وليد المسلّم: لستُ معنياً بتنظيرات النقّاد
يرى القاص وليد خالد المسلم أننا بالقراءة يمكن أن نصنع كل شيء، ويأسف لغياب القراء في الكويت، على الرغم من توافر الوقت والسيولة المادية. لا يؤمن بالتنظيرات النقدية، ويكتب حينما تفاجئه لحظة الكتابة. أصدر خمس مجموعات قصصية، وكان منسقاً لبرنامج “كيف نقرأ” في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. معه هذا الحوار.
تمحورت مجموعتك القصصية «سبع صور» في مجملها حول الغزو العراقي لدولة الكويت، حدِّثنا عن هذه التجربة؟تعكس «سبع صور» تجربة نقل الواقع إلى كتابة أدبية. ينقل بعض قصصها الواقع بشكل شبه حرفي، ويتحدث بعضها الآخر عن نقل أدبي له، وهي توثيقية إلى حدٍ كبير، عمدت من خلالها إلى كتابة سبع صور أدبية، توثق كل منها شهراً من أشهر الغزو العراقي السبعة وأعرض فيها أنواع المقاومة التي حدثت في الكويت أثناء الغزو العراقي. تحدثت عن صورة أم كويتية، ثم صورة أب يحث ابنه على الكفاح، ثم عن «استراحة محارب» وعن تجربة قاسية تعرض لها لأطفال الذين كانوا في دور الرعاية وذلك في قصة «أنا يتيم». أصنف هذا الكتاب ضمن «أدب المقاومة»، ففي رأيي ليست المقاومة في حمل السلاح فحسب، إنما ثمة أشكال أخرى، منها حثّ الناس على البقاء والصمود، وهي الاستراتيجية الرئيسة بالنسبة إلي؛ لذلك عندما سألني أفراد أسرتي بعد أيام قليلة من الغزو: هل نخرج أم نبقى في الكويت؟ كانت إجابتي جازمة وهي البقاء، لأن التجارب التي رأيناها من هجرة الشعوب بعد الاحتلال لا تبشر جميعها بالخير، ويمكن لنا أن نرى في فلسطين مثالاً حاضراً.ألا تعتقد أن تناول القضايا الوطنية في القصة القصيرة يفضي إلى الكتابة تحت تأثير الانفعال، وبالتالي الطرح المباشر؟تتعلق هذه المسألة بطريقة التفكير النقدي وعلاقته بالإبداع. أؤمن منذ زمن طويل أن المبدع ليست لديه «مسطرة» للقياس ومنهجية محددة للكتابة. معروف أن الإبداع يمثل نوعاً من الطرح غير المسبوق، ولا يقوم على مثال مسبق، أو منهجية مسبقة، وحتى في قصة «سبع صور» تجد الآراء حوله مختلفة، كذلك نظرة النقاد الذين يتحدثون عن معايير وأسس محددة لضبط الكتابة الإبداعية، المبدع أبعد ما يكون عن هذه الحسبة الرقمية، كان الشاعر الرائع عيد ويّخ يقول لي دائماً: «يا أبا خالد عليك أن تكتب، وما بقي من إسقاطات أو مضامين داخل النص، فيستخرجها النقد، وليس لك شأن بها». ولعل القراء يجهلون أن قصص الغزو كتبت ثلاثاً منها خلال فترة الغزو، وأما الأربعة الباقية فكتبتها بعد تحرير الكويت.تسلط قصة «أنا يتيم» في المجموعة السابقة الضوء على آلام الطفولة ومآسيها. كيف تجد الكتابة عن الطفل في الوطن العربي؟ما زال الطفل العربي يتيماً، وأقصد هنا اليتم الروحي والثقافي، يفتقد إلى كتابة تشبع رغباته وأهواءه، في المناسبة تجول في خاطري هذه الأيام بعض الرؤى والأفكار حول كتابة أدبية للطفل، وفي ذهني مشروع أسعى من خلاله إلى تقديم العلماء المسلمين إلى الأطفال في شكل نصوص أدبية وإبداعية محببة، ولا ننسَ أن شرارة حب القراءة لدى الإنسان تبدأ في سن الطفولة. ما زلت أذكر أن ميلي الأول للقراءة كان مع كتب «قصص الأنبياء» لمؤلفيه سيد قطب وجودة السحار، يضمّ كل كتاب ست عشرة قصة، تحوي الواحدة منها سطرين من الكتابة مرفقة بصورة. تأمّل كتب الأطفال المتوافرة في السوق اليوم، كلها عبارة عن سرد ممل، أو صياغة أدبية ركيكة، في المقابل عندما نبحث اليوم في المكتبات الأجنبية عن كتب لأطفالنا نجد أشكالاً وصنوفاً مختلفة ومنشورات كثيرة ملونة ومدعمة برسوم وأشكال تشد الطفل وتجعله يميل إلى تصفحها. السؤال المشروع هنا: ما هو سبب غياب مثل هذه الإصدارات عن مكتباتنا؟ الإجابة بسيطة وسهلة، تكمن في غياب قاعدة جماهيرية تشتري هذه الإصدارات، وبهذا نعود إلى الحلقة المفرغة ذاتها: غياب القراء، ومن ثم القاعدة الشرائية، وبالتالي الإحجام عن التأليف والطباعة، أرى أن هذا المثلث المؤسف، هو سبب غياب أدب الطفل. ماذا يشغلك عند كتابة القصة، القضية المطروحة أم رسم الشخصيات وملامحها؟أكتب القصة منذ منتصف الثمانينات، وكنت مولعاً بالقراءة منذ نعومة أظافري، كذلك كتبت مقالات صحفية، هذه الأخيرة هي سهلة إلى حدٍ كبير بسبب توافر عناصر محددة لدى الصحافي وأفكار تستوفيها حقها، بينما الكتابة القصصية صعبة للغاية. لا أسير في قصصي وفق منهجية محددة، ولكل قصة أسلوبها الخاص. يركز بعضها على وصف الشخصيات، ويولي البعض الآخر الحدث أو القضية المطروحة الأهمية الكبرى. بدأت أقرأ حديثاً كتب النقد والنظرية الأدبية، وفي الحقيقة أعادتني هذه القراءات إلى الوراء وجعلتني أخسر قلمي وأسلوبي في الكتابة الذي يعتمد على العفوية واللمحة القصصية البراقة. أطارد بريق الكتابة وتبدأ القصة معي بهاجس أشبه بالرنين حيث تلمع الفكرة في رأسي وتراودني الى أن أخرجها. لا يعنيني إن كانت تركز على الشخصيات أم على القضية المطروحة.ألاحظ في كثير من قصصك غياب الوصف المشهدي للمكان، ألا يحتل هذا الأخير حيزاً مهماً من الكتابة القصصية لديك؟يحتل المكان حيزاً بقدر حاجة القصة، أذكر مرة أنني كتبت قصة عن طبيبة أسنان، وصفت فيها أشياء كثيرة عن تفاصيل المكان. وربما يعود غياب الوصف المشهدي لتفاصيل المكان إلى ميلي إلى الإختصار، بعد مجموعتي القصصية الأولى، وحذف ما لا أراه مناسباً أو ضرورياً، والإستعاضة عن الإطالة والإسهاب بفكرة التكثيف والإيجازهل أنت معني بتنقيح قصصك بعد الكتابة أم تدفعها إلى المطبعة مباشرة؟تنقيح القصص أمر مهم للغاية. في بداياتي، عمدت إلى الإطالة لتوضيح القصة أو الفكرة المطروحة، في ما بعد، تركت هذه الطريقة لأن على الكاتب أن يكتب وعلى القارئ أن يخضع النص للتأويل، الأمر متروك لثقافة هذا الأخير واتساع مداركه.كنت منسقاً لبرنامج «كيف نقرأ»، حدثنا عن هذه التجربة وعن وضع القراءة في الكويت عموماً؟«كيف نقرأ» برنامج طموح شغل بالي طويلاً، وتعود انطلاقته إلى عام 1999 حين كان د. محمد غانم الرميحي يشغل منصب الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. طرحت عليه الفكرة، وكانت محاورها وبنودها وخطوات العمل فيها واضحة لدي وتركز في مجملها على النشء في الكويت. أشير إلى أنها ليست الأولى من نوعها، سبقتها أفكار أخرى كثيرة، مثل مشروع قراءة للجميع في جمهورية مصر العربية ومشاريع مشابهة في الولايات المتحدة الأميركية. تختلف الكويت عن هاتين الدولتين بعض الشيء، فهي تملك سيولة نقدية ووقتاً كافياً، لكن لا يوجد قراء، لذلك ركزت في مشروع «كيف نقرأ» على فكرة «صناعة» القراء وخلقهم من العدم وعلى الأطفال، وبحثنا عن منهجية محددة لإدخال حب القراءة إلى قلوبهم، فبدأنا بالمرحلة الابتدائية بتشجيع الطفل على القراءة عشر دقائق يومياً، ثم المرحلة المتوسطة ربع ساعة، وهكذا.