سرطان الثدي... النضال لم ينتهِ بعد
بالتيمور - «تموت نساء كثيرات في هذه الفترة، وهذا أمر متوقّع لأنهن يعانين من سرطان الثدي». هذا ما قالته الطبيبة ليشا آمنز في شهر أغسطس (آب) الماضي فيما كانت تنهي عملها باكراً. تجري هذه الطبيبة تجارب سريرية على لقاح لسرطان الثدي ما زال قيد الاختبار.
ماتت أنيتا التي أخذت لقاح سرطان الثدي السنة الماضية، وظهر المرض مجدداً لدى امرأتين كان اختقى من جسمهما بعد تلقّيهما اللقاح. لذلك من الطبيعي أن تشعر آمنز التي تعمل على اللقاح أن جهدها يتلاشى تدريجاً. لكن سرعان ما تذكرت عالمة الأورام هذه، التي تعمل في جامعة جونز هوبكنز، كل ما تعلمته، والبيانات كافة التي جمعتها، وعيّنات الدم التي فحصتها، والنجاحات التي حققتها. هدف لقاحها هذا تدريب جهاز المناعة على مهاجمة سرطان الثدي من دون أن يلحق الأذى بالجسم، وقد ساهم في تحفيز ردود الفعل المناعية عند ثلث النساء اللواتي تلقّينه.صحيح أن آمنز لا تملك دليلاً يثبت تأثيرات هذا اللقاح الإيجابية، لكن نساء كثيرات تمتعنا بحياة ما كنّ ليحلمن بها لولا هذا اللقاح في المرحلة الرابعة من سرطان الثدي. يُذكر أن هذا المرض غالباً ما يؤدي إلى الموت في غضون سنة أو سنتين من تشخيصه.في هذا المجال تقول آمنز: «علينا تبديل مفهومنا عن النجاح، فهو يعني التأثير في حياة كل امرأة على حدة. لا شك في أن ما توصلنا إليه يستحق الثناء». لا تعِد هذه الطبيبة بتقديم الدواء الشافي في الحال، إلا أنها تعتبر تجاربها الطبية الخطوة الأولى في عملية قد تستغرق سنوات أو عقوداً. «يجب اتخاذ كل خطوة بتأنٍ وعناية، وتستند كل خطوة إلى ما سبقها». أما بالنسبة إلى المريضات، فقد تكون هذه التجارب بصيص الأمل الأخير. على آمنز الآن أن تصب جزءاً من اهتمامها على عمل آخر، مع أن مريضاتها ما زلن يصارعن المرض. تعدّ راهناً تقريراً يوضح ما تعلمته من مريضاتها الثماني والعشرين الأوائل، وتسعى في الوقت عينه الى العثور على نساء يشاركن في تجربتها الثانية. تأمل هذه الطبيبة بالحصول على الموافقات التي تحتاج إليها من جامعة هوبكنز وإدارة الأغذية والأدوية لتبدأ بقبول المتطوّعات للمرحلة الثانية. إذا سارت الأمور على ما يُرام، فلن تكتفي باختيار نساء في مراحل متقدمة من المرض، كما فعلت في التجربتين الأوّلين، بل ستقبل أيضاً نساء يعانين من مراحل أولى يتفشى خلالها المرض بسرعة. في هذه الحالة ستضيف آمنز، بحسب قولها، اللقاح إلى علاجهن التقليدي، آملة بأن يحول دون ظهور المرض مجدداً. في الوقت نفسه، تنكب آمنز على كتابة اقتراحات وخطابات للحصول على مِنَح بغية تمويل تجربتها الرابعة، فمن دون المال لا يمكنها مواصلة العمل.تقبع في ثلاجة قريبة من مختبرها قوارير وحقن دم كثيرة جمعتها آمنز من مريضاتها في التجربتين الأولين، آملة وفريق عملها بالعثور فيها على نوع مجهول من البروتينات السرطانية. تتحوّل هذه البروتينات إلى أهداف جديدة ينبغي ابتكار الأدوية لمحاربتها. مرت أربع سنوات على إطلاق آمنز تجربتها الأولى. يبدو أنها حققت خلال هذه المدة بعض الانتصارات. لم تتجاوز هؤلاء النساء فترة السنة إلى السنتين فحسب، بل عشنا أيضاً حياة جيدة، بخلاف غالبية المرضى الذين يعانون من سرطان نقيلي (metastatic). غالباً ما ينغّص العلاج الكيماوي حياة مريض السرطان ويحول دون تمتّعه بالأيام القليلة المتبقية له. كذلك يشعر بألم مبرح يُعالَج بأدوية تسلبه جزءاً من مقدراته التفكيرية.سوزان كريستوفتلقت سوزان كريستوف من جنوب فلوريدا أول جرعة من اللقاح في شهر يناير (كانون الثاني) عام 2007. عندما التقت بآمنز أول مرة، كانت بالكاد تستطيع السير بسبب تفشّي السرطان في وركها، لكن ما هي إلا فترة قصيرة حتى بدأت هذه المرأة تتنقل من دون ألم. ثم أظهرت صور الأشعة أنها ما عادت تعاني من سرطان ناشط، لكن في أواخر أغسطس (آب)، عاود السرطان الظهور.لا تزال كريستوف تؤمن بفاعلية العلاج، لكنها تعتقد أن النساء اللواتي يشاركن في التجربة بحاجة إلى جرعة إضافية كي يبقى جهازهم المناعي متنبّهاً. إلا أن الجرعات الإضافية لا تشكل جزءاً من التجربة. توضح آمنز السبب بقولها إنها ليست مستعدّة للبحث في مسألة الجرعات الإضافية ما لم تكتشف مزيداً عن طريقة عمل اللقاح.تذكر كريستوف (46 عاماً): «أعرف في أعماق نفسي أنني سأشفى نهائياً إذا حصلت على حقنة إضافية. تجاوب جسمي بسرعة كبيرة مع اللقاح».بدأت كريستوف أخيراً تتناول مجموعة من الأدوية المضادة للسرطان وتشهد حالتها تحسّناً طفيفاً، وهي تخطط راهناً للانضمام إلى تجربة لقاح أخرى، بعد أن شعرت بالارتياح خلال التجربة الأولى.آني سيبلأمضت آني سيبل أشهراً متنقلة بين المستشفى في بالتيمور ومنزلها في فلوريدا، آملة بأن ينقذ اللقاح حياتها. بعد أن عرفت في شهر يوليو (تموز) أن اللقاح فشل في احتواء مرضها، أُصيبت بأزمة نفسية. سافرت في الأسابيع التالية إلى هيوستن وفيلادلفيا وبوكا راتون في فلوريدا. تجاوزت حدود بطاقتها الائتمانية بآلاف الدولارات محاولة العثور على طبيب يساعدها في إطالة حياتها بواسطة علاج بديل.حصلت سيبل على إجازة من عملها كنادلة لأنه يتطلب مجهوداً جسدياً كبيراً. تتبع الآن حمية خالية من المنتجات اللبنية واللحوم. تسافر كل ثلاثة أسابيع إلى شيكاغو لتتلقى علاجاً كيماوياً في معهد بلوك للعناية المتكاملة بمرضى السرطان. توضح سيبل أنها تتلقى علاجها في أوقات محددة يومياً وبحسب الفترة «التي يكون فيها الحمض النووي ناشطاً». يذكر المركز أن الهدف هو تخفيض آثار العلاج الكيماوي الجانبية السامة. في المنزل تمضي سيبل نحو ست ساعات يومياً في استخدام أجهزة تعتقد أنها تساعدها في التماثل إلى الشفاء. يشبه أحد هذه الأجهزة مصباحين كبيرين. تعتقد سيبل أنه يستخدم الترددات اللاسلكية ليخلّص جسمها من السموم ويفتح ممرات الطاقة. فيما يبدو جهاز آخر كلمبة تحمله سيبل فوق كبدها لأنه، على حد تعبيرها، يعيد الطاقة التي سلبتها إياها الترددات. تعمل آلة ثالثة على موجات أعلى. لذلك تستخدمها وهي تضع قدميها في صينيتين معدنيتين مملوءتين ماء. تظن سيبل أن هذه الأجهزة تجعل جسمها مكاناً لا يمكن للسرطان أن يختبئ فيه.تعاني سيبل (43 عاماً) من أربعة أورام في الكبد. لاحظ الأطباء في شهر يوليو (تموز) الفائت وجود بقعة على إحدى العقد الليمفاوية قرب عمودها الفقري. في أواخر شهر سبتمبر (أيلول)، تلقت سيبل أخباراً جيدة. انخفضت مؤشرات الورم في دمها من ثلاثة آلاف إلى أربعمئة. كذلك أظهرت فحوص وظائف الكبد، التي كانت بلغت مستويات منخفضة خطرة جداً، أنها ارتفعت لتقارب المعدل الطبيعي. فضلاً عن ذلك، تبيّن من صور الأشعة أن الأورام بدأت تتقلّص... تعزو سيبل هذه النتائج الجيدة إلى اللقاح، قائلة: «عندما أفكر في هذه المسألة، أستخلص أن اللقاح ما زال يعمل في جسمي».بيغي مورفيبدأت بيغي مورفي علاجها الكيماوي في شهر يوليو (تموز). لكن الجهاز الذي زُرع في جسمها لتسهيل هذه العملية لم يعمل بالشكل الصحيح. حتى أن الأطباء اضطروا لإزالته في أغسطس (آب) الماضي بعد أن صار ملوّثاً. اعتاد آلن كريغ، صديق مورفي القديم، أن يقلّها من منزلها قرب لانكستر في بنسلفانيا إلى مستشفى هوبكنز. أمضت مورفي القسم الأكبر من الصيف في غرف الطوارئ في المستشفيات لأنها تعاني من ألم مبرح. نتيجة لذلك، صارت تتناول الآن جرعات كبيرة من مسكن أوكسيكودون. أصبحت عاطفية وسريعة الانفعال، وضعفت ذاكرتها. في شهر سبتمبر (أيلول)، أخبرها أطباؤها أن العلاج الكيماوي لا يأتي بالنتيجة المرجوة وأن عمودها الفقري مصاب بالسرطان. لذلك انتقلت إلى علاج كيماوي يُعطى على شكل حبة دواء. لكنها صارت تتقيأ باستمرار، وخسرت حوالى سبعة كيلوغرامات من وزنها. عمد الأطباء أخيراً إلى تعديل الجرعة للتخفيف من الآثار الجانبية.تبيّن أن الألم الذي تشعر به مورفي في جنبها ويسلبها نومها ناتج من كسور في أضلعها الهشّة بسبب مرض السرطان. عندما تُشفى هذه الكسور، تأمل أن يخف الألم. في هذه الأثناء، يساعدها ولدها في البحث عن تجربة سريرية جديدة، فهي لم تستسلم بعد في صراعها ضد هذا الداء الخبيث.آمنز داربي ستيدمان بعد أن تلقت آمنز داربي ستيدمان (38 عاما) خبر أن صور الأشعة التي خضعت لها جيدة، ذهبت في رحلة مع ولديها الصغيرين وزوجها. زارت أصدقاء لها في أطلنطا وسافرت إلى بوكا راتون في فلوريدا. أقامت في منزل قرب الشاطئ في جزيرة سانت سيمونز في جورجيا تملكه امرأة تشارك في هذه التجربة أيضاً. ما زال على ستيدمان أخذ دواء Herceptin بواسطة حقنة في الوريد كل ثلاثة أسابيع لمحاربة السرطان المتبقّي في عقدها اللمفاوية وعمودها الفقري. لكنها لن تضطر لزيارة مستشفى هوبكنز قبل شهرين. كان من المقرر أن تنتهي جولتها الرابعة من اللقاح في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.مع بداية السنة الدراسية، استعادت ستيدمان دورها كأم لا كمريضة مصابة بالسرطان، لكن أثناء عطلة عيد العمال، سقطت ستيدمان خلال تأرجحها على الحبل في أحد المخيمات المخصصة للعائلات وكسرت كاحلها الأيمن. خضعت لعملية جراحية وما عاد بإمكانها القيادة أو التنزّه مع الأصدقاء في الحي. سوزان مارانغي في أواخر شهر أغسطس (آب)، رن هاتف الطبيبة آمنز. كانت سوزان مارانغي المتصلة. اختفى داء السرطان من جسم مارانغي بعد فترة طويلة، لكنها كانت تتصل بآمنز لتخبرها أنها دخلت «مركز مرسي الطبي» بعد أن شعرت بألم مبرح في ظهرها.بسبب تاريخها الطبي، طلب الأطباء منها إجراء صور للعظم، وتبيّن أن بعض البقع يغطي العظام. أخبرها الأطباء أن هذا الداء الخبيث عاود الظهور.حاولت مارانغي إخفاء مشاعرها الحقيقية، على رغم أن الألم كان يعتصر قلبها: «نعلم جميعنا أن هذه تجربة، لكني لم أُهزم بعد».أرادت آمنز رؤية الصور بنفسها، فحددت موعداً لمارانغي على رغم كثرة أشغالها.تعاني مارانغي من سرطان بطيء النموّ، فهي لا تزال على قيد الحياة بعد 20 عاماً من تشخيص المرض. أخبرتها آمنز أن الأطباء في مركز مرسي محقّون. عاود هذا المرض الظهور، ولو ببقع صغيرة وقليلة على عمودها الفقري. تبيّن أيضاً أن ألم ظهرها له علاقة بالسرطان. أضعف هذا الداء عظامها وأدى إلى انكسار إحدى الفقرات.بدّلت آمنز دواء مارانغي وأخبرتها أنه لا بد من مراقبة حالتها عن كثب، وطمأنتها قائلة: «لا داعي للقلق». هدأت هذه الكلمات من روع مارانغي فشعرت بالفرح لأن الأسابيع التي أمضتها في التحسّر على نفسها انتهت على ما يبدو. سألت مارانغي آمنز: «أيجب أن أجد مسكناً جديداً لكلابي وأعرض منزلي للبيع؟». أجابتها الطبيبة: «سو، لن ترحلي عنا قريباً».