البحريات

نشر في 12-01-2009 | 00:00
آخر تحديث 12-01-2009 | 00:00
No Image Caption
كانت رواية «البحريات» لأميمة الخميس بالنسبة لي اكتشافاً رائعاً لواحدة من حفيدات شهرزاد اللاتي انحدرن من تلك الحكاءة العظيمة، اميمة الخميس تنتمي إلى هؤلاء الحكاءات اللاتي تميزن بالقدرة الهائلة على الحكي والسرد المتمكن، والأصيل الذي يستولي على قلب القارئ وعقله، والذي يصبح مثل شهريار مأخوذاً بسحر الكلام، ولا ينفك وينحل من سحره إلا بسكوتها عن الكلام المُباح، هذه الشهرزاد المجيدة تمكنت من سحري بهذه الرواية التي صورت فيها أحوال مدينة الرياض منذ نشأتها من رحم تلك الصحاري العظيمة، التي تمخضت عنها مدينة عملاقة بيدها مفاتيح الدنيا، اميمة نسجت حياتها عبر أسرة «آل معبل» الثرية، ومنها غاصت في تفاصيل التفاصيل لنمو هذه الأسرة، ومن خلالها تلصصنا على كل نساء هذا المنزل الواردات إليه من كل أقطار الأرض المفتوحة على بحار نقلتهم إلى صهد الصحراء، حيث يعشن حياتهن الأبدية تحت محراث الحنين والشجن لخضرة ونداوة بلادهن المرمية خلف تلك البحار التي جئن منها، ولذلك سمّين بالبحريات. هذا هو مجمع آل معبل الذي هو خليط من نساء شاميات وأثيوبيات وعجميات ونجديات، يعانين اختلاف وصراع حضارتهن في مجتمعات صحراوية لا تعرف إلا التقشف في كل شيء، فالعواطف والمشاعر ترف خارج منطقها.

الرواية تكشف لنا عن عالم النساء الخفي في مجتمع الرياض القديم والحديث، حياة النساء وأحاسيسهن الحميمة الخفية في تلك العلاقات النابضة في ما بينهن وما بين رجالهن، التمادي والانكماش، الخوف والرغبة والانحسار، عواطف ورغبات إنسانية يطويها الخوف والانصياع تحت قانون الصحراء المهيمن، وسرد اميمة الخميس الواقعي جاء مطابقا للمجتمع وحكاياته، لكن قدرتها في إعادة الصياغة من منظور حداثي ولغة رائقة رائعة جعلت الرواية تتخطى حاجز سذاجة الرواية الواقعية المملة في فرط رومانسيتها وبدائيتها، اميمة أطلعتنا على مجتمع واقعي وقصص واقعية، لكنها عرفت كيف تستفيد من توظيف التقنية الحديثة في إعادة صياغة وبناء الأحداث في رواية متميزة، وسرد متألق وحميم أعاد الرواية الواقعية إلى الصفوف الأمامية من جديد، وفي رأيي أنه في الفن لا يوجد قديم وجديد، هناك قدرة الفنان على إعادة خلق وتطوير المنتهية صلاحيته من جديد وجعله بالفعل جديد.

سُعدت كثيرا في قراءة هذه الرواية، خصوصا لأننا بدأنا نكتشف عوالم مجتمعاتنا الخليجية التي بقيت في خباء محارتها زمنا طويلا، بعيدة عن كل العيون، الآن وبعد أن تشبعنا من قراءة كل الروايات العربية التي درجنا عليها منذ الصغر، حتى ما عدنا نجد فيها ما يذهلنا من كثرة ما حفظناها، الآن نكتشف في مجتمعاتنا الخليجية الخجولة التي تنكشف علينا في هذه الكتابات القادمة لنا من صحارينا التي طال انتظارها للمطر...

للإبداع القادم من قلبها البكر المكتنز لثروة أخرى غير البترول. وهذا فقرات من رواية البحريات «لأميمة خميس»:

* «وإنه العمر قد مر ومضى ويجب أن نتنحّى عن المضمار ونفسح طريقا لجيل يلهث قادما من بعيد، ولا نكتشف سوى متأخرين بأن الحياة كانت ذلك الصراع المحتدم اليومي الذي ينحت تماثيلنا، وحين تكتمل أو حتى إن لم تكتمل فإننا يجب أن نتنحّى بعد أن انتهت المساحة الزمنية المتاحة لنا في المدرسة، يجب أن نتنحّى ونفسح مكانا لفوج جديد أشعث مبعثر يتلقفه إزميل ومدرسة الحياة».

back to top