القديس أبو تريكة يفتح قلبه لـ الجريدة ويروي مذكراته للمرة الأولى(4 – 6) أهالي قريتي احتفلوا بالطبلة والمزمار فرحاً بانضمامي إلى القلعة الحمراء
المبدع... زيدان العرب... خليفة الخطيب... تاجر السعادة... القاتل المبتسم... أمير الدهاء... معشوق الجماهير... الفنان... القديس... ألقاب كثيرة لا حصر لها أُطلقت على محمد أبوتريكة نجم النادي الأهلي والمنتخب المصري، الذي منذ انضمامه إلى القلعة الحمراء فتحت له الشهرة أبوابها بفضل مهاراته الفائقة ودماثة خلقه وحبه الشديد لكرة القدم، فانطلق بعدها بسرعة الصاروخ نحو عالم النجومية، محطماً العديد من الأرقام القياسية ومحققاً كل الطموحات والأحلام الكروية التي كانت تراوده، ليصبح نجماً لامعاً في سماء كرة القدم المصرية والعربية والإفريقية.تشعر وهو يحكي معك وكأنه طفل صغير... خجول... لسانه لا يلفظ إلا طيباً... وقلبه العامر بالتقوى يجعلك تحبه من الوهلة الأولى، ولا تستطيع أن تكرهه مهما حاولت أن تسعى إلى ذلك بحكم التعصب الجماهيري.
يتواصل حديث ابوتريكة فيحكي قصة انضمامه إلى القلعة الحمراء، التي يعتبرها الخطوة الأهم في تاريخه مع كرة القدم، لاسيما أنها اعطته كل شيء... الشهرة والنجومية... اثبات الذات... الانضمام إلى المنتخب المصري الوطني... مع تأمين مستقبله المادي، بالإضافة إلى أنه سيحكي عن حكايته مع الزمالك الذي كان قاب قوسين أو أدني من الانضمام إليه.الوفاء والتمسك بالمبادئ«سيظل اسم النادي الأهلي الكبير محفورا في ذاكرتي وحياتي حتى الممات، فقد عشقت النادي الأهلي منذ نعومة أظفاري وتمنيت أن أرتدي في يوم من الأيام الفانلة الحمراء، بصرف النظر عن أي ناد آخر في مصر»... هكذا بدأ أبوتريكة الحديث في هذه الحلقة، ويكمل قائلاً: عندما ذاع صيتي أثناء فترة مشاركتي مع الترسانة في دوري الأضواء والشهرة، وحصلت على لقب هداف الفريق سواء في دوري المظاليم أو في الدوري الممتاز، بدأت العروض تنهال على مجلس إدارة نادي الترسانة للتعاقد معي، ووجدت المهندس حسن فريد رئيس النادي يرفض مبدأ التفريط في نجمه ونجم الفريق، إذ أصدر قرارا بضرورة الحفاظ على النجوم من أبناء النادي لضمان الاستمرار في الدوري الممتاز بصفتهم الأقدر على الوقوف إلى جوار الترسانة والحفاظ على اسم النادي الكبير في عالم كرة القدم المصرية.بداية طريق الشهرة وأبرز العروض التي تلقيتها آنذاك كانت من النادي الإسماعيلي، إذ أتذكر حتى يومنا هذا المقابلة التي جمعتني بالكابتن صبري المنياوي مدير الكرة في النادي الإسماعيلي منذ عدة مواسم، وطلب مني ضرورة إثبات حُسن النية والتوقيع على عقود رسمية تفيد موافقتي على اللعب ضمن صفوف «الدروايش» الذين كانوا ينافسون للحصول على لقب بطولة الدوري العام في نفس الموسم، ولكني رفضت بشدة رغم الكم الهائل من الإغراءات المالية التي وجدتها من الكابتن صبري المنياوي، والتي يسيل لها لعاب أي لاعب من أصحاب النفوس الضعيفة، إلا أنني فضلت الصبر حتى يتحقق حلم حياتي الكبير بأن أكون لاعباً أرتدي فانلة النادي الأهلي الحمراء، وقررت من تلقاء نفسي الاجتهاد في التدريبات، والتركيز في المباريات مع نادي الترسانة حتى أستطيع المحافظة على المكانة التي وصلت إليها كأحد اللاعبين المتميزين في بطولة الدوري العام، وحتى أنضم إلى صفوف منتخب مصر الوطني.وكنت أتلقى العديد من المكالمات الهاتفية من السماسرة ووكلاء اللاعبين الذين كانوا يأتون إلى مقر الترسانة في حي ميت عقبة، ويعرضون عليّ مسألة الانضمام إلى أندية الدوري الممتاز المختلفة، أو حتى خوض تجربة الاحتراف في خارج حدود بطولة الدوري المصري... وكان المهندس حسن فريد يرفض هذه العروض تماماً، وبدون حتى أن تناقش في اجتماع مجلس الإدارة لحرصه الكامل على بقائي داخل قلعة «الشواكيش». حاجز نفسي وتدابير القدرمنذ صغري، وأنا لدي شعور كبير بأن هناك حاجزا نفسيا بين وبين المنافس التقليدي للنادي الأهلي –نادي الزمالك– ولم يكن يخطر في بالي في يوم من الأيام أن أكون لاعبا بين صفوفه رغم الاحترام والتقدير الذي اشعر به تجاه نادي الزمالك بصفته واحداً من أكبر الأندية في مصر، وعلى مستوى الشرق الأوسط وقارة إفريقيا... وهو الشيء الذي استغرب له وأندهش منه، والذي يتمثل في عدم نجاحي في هز شباك نادي الزمالك طول فترة ارتدائي فانلة نادي الترسانة الزرقاء... ولم أحرز أي هدف في نادي الزمالك حتى عندما كنت لاعباً داخل قطاع الناشئين بالترسانة.. وهو الشيء الذي اختلف تماماً بعد انضمامي إلى صفوف النادي الأهلي. وأتذكر المشاعر الخاصة التي تباينت عندما دارت المفاوضات ما بين مسؤولي نادي الزمالك وإدارة نادي الترسانة على أمل الحصول على الاستغناء الخاص بي، فالنادي الأهلي كانت لديه الرغبة في التعاقد معي، ولكن مسؤولي الزمالك كانوا الأكثر جدية في التفاوض بشكل مباشر، وأتذكر أنه في نفس الموسم الذي رحلت فيه إلى الأهلي كنت قاب قوسين أو أدنى من اللعب لنادي الزمالك، عن طريق المندوه الحسيني أمين الصندوق، وفجأة ومن دون مقدمات توقفت المفاوضات الجارية بين الزمالك والترسانة لمجرد الخلاف على مبلغ 50 ألف جنيه فقط رفض أن يسددها مسؤولو نادي الزمالك لتتجمد المفاوضات بشكل مؤقت، وتضيع مني فرصة الشهرة والنجومية في القلعة البيضاء، ولا أستطيع أن أخفي مقدار حزني الشديد على ضياع تلك الفرصة من بين يدي، لأن كرة القدم في مصر عبارة عن أهلي وزمالك فقط، ومع احترامي الشديد لكل أندية الدوري الممتاز فالباقي «كومبارس» لتكملة المسابقة بالشكل المرسوم به من جانب اتحاد الكرة، ولكن سرعان ما تحقق حلم حياتي بأن ألعب للنادي الأهلي، بعد أن تدخل الكابتن طاهر أبو زيد والذي كان وقتها يشغل منصب عضو مجلس إدارة النادي الأهلي، ومعه الحاج محمد عبد الوهاب ومهندس الصفقات عدلي القيعي مدير إدارة التسويق والاستثمار في النادي الأهلي إلى جانب الكابتن محمود الخطيب «بيبو» الذي كان أحد المتحمسين لاتمام تلك الصفقة، وبالفعل رحلت من قلعة «الشواكيش» في هدوء شديد ومن دون أي ضجيج حول الصفقة إلى النادي الأهلي، مقابل مبلغ صغير للغاية مقارنة بالأرقام الفلكية التي نسمع عنها في مثل هذه الأيام يبلغ 450 ألف جنيه، وحصل المهندس عدلي القيعي على الاستغناء الخاص بي خلال فترة الانتقالات الشتوية في شهر يناير من موسم 2002/2003 وعمت الفرحة أفراد أسرتي وأهلي قرية ناهيا العاشقين للنادي الأهلي، والذين قاموا بعمل زفة بلدي بالطبل والمزمار من أمام منزلنا، وظلوا يهتفون لي ثم بدأت رحلتي مع القلعة الحمراء، والتي مازالت مستمرة حتى الآن. سعادة لا توصفاليوم الذي دخلت فيه إلى جدران النادي الأهلي لأول مرة في حياتي كان يوم أربعاء، وبالتأكيد هذا اليوم لن استطيع أن أنساه تماماً أو أمحوه من حياتي... وقد بدأت القصة عندما كنت في منزلي مع زوجتي، وجاء وقت صلاة الظهر، ووقتها كنت حريصاً على أن أصلي جميع الفروض الخمسة في المسجد في صلاة الجماعة للحصول على أكبر قدر من الثواب والحسنات عند الله سبحانه وتعالى... وأثناء صلاة الظهر لم أكن أفكر في أي شيء إلا أن أحمد الله على النعمة التي حباني بها كلاعب كرة قدم... أكل عيشه ومستقبله ومستقبل أولاده وزوجته من كرة القدم، وعندما صعدت إلى شقتي فوجئت بأن زوجتي تقول لي إن المهندس عدلي القيعي مدير إدارة التسويق والاستثمار في النادي الأهلي اتصل بك ويرغب في مكالمتك على وجه السرعة، وعلى الفور لم أكذب خبراً وقمت بالاتصال به، وبعد أن سأل على صحة الوالد والست الوالدة وأفراد أسرتي جميعاً بكل ود وحنان... فوجئت به يطلب مني ضرورة الحضور بأقصى سرعة إلى مقر النادي الأهلي في فرع الجزيرة... وعندما وصلت إلى النادي الأهلي تركت سيارتي على الباب في هدوء شديد ثم دخلت لكي أبحث عن المكان الموجود فيه المهندس عدلي القيعي، وجدت عنده في مكتبه المدير الإداري لنادي الترسانة ليصبح موضوع انضمامي إلى صفوف القلعة الحمراء بشكل رسمي أمرا نهائيا خلال دقائق معدودة... وبالفعل أنهيت إجراءات اللعب للأهلي، والتي لم تستمر أكثر من ساعة تقريباً داخل النادي الأهلي في هذا اليوم، وكان هذا اليوم الذي دخلت فيه إلى الأهلي يوم أربعاء.. أما نادي الترسانة فقد دخلت فيه يوم سبت، وكان عمري وقتها 13 عاماً.الصبر أتى بثمارهلن أنسى الدور الذي لعبه والدي الحاج محمد محمد أبو تريكة، حتى أستطيع اللعب للنادي الأهلي، فهو شخص يتسم بالطيبة الشديدة -مصري أصيل- يحرص على تربية أبنائه من عرق جبينه وجهده، حيث يعمل «جنايني» كما اشرت في وقت سابق، وحرص على تعليم أولاده جميعاً وواصل معهم رحلة الكفاح والصبر حتى كبروا وأصبحوا رجالاً ليحقق أحلامه فيهم... ورغم أنني أصبحت شخصاً معروفاً فإنه مازال يواصل رحلة كفاحه وعمله حتى مع وصوله إلى سن السبعين من عمره، لأنه لديه إيمانا كاملا بقيمة العمل. والدي -متعه الله بالعافية- يعشق الأهلي هو الآخر منذ كان صغيراً، وكان حريصاً للغاية على حضور جميع مباريات النادي الأهلي للاستمتاع بأداء المايسترو الراحل صالح سليم -رحمه الله- والذي كان يراه حسب وجهة نظرة الشخصية أسطورة كروية كبيرة من الصعب أن تتكرر، والدي وقف إلى جواري كثيراً وشجعني على ممارسة لعبة كرة القدم، وعندما نجحت في الانضمام صغيراً إلى صفوف نادي الترسانة وجدته حريصاً على الحضور إلى مقر النادي في حي ميت عقبة لمشاهدة المباريات التي أشارك فيها، منذ تم تصعيدي إلى صفوف الفريق الأول بالترسانة وكان عمري وقتها 17 عاماً... وعندما ذاع صيتي كأبوتريكة. ودارت مفاوضات من جانب مسؤولي نادي الزمالك للتعاقد معي.. أبلغته بتلك المفاوضات، وأنني أشعر بأني اقترب بشدة من الانضمام إلى صفوف القلعة البيضاء، فوجدت والدي يقول لي بعض الكلمات مازالت ترن في أذني حتى الآن... «يا محمد... يا ابني... احنا عائلة أهلاوية، وبلاش الزمالك»، فقررت على الفور أن أرفض العرض الأبيض، حتى أن المفاوضات الزملكاوية انتهت من تلقاء نفسها، إلى أن تحقق أملي، وحلم عائلتي وأفراد أسرتي البسطاء بالانضمام إلى صفوف النادي الأهلي، وكان هذا اليوم بمنزلة عيد لأسرتي. برواز● انضم الى الأهلي في موسم 2003 من نادي الترسانة، يرتدي الرقم 22، وجعل منه رقما محبوبا لجميع عشاق الكرة باختلاف انتماءاتهم، وهو النجم الأشهر والأكثر شعبية حاليا في مصر.● وعن سبب اختيار الرقم الذي يلعب به ألا وهو 22، قال أبوتريكة: «لما انضممت إلى صفوف النادي كان هناك رقمان هما 21 و22. وقبل أن أقرر أي رقم اختاره، كنت قد قمت بعمرة، وفي أثناء الطواف بين الصفا والمروة رأيت رقم البوابة التي كان يمر منها رسول الله، ورقمها 22، لذا قررت أن أختار هذا الرقم حتى يكون فألا طيبا في حياتي».● أصدقائي يؤكدون لي أن صوتي حلو في قراءة القرآن، وأقبل القيام بالإمامة بالتناوب مع بعض زملائي مثل أسامة حسني.● وعن قدوته في الحياة، يقول أبوتريكة انه يقتدي بالرسول محمد في حياته كمثله الأعلى في الحياة، ثم والده الذي تعب في تعليمه وتربيته ليصبح بهذه المكانة، وعلى مستوي الرياضة المحلية، فهو يحذو حذو نجم الكرة المصرية السابق محمود الخطيب، ونجم الكرة الفرنسية زين الدين زيدان.● قال أبوتريكة إن المدير الفني البرتغالي مانويل جوزيه له أكبر الأثر في تألقه ونجوميته، معترفاً بأن النصائح التي كانت تلقى عليه من جوزيه قبل تنفيذه للضربات الحرة أو ضربات الجزاء كانت تنم عن إنسان يحمل فكراً تدريبياً احترافياً عالياً وخبرة لا تأتي إلا مع السنين الطويلة في ملاعب كرة القدم. وأشار أبوتريكة إلى أنه يستعين بنصائح مديره الفني حتى في حياته الأسرية الخاصة نظراً لإيمانه العميق بحكمة ووعي هذا الإنسان، الذي حقق مع الأهلي أروع إنجاز ممكن لمدرب أن يحققه مع فريق كرة قدم في العالم.