المخرج محمد كمال القليوبي: الإحتكار حاصر جيلي ودمّر الإبداع والسينما
ينتمي المخرج السينمائي د.محمد كامل القليوبي الى جيل انحاز عبر إبداعاته الى هموم أولئك الذين أجبرتهم الحياة على العيش على هامشها، وعلى الرغم من قلة أفلامه إلا أنه نجح عبرها في إثارة قضايا شائكة وتناولها بجرأة وحساسية.
عن أفلامه وأسباب ابتعاده عن الساحة ورؤيته لواقع السينما المصرية وخوضه تجربة الإنتاج للمرة الأولى في فيلم عن المبدع الراحل نجيب الريحاني، كان هذا اللقاء معه.أين أنت منذ آخر أفلامك «خريف آدم» الذي عرض قبل ستة أعوام؟لم أبتعد، بل أُبعدت على غرار أبناء جيلي خيري بشارة وداود عبد السيد وعلي بدرخان وغيرنا، أجهل الأسباب التي تدفع منتجي السينما وأصحاب القرار فيها الى تجاهل هذا الجيل الذي شكل وجدان الجماهير على مدى أعوام. هنا أتساءل: ألا يعدُّ هذا استنزافاً لعقول مبدعي مصر؟ لكن المخرج محمد خان نجح في الإفلات من هذا الحصار؟إنه استثناء، مع ذلك عانى كثيراً قبل أن ينجح في كسر قوانين السوق وما زال يعاني مع كل تجربة. أسأل مرة جديدة بدوري: أين هذا الجيل الذي كانت له بصمته وقدم أعمالاً ما زالت تعيش في وجدان الجماهير وفي ذاكرة السينما؟ماذا عنك، هل استسلمت؟إطلاقاً، ما زلت أحاول بعدما أجهض الكثير من مشاريعي وأحلامي السينمائية منها فيلم «الهتيف» الذي منعه ممدوح الليثي نقيب السينمائيين وأجهل السبب، كذلك فيلم «ليلة في 68» الذي أوقف من قبل جهاز الإنتاج في التلفزيون المصري الذي لا أعرف كيف تدار فيه الأمور، ولماذا يرانا أعضاؤه خارج الخريطة ولا يهتمون سوى بأفلام الـ{أكشن» التافهة والأفلام الـ{متأمركة»، الأمر الذي جعل السينما المصرية تخرج من المشهد السينمائي ولا ترقى الى مستوى المهرجانات العالمية.هل تلك الأسباب هي المسؤولة عن انتاجك القليل؟هي وغيرها من المعوقات التي ما زالت تعترضني. على الرغم من ذلك أعمل بصمت وأحضر راهناً لفيلم عن الفنان الكبير نجيب الريحاني، أخوض من خلاله تجربتي الأولى مع الإنتاج، لكني لا أريد التحدث عن تفاصيله الى أن أنتهي منه. لا أرى إنتاجي قليلاً، لأنني أخرجت مجموعة من الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة بالإضافة الى مسلسلين، وأتصور أنه معدل معقول إلى حد كبير وسط هذا المناخ القاتل. أحاول من خلال أعمالي تقديم رؤيتي الخاصة، ناهيك عن أن كل عمل يحمل تجربة جديدة في بناء الفيلم ولغتة، فالسينما في نظري لغة وأداة لفهم العالم. بوصفك مشاركاً في صناعة السينما سواء كمبدع أو من خلال عملك كأستاذ في المعهد العالي للسينما، ما هي الأسباب التي ساهمت في تفاقم أزمتها ؟ما يحدث في السينما هو انعكاس لما يحدث خارجها، فهي ليست جزيرة منعزلة، تتأثر كصناعة أو كوسيط ثقافي بما يدور حولها من انهيارات وفساد، يضاف الى ذلك الاحتكار الذي دمرها وظهور ما يسمى بسينما الـ{مولات» بتذاكر أسعارها مرتفعة الثمن وجمهور لا يرغب سوى في مشاهدة أفلام ساذجة خفيفة، ما يمنع بالتالي، قهرا، محدودي الدخل وعشاق الفن الجاد من ارتيادها. أعتقد أن الأمر سيزداد سوءاً، خصوصا بعد موجة الغلاء الأخيرة علماً بأن جمهور الطبقة الوسطى هو جمهور السينما الرئيس. احتكار السينما مثله مثل احتكار الحديد والإسمنت، يجب أن تحسم الدولة أمرها في القضاء على تلك الظاهرة لحماية السينما ودعمها.ما سبل الخلاص في نظرك؟أولاً، لا بد من فصل الإنتاج عن التوزيع والتحكم بدور العرض وسن قوانين ضد الاحتكار والحد من السيطرة على الإنتاج والتوزيع أو دور العرض. هذا في تصوري السبيل الوحيد لإعادة هيكلة السينما وإنقاذها ولفتح السوق أمام مجمل الإبداعات، ما ينعكس إيجاباً على مستوى السينما المصرية.اختلف المؤرخون والنقاد حول التأريخ الحقيقي لمئوية السينما، ماذا عنك؟سأظل أؤمن بأن تأريخ السينما المصرية يجب أن يكون مع أول تصوير مصري عام 1923، حين وقف أمام الكاميرا الرائد محمد بيومي وصوّر عودة الزعيم سعد زغلول. أما عام 1907 فكان أول تصوير على يد الأجانب، عندما صور الإيطالي ألبرتو والتركي عزيز زيارة الخديو لمسجد المرسي أبو العباس.هل أحدث لك تدريس السيناريو في المعهد العالي حالة من التوازن؟التدريس مهنة مقدسة في نظري، وهي عزائي الوحيد لأنني أرى يوميا أجيالاً مبشِّرة بمستقبل واعد، لديها القدرة على الخيال والإبداع. المعهد هو المكان الوحيد الذي يجعلني أشعر بالتفاؤل والأمل بالغد.يري البعض أن جزءاً من أزمة السينما يتعلق بغياب النصوص الجيدة، هل تتفق مع هذا الرأي؟كلا، لا نعاني من أزمة نصوص في السينما المصرية، كنت عضو لجنة تحكيم لجائزة «ساويرس»، وقرأت فيها أكثر من عشرين سيناريو على مستوى عال، الى درجة أننا قسمنا الجوائز كي نشجع الجميع أو على الأقل أكثرهم. عرض في الدورة الأخيرة من المهرجان القومي للسينما المصرية العشرات من الأعمال الجيدة الدالة على وجود مبدعين حقيقيين لديهم القدرة على ترجمة الواقع وقضاياه الحقيقية التي تشغلهم بعيداً عما سمي أخيراً بالسينما الشابة وما تقدم من أعمال تتشبه بالغرب من حيث الشكل وأماكن التصوير والمضمون.