دار الأدباء تعيد الاعتبار لشاعر الجندول بعد 59 عاماً مثقّفون مصريّون: قصائد علي محمود طه لم تغرق في العاطفة
أعادت {دارالأدباء» في القاهرة الاعتبار لرواد حركات التجديد في مسيرة الشعر العربي بعد أن طاول الغبن النقدي قصائدهم وحاصرها في أفق ضيق محدود. في الذكرى التاسعة والخمسين لرحيله، أقامت الدار ندوة عن الشاعر علي محمود طه أحد رواد المدرسة الرومنسية في الشعر العربي.
أكد المشاركون في الندوة أن قصائد طه لم تغفل الواقعية ولم تحلّق في الخيال بعيداً عن قضايا المجتمع وأن اتهام المدرسة الرومنسية بالتغلغل في العاطفة وعدم ربطها بأية قضايا حياتية غير صحيح.اعتبر الناقد د. أحمد درويش (أستاذ الدراسات المقارنة في كلية دار العلوم) أن «معظم دواوين طه خرج إلى النور أثناء الحرب العالمية، فكان عليه الانغماس في أزمات الحرب وقضاياها، لكنه، على رغم ذلك، غلّف رؤيته بالرومنسية وكأنه يغرس بيده الحب، لذا جاء شعره فناً يقرأه ويستمتع به كل إنسان».أشار درويش إلى أن طه ترجم قصائد كثيرة إلى العربية، وجاء النص المترجم كأنه الأصلي، مؤكداً أن هذا الشاعر قدّم أدلة على أن القصيدة العربية تستطيع الرقص وهي في قيود، واستطاع على رغم عمره القصير وضع الشعر في مصاف الفنون المحترمة.أوضح درويش أن طه كان يسافر إلى أوروبا سنوياً، لذا تداخلت لديه الثقافات التي تأثر بها، فجاءت قصائده الطويلة محمّلة بفكر فلسفي عميق، بعيداً عن النظم الفلسفي الجاف، الأمر الذي أجبر د. طه حسين على الاعتراف بعبقرية طه، مشيراً إلى أن الأخير جعل القصيدة العربية تتماشى مع أنواع الفنون المختلفة، مثل الأوبريت والمسرحية والأغنية.انعكاس الواقعمسيرة طه محفوفة بالمصاعب، فالشاعر الذي حظي بشهرة واسعة في زمانه أصبح شبه منسي، على رغم تأثيره الكبير في الشعراء.كتب طه في المجالات كافة التي شكلت ميداناً لغيره من الشعراء، كالغزل والرثاء والمدح والفلسفة والحكمة والتأمل، وتنوعت قوافيه وفنونه، لكن أكثر ما يشد القارئ الى قصائده تلك اللغة والصور الحسية التي يرسمها في شعره، ناهيك عن تلك النزعة الرومنسية التي بدت غامرة في ديوانه الأول {الملاح التائه» والذي كان صدى رغبات أبناء جيله واهتماماتهم، فاحتل مكانة مرموقة بين شعراء الأربعينات في مصر. أوضح الناقد د. محمد عناني أن {المفتاح لشعر طه يكمن في الفردية الرومنسية والحرية التي لا تتأتى بطبيعة الحال إلا بتوافر الموارد المادية التي تحرر المرء من الحاجة ولا تشعره بضغوطها».أضاف عناني: «لم ير هذا الشاعر سوى الجمال وخصّص قراءاته في الآداب الأوروبية حول الشعر والوجود والفن، وما يرتبط بها من إعمال للخيال الذي هو سلاح الرومنسية الماضي».طه من أوائل الشعراء الذين ثاروا على وحدة القافية والبحر، مؤكداً على الوحدة النفسية للقصيدة، كان يسعى، بحسب د. محمد حسنين هيكل في كتابه «ثورة الأدب»، إلى أن «تكون القصيدة بمثابة فكرة أو صورة أو عاطفة يفيض بها القلب في صيغة متسقة من اللفظ تخاطب النفس وتصل إلى أعماقها من غير حاجة إلى كلفة ومشقة»... كان طه في شعره ينشد الإنسان ويسعى الى السلم والحرية؛ رافعاً من قيمة الجمال كقيمة إنسانية عليا.طه أحد أبرز أعلام الاتجاه الرومنسي العاطفي في الشعر العربي المعاصر، وكُتبت عنه دراسات عدة منها كتاب أنور المعداوي «علي محمود طه... الشاعر والإنسان» وكتاب للسيد تقي الدين «علي محمود طه... حياته وشعره» وكتاب محمد رضوان «الملاح التائه علي محمود طه»، وقد طبع ديوانه كاملاًََ في بيروت.المهندس الشاعرولد علي محمود طه في 3 أغسطس (آب) عام 1901 في مدينة المنصورة عاصمة الدقهلية، لأسرة من الطبقة الوسطى. حصل على الشهادة الابتدائية وتخرج في مدرسة الفنون التطبيقية عام 1924 حاملاً شهادة في هندسة المباني، واشتغل مهندساً في الحكومة سنوات طويلة، إلى أن يسّر له اتصاله ببعض الساسة العمل في مجلس النواب. صدر ديوانه الأول {الملاح التائه} عام 1934 وفيه نلاحظ أثر الشعراء الفرنسيين الرومنسيين، لا سيما شاعرهم لامارتين. وبالإضافة الى تلك القصائد التي تعبر عن فلسفة رومنسية غالبة، كانت أشعار طه التي استوحاها من مشاهد صباه حول «المنصورة» و{بحيرة المنزلة» من أمتع قصائد الديوان وأبرزها. تتابعت دواوين طه بعد ذلك فصدر له: «ليالي الملاح التائه» – 1940، «أرواح وأشباح» – 1942، «شرق وغرب» - 1942، «زهر وخمر» - 1943، «أغنية الرياح الأربع» - 1943، «الشوق العائد» - 1945.... تعرّف الجمهور الى طه من خلال قصيدته «الجندول» التي غناها الموسيقار محمد عبد الوهاب، وفي كتابه «على مشارف الخمسين» يحكي صلاح عبد الصبور قصة أول لقاء به: «قلت لأنور المعداوي: أريد أن أجلس إلى علي محمود طه. فأجابني بأنه لا يأتي إلى هذا المقهى، لكنه يجلس في محل «غروبي» في ميدان سليمان باشا. ذهبت إلى غروبي مرات عدة، واختلست النظر حتى رأيته... هيئته ليست هيئة شاعر، بل هيئة عين من الأعيان، وخفت رهبة المكان فخرجت من دون أن ألقاه، ولم يسعفني الزمان فقد مات طه في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1949 إثر مرض قصير لم يمهله كثيراً وهو في قمة عطائه وشبابه، ودفن في مسقط رأسه في مدينة المنصورة، وعلى رغم افتتانه الشديد بالمرأَة وسعيه وراءها... لم يتزوج.