أن هذا المعهد يقدّم إرشادات لخبراء الصحة والاختصاصيين في مجال اللياقة البدنية. قبل أربع سنوات، أسست هذا المعهد أندريا ليونارد، مدرّبة عانت سرطان الغدة الدرقية. توضح ليونارد أن الفائدة التي يستمدّها المرضى من المدربين الاختصاصيين لا تقتصر على التمارين: «إنه برنامج تعافٍ، يعيدهم إلى حياتهم اليومية المعتادة، فضلاً عن شعورهم بقوة أكبر وبتحسّن مظهرهم».«ليس الاختصاصيون كلهم في مجال العناية مطلعين على هذه المسائل، على الرغم من تنامي الأبحاث العلمية. لذلك «نحن بحاجة إلى تثقيفهم»، تقول آن شوارتز، بروفسورة في جامعة واشنطن أجرت عدداً من الدراسات عن داء السرطان والتمارين.يوافقها الرأي د. هنري فاركاس الذي خضع لعملية جراحية لاستئصال سرطان في رئته قبل سنتين (مع أنه لم يدخّن يوماً). انضم إلى صفوف شميت في مركز Wellness Community بعدما علم بالأبحاث التي تُجرى حول فوائد التمارين في حالة مرضى السرطان.يخبر فاركاس: «أستعيد قوتي. أقيس التقدّم الذي أحرزه وفق المسافة التي يمكنني سيرها من دون توقّف أو وفق ما إذا كان بإمكاني أن أعبر الطريق بسرعة المارة الآخرين نفسها. أستطيع الآن مجاراة مَن ليسوا على عجلة من أمرهم. أشعر بتحسّن كبير».