النحات عبد القادر مختار: زمن النحت في مصر انتهى!
عبد القادر مختار رائد فن النحت الملوّن على الأخشاب والأحجار في مصر، فقد أعاد هذا الفن المصري العريق إلى الوجود بعد اندثاره منذ حوالي 3700 عام بعد عهد توت عنخ آمون. عن مسيرته الحافلة بالإنجازات كان الحوار التالي.أخبرنا عن بداياتك في فن النحت.
استهواني الرسم منذ طفولتي، فكنت أمضي فترات طويلة في حجرتي أرسم حدائق وحيوانات وطيوراً، وكانت الرسومات تنال إعجاب كل من يراها، ما دفعني أثناء دراستي الثانوية إلى المشاركة في معرض التلامذة العام في عام 1940 الذي كانت تقيمه وزارة المعارف العمومية آنذاك. ولأهمية المعرض كان يفتتحه الملك فاروق الأول، وقد حصلت على الجائزة الأولى والميدالية الذهبية، وكان لفوزي صدى كبير، خصوصاً لأن الملك فاروق أُعجب بها. رسمت اللوحة بألوان الغواش وصوّرت فيها عودة أسرة ريفية من الحقل إلى القرية بعد الغروب، وسلمني الجائزة والميدالية محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوزراء آنذاك، كذلك أرسلت وزارة المعارف لوحتي لتمثيل مصر في المعرض الدولي لرسوم التلامذة في لندن ونشرت في مجلة «التربية الفنية» عام 1940.هل دفعك فوزك الى الالتحاق بكلية الفنون الجميلة؟طبعاً، كان فوزي أحد العوامل التي شجعتني للالتحاق بالمدرسة العليا للفنون الجميلة والمعروفة بكلية الفنون الجميلة راهناً. تقدمت لامتحان القبول وكان ترتيبي الأول على المتقدمين، وأشير إلى أن الفنان شفيق بك زاهر عميد هذه المدرسة شجعني كثيراً وكذلك زملائي مِمَنْ سبقوني في دراسة الفنون الجميلة، خصوصاً فؤاد كامل وإبراهيم حسان.طبعاً عيِّنت معيداً في الكلية فور تخرّجك؟للأسف، لم أجد في كلية الفنون الجميلة سوى النكران وتجاهل تفوّقي حتى بعد حصولي على أول دبلوم تخصص في النحت الصرحي (تماثيل الميادين، والنصب التذكارية) في عام 1948، وعلى بعثة داخلية في مرسم الفنون الجميلة بالأقصر لدراسة الفن والتخصص في النحت المصري القديم الفرعوني (1950). وفي عام 1951 تم اختياري في بعثة دراسية إلى أسبانيا حيث حصلت على درجة أستاذ في الفن من الكلية المركزية للفنون الجميلة سان فرناندو، وعلى شهادة الدكتوراه في الفنون البحتة (اختصاص نحت – 1954).كذلك حصلت على درجة الدكتوراه في التكنولوجيا الفنية وتاريخ الطرز الفنية من الكلية نفسها في عام 1956 (اختصاص فن النحت الملون في الأخشاب والأحجار). واستغرقت دراستي في أسبانيا سبعة أعوام صممت في نهايتها تمثالين من الخشب الملون على الطريقة الأسبانية الكلاسيكية.وحزت درجة خبير في الفنون الشعبية من وزارة السياحة والاستعلامات في أسبانيا في عام 1957، ثم منحتني الحكومة البرتغالية الدرجة نفسها، بالإضافة إلى دبلوم في فن العرائس من الحكومة الرومانية عام 1960.ماذا عن أبرز أعمالك الفنية خلال رحلة الدراسة في الخارج؟صممت في أسبانيا تمثالين من الخشب الملون للحصول على درجة الدكتوراه: الأول بعنوان «قبيل السهرة وذات الشال الأحمر» وهو تمثال نصفي، يشمل الرأس والأكتاف والذراعين والجذع بحجم الإنسان الطبيعي، من الخشب الملون بالذهب والتلوين، واعتمدت أسلوب «التمبرا»، مستعملاً صفار البيض والشمع الطبيعي وهي الطريقة الكلاسيكية الشهيرة في أسبانيا وتستخدم في الفن الديني خصوصاً.التمثال الثاني بعنوان «وردة من أسبانيا» وهو من الخشب الملون أيضاً مع التذهيب والتلوين والنقوش البارزة. وقد استغرق تصميم كل تمثال عامين، بالإضافة إلى تصميم لوحة فنية مهمة من الفخار الملون لجلسة سمر أندلسية، ودراسة مختلف الأعياد الشعبية والقومية في أسبانيا والبرتغال ورومانيا والحرف الشعبية والتقليدية ومختلف أنواع الفنون وتسجيلها بالشرائح الملونة التي وصلت إلى حوالي خمسة آلاف شريحة تعد من القطع الفنية الرائعة.هل تغيّر موقف كلية الفنون الجميلة منك بعد عودتك إلى مصر؟عدت إلى مصر بعد دراستي آملاً بأن أحقق لبلادي والعالم العربي المجد الذي يربط الحاضر بالماضي، لكن للأسف وجدت أبواباً مغلقة وعقولاً متحجرة تقف أمام كل ما هو جديد ومبتكر ومبدع، إذ لم يهتم أحد من أساتذتي والمسؤولين في وزارة التربية والتعليم بأن أعمل في كلية الفنون الجميلة طبقاً لقانون البعثات، خصوصاً الفنان عوض كامل عميد الفنون الجميلة آنذاك قائلاً: «الكلية ليست في حاجة إلى تخصص في نحت التماثيل من الحجر أو الخشب وتلوينها وبالنسبة إلى العمل كأستاذ في قسم النحت فعدد أساتذته يفوق عدد الطلبة»، وطلب مني أن أعرض خدماتي على كلية الفنون التطبيقية فاعتذر عميدها الفنان سعيد الصدر موضحاً أن الكلية ليست في حاجة إلى هذا التخصص وأن كلية الفنون الجميلة أولى باختصاصي. والأصعب أن كلية الفنون الجميلة ألغت درجتي الوظيفية التذكارية التي ينص عليها قانون البعثات ونقلتني من دون علمي إلى تفتيش الرسم والأشغال في وزارة التربية والتعليم! هل قمت بمحاولات لاستعادة حقوقك الأدبية والوظيفية في كلية الفنون الجميلة؟لم أقدم على أي محاولة للعمل في كليتي الفنون الجميلة والفنون التطبيقية، خصوصاً أمام إصرار القيّمين عليها حينها على تجاهل إنجازاتي العلمية والفنية. وعلى رغم ذلك لم أقف مكتوف اليدين عندما علمت أن نهاية مطافي في إدارة الرسم والأشغال بوزارة التربية والتعليم، وسعيت إلى نقلي من تلك الوزارة إلى وزارة الثقافة وعيِّنت كمدير لإدارة الفنون الشعبية، ثم مديراً للتخطيط والمتابعة في الإدارة العامة للفنون الجميلة، ثم مديراً لمسرح القاهرة للعرائس ومشرفاً على إنشائه وإنتاج أوبريت «الليلة الكبيرة»، وبعدها رئيساً لـ»المركز القومي للفنون الشعبية» وبعدها مديراً عاماً ورئيساً لقطاعي الفنون الجميلة والمتاحف القومية والفنية ووكيلاً للوزارة. وقد حققت الكثير من الإنجاز الفني حيث زرت أهم المعالم الأثرية والتاريخية في مختلف بلدان العالم وسجلت فنونها الشعبية ومعالمها في مجموعة كبيرة من الشرائح الملونة بلغت حوالي 20 ألف شريحة لها قيمتها الفنية والتاريخية التي لا تقدر بثمن.ما حقيقة الأزمة الدائرة منذ سنوات بينك وبين وزارة الثقافة؟أقمت دعوى قضائية ما زالت متداولة في المحاكم منذ ستة أعوام ضد وزير الثقافة فاروق حسني و»الهيئة العامة المصرية للكتاب» بسبب إهمال تنفيذ مشروع «متحف الطفولة» الذي أشرف على تأسيسه منذ عام 1982، لكنه لم يُفتتح رسمياً إلى الآن.تعود تفاصيل الأزمة إلى عام 1980 حينما أرادت سيدة مبروك التبرع بمنزلها الكائن في منطقة العجوزة ومساحته 840 متراً مربعاً لتحويله إلى متحف للطفولة ومكتبة ثقافية عامة، وطلبت مني البحث عن جهة تقدّم التمويل المادي للمشروع. وبعد بحث طويل تم التعاقد مع «الهيئة العامة للكتاب» برئاسة عز الدين إسماعيل عام 1982، واشترطت صاحبة المنزل في العقد أن يسمى المتحف بـ»متحف سيدة مبروك للتعليم من الطفولة للجامعة» وأن أتولى أنا مهمة الإشراف والتأسيس وعمل الديكورات اللازمة. وفي حالة الإخلال بشروط العقد أو عدم تنفيذ المتحف والمكتبة، يعتبر العقد لاغياً من تلقاء نفسه. كذلك اشترطت عدم نقل المتحف ومحتوياته والمكتبة من الفيلا إلى أي مكان آخر لأي سبب كان، وعلى رغم ذلك لم تقدم «الهيئة العامة للكتاب» أي اعتماد مادي لتنفيذ المشروع، ولم تنشىء سوى المكتبة.ماذا عن المتحف؟المتحف مشروع قومي لذلك حينما أهملته الوزارة نفذته بنفسي وتحملت الأعباء المادية والعملية لتحقيق حلم صاحبة المكان، فقسّمت الفيلا إلى قاعات وصممت لكل واحدة لوحة جدارية ضخمة، الأولى منها موسوعة علمية وفنية عن عالم الطيور في مختلف قارات العالم، بالإضافة إلى نماذج من النباتات والزهور والمناظر الطبيعية، والثانية بعنوان «جنة الطيور» وتمثل مجموعة لأجمل طيور العالم بالحجم الطبيعي تقريباً على مساحة (244 × 244 سنتم)، ناهيك عن لوحات تصوّر عالم الحيوان وعالم البحار والديناصورات. وخصصت جناحاً للتعريف بصاحبة الفيلا وعرض مقتنياتها الشخصية القليلة.كم استغرق تنفيذ اللوحات؟أكثر من 20 عاماً، إذ حرصت على معرفة كل شيء عن الكائنات التي اخترت رسمها من خلال مراجع علمية متخصصة.هل تجاهل وزارة الثقافة تنفيذ المتحف سبب إقامتك الدعوى القضائية ضد فاروق حسني؟تعاقدت الوزارة و»الهيئة العامة للكتاب» على تمويل المتحف وتنفيذه، لكنهما تقاعستا في مهمتهما وتنفيذ بنود العقد المبرم مع صاحبة الفيلا، وتجاهلتا مضمون العقد. وليس هذا السبب الرئيس للدعوى القضائية، فبعد أكثر من 20 عاماً فوجئت عام 2001 ببعض موظفي الهيئة يقتحم المتحف بعد تحطيم الأقفال والأبواب ونقل محتوياته بزعم القيام بترميمات للفيلا من دون استئذاني أو إخباري كي أشرف على نقل المحتويات ضماناً لسلامتها، علماً أن المتحف ليس في حاجة إلى ترميم لأنني أتفقده دائماً، وأؤكد أنها محاولة للاستيلاء على الفيلا من خلال إبعادي عن المشروع الذي كلفني جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً، لذلك لجأت إلى القضاء للدفاع عن حقوقي الأدبية وأعمالي الفنية والمطالبة بتنفيذ المتحف وافتتاحه رسمياً تنفيذاً للعقد المبرم مع صاحبة الفيلا سيدة مبروك، وإعادة لوحاتي أو تعويضي عنها مادياً بمبلغ 10 ملايين جنيه.كيف ترى فن النحت في مصر اليوم؟قُضي عليه وانتهى من الوجود بعد رحيل محمود مختار، فلا تشجيع ولا سوق أو مساندة في إنتاج الأعمال النحتية على رغم أن الفرنسيين يطلقون على النحت الفرعوني مسمى «الفن المعجزة» لأنه خالد منذ الحضارة الفرعونية.