غربة أخرى لمحمد النبهان... انهيار الأوهام وانسجام مع القدر الوطنيّ
في أول ديوان للشاعر محمد النبهان بعنوان «غربة أخرى» نصوص تمنح القارئ حرية كاملة، طالما أنه لا يُسْقطُ معنىً صلداً عليها، وفسحة واسعة من التفرّد الشعري تشير إلى مدى متنوّع من الاستجابات.
يعتمد المحتوى الوجداني لدى النبهان على عفوية الذهن والحدس، الذي يكشف قدرة الشاعر التخيّلية وأبعاد محتويات اللاوعي المتوهجة في الشعر. فحدس الشاعر يكمن في انهيار الأوهام العظيمة، في الانسجام مع القدر الوطني، في التطلّع والمجازفة، في إيجاد أمل، أمل من لا شيء حيث الثلوج والعتمة والعزلة. يقول في قصيدة «أربع بطاقات في مطلع السنة الجديدة»:وطني..هل وطن يُسقط اسم حبيب فيه؟يشمّع بالأحمر كل سجلات مدائنهأو يشطب بالأحمر أسماء الناسأجوع إليك يا وطنا غرّبنيكي أشحذ أرضاًإسماًوجهاً لا يشبه ملح تكوننا ص 13لكنه سرعان ما يكتشف الوهم ذاته، ويعود خالي الوفاض من تجربته الجديدة في ديار الغربة، مدركاً أنه كان يطارد ضرباً من الوهم، وأن الوطن الحقيقي يكمن في النفس لا في جغرافيا المكان:وحيداً وحيداًترتب أشلاءك الآنكي تعود غريباً لأرض نستككأن السنين المضت في المنافيرحيل بلا فائدةأبعاد الحلملا يعتمد النبهان الالتواء أو التورية، بل ينساب في أبعاد الحلم والاستعارة، وبتكرار العبارات يمنح قصائده ارتباطاً قوياً بالعناصر الأربعة: الريح والشمس والتراب والماء. كذلك تزخر قصائده بإصرار راسخ لحرف التشبيه كأني: كأن البلاد البعيدة، كأني.. كأن المدى واحد، كأني أعود (صفحة 55)... كأن السنين المضت في المنافي (ص49). وربما يؤخذ على كتابة النبهان الشعرية افتقارها الى التدفق العاطفي الذي يطيح بالتوازن مترعرعاً في قوة الفنتازيا الخصبة.تتحرّك في قصائد النبهان أفكار عدّة، من بينها:• الغربة: تهيمن على معظم أجواء القصائد، وهي لا تتعلق بالابتعاد عن الوطن فحسب حيث الذكريات وأمكنة الطفولة الحميمة، بل تأخذنا إلى الداخل حيث الأحلام... أشعر بأن الغربة تخنقني، يا صاحب، في بلد ليس يتابع، إلا الأرصاد الجوية... • الصداقة: تتردد أجواء الصداقة كثيراً في الكتاب، ربما كتعويض عن أجواء الحزن والانتظار، أو ربما هي مجرد بهجة ثانية يحاول الشاعر إيجادها في وجوه الأصدقاء كي لا تغدو الحياة آسنة بل توقاً الى الخلاص والسعادة. في قصيدة {أربع بطاقات في مطلع السنة الجديدة» وفي «غربة أخرى» يتوحد الشاعر مع صديق... «لنا غربة واحدة ورصيف يتيم». • الوحدة: فكرة أخرى في نسيج قصائد النبهان، إذ يقول في «الريح وخوف الهارب في الليل»: «هل تبدأ خطوتك الآن وحيداً»، وهي ليست خطوة قصيرة، بل هائلة تتجاوز البحار والصحاري، تبدأ مع الشمس التي تنشر شعاعها على سطح أرض الكويت على مدار فصول السنة، تصل إلى الثلج والعتمة الكندية. على الرغم من وجود الأصدقاء، ذكوراً وإناثاً، في الوطن أم في المنفى، تهيمن الوحدة على أفلاك روح الشاعر، إنها اختيار شخصي، بعدٌ لا يمكن الشفاء منه. • الشخصيات: شخصيات النبهان بلا ملامح واضحة كما لو أنها تاتي من الأحلام: سائح سابح في الديون/ مريم/ الأخوة/ سلمى/ حارس أبكم في الحدود/ شاعر خائن/ أناس عرايا... يفضح عنوان الديوان «غربة أخرى» مضمون القصائد، لذلك كان من الأفضل أن يعتمد النبهان «الريح وخوف الهارب في الليل» كعنوان لديوانه لأنه يشير إلى أجواء القصائد وليس إلى تيماتها.ويبدو أن تجاهل قصائد النبهان في الكتاب الذي أعده الكاتب الكويتي سعد الجوير يُعزى إلى موقف «النسيان» تجاه الشعراء الذين لا يحملون شهادات ميلاد كويتية، أو بسبب سفر الشاعر وانقطاعه عن النشر سنوات عدة. من الصعب أن نعرف ماذا يعني النبهان تحديداً بـ... الريح تدك الروح/ وطن يتعثر في خارطة الدم/ شتاء سابع... ما لم يعش في كندا، تلك البلاد البعيدة، ويختبر الهروب بجواز سفر مزوّر... «غربة أخرى» لمحمد النبهان تجربة رجل هجر الوطن ليجد وطناً أخر في الكلمات.