فرصة ذهبيّة للتقريب
نشأت المذاهب الإسلامية كمظهر من مظاهر الحياة الفكرية في الإسلام، وتحولت بعد ذلك إلى مدارس يدعم بعضها الخلاف الذي يؤدي إلى الانشقاق في وحدة الصف الإسلامي، ما حدا أعداء الأمة إلى استغلال التفرقة المذهبية لمحاربة الإسلام من داخله، فهل يمكن معالجة الأسباب التي دعت إلى التفرقة والتعصب بين السنة والشيعة، والخروج منها والعمل على إزالتها ليحدث التقارب ويتوحد الصف الإسلامي في مواجهة الأعداء، خصوصاً في شهر رمضان المبارك الذي جعله الله عز وجل وسيلة إلهية متجددة لتحقيق الوحدة بين أبناء الأمة؟يؤكد د. نصر فريد واصل (مفتي مصر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر) أن شهر رمضان المبارك يشكل فرصة ذهبية تتكرر مرة في العام ويطالب فيها الله عز وجل أمة الإسلام بضرورة بث روح الوحدة بين أبنائها لا سيما بين عنصريها الأساسيين السنة والشيعة، يقول: «يجب أن تتكثف جهود العلماء في الشهر المبارك للتقريب بين المذاهب الإسلامية والقضاء على الأمية الدينية التي أصابت للأسف الشديد بعض العلماء والفقهاء وفرّقت بين السنة والشيعة، لأنه ما من فرق بين سني وشيعي، فالمسلم من شهد أن لا إله إلا الله، وأقام أركان الإسلام وتوجّه في صلاته إلى القبلة. أما في ما يتعلق بالأمور السياسية ومجال المعاملات، فهناك بعض الخلافات، وهو أمر طبيعي، إذ نجد في المذهب الواحد سبعة أقوال للمسألة الواحدة، إذاً الشيعي مثل السني وجميعهم مسلمون يؤازر بعضهم بعضا أمة واحدة «المؤمنون أمة واحدة»، خصوصاً خلال الشهر المبارك، ومن خرج عن هذا الأمر، فهو ليس مسلماً وخروجه هذا ليس له علاقة بالشيعة ولا بالحنفية ولا الزيدية ولا غيرها من المذاهب».
يضيف د. واصل: «الذي يؤمن بأصول الإسلام هو مسلم، أما الخلاف في الفروع فيخضع للاجتهاد، ولا يجوز للمجتهد أن ينتقد حكم مجتهد آخر، فكل واحد على اجتهاده. يخدم المتعصبون من السنة والشيعة العدوّ، بل يقتلون أنفسهم بأنفسهم، لأن خلافهم هو سلاح للعدو ضدهم. لا بد من أن يؤدي التقريب بين الأمة العربية والإسلامية بجميع مذاهبها إلى العمل تحت راية الشرع التي تحمي الحاكم والمحكوم وتحقق الاستقرار والأمان. من يذيع أن عدم التقريب هو في صالح الحكام هو على باطل، وليكن شعار علماء السنة والشيعة هو اتخاذ شهر رمضان المبارك قاعدة انطلاق رئيسة لتوحيد صفوف المسلمين والتقريب بين المذاهب الإسلامية».الذريعةمن ناحيته، يؤكد د. محمد الدسوقي (أستاذ الدراسات العليا في كلية دار العلوم في جامعة القاهرة وعضو المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب في طهران) أن الضعف والفرقة اللذين يعاني منهما العالم الإسلامي راهناً، سببهما الرئيس الخلاف المذهبي بين المسلمين والدور الذي أداه أعداء الإسلام في اتخاذ هذا الخلاف ذريعة لبث الفرقة ومنع قيام الوحدة الإسلامية، يقول: «يفرض المأزق الراهن الذي يعيشه العالم الإسلامي أن يبحث ولاة الأمور والعلماء والمفكرون في هذه الأمة عن مخرج من هذا المأزق الذي يهدد بمزيد من تدهور الأحوال من سيئ إلى أسوأ، ويجب أن تحتلّ الدعوة إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية المكانة الأعلى في تاريخ الإصلاح الإسلامي قديمه وحديثه، خصوصاً في شهر رمضان المبارك الذي تكون فيه الأمة الإسلامية مؤهلة تماماً لتحقيق هذه الغاية الدينية، لأنها دعوة إلهية، والله سبحانه وتعالى هو الذي وضع أساسها ورسم منهجها ورفع من شأن الدعاية لها ووجه الرجاء إلى جني ثمرتها. قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (الحجرات 10)». يضيف د. دسوقي: «تقرر الجملة الأولى من الآية حقيقة من الحقائق الثابتة «إنما المؤمنون أخوة» أي أن هذا شأنهم وذلك أمرهم فليس للمسلمين بعد هذا أن يسيروا إلى هدف يخالف هذا الهدف، ولا أن يخرجوا عن مقتضيات هذه الأخوة لأي سبب من الأسباب. تأمر الجملة الثانية بإصلاح ذات البين أي أن يدرأ المسلمون من أنفسهم كل ما يفسد علاقة الأخوة التي قررها الله عز وجل بينهم».يتابع د. دسوقي: «الشهر الفضيل هو شهر التآخي بين أبناء الأمة والاصطفاف الإسلامي سنة وشيعة تحت مظلة هذه الأيام المباركة. لا تعني فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية توحيدها ولا صرف أي مسلم عن مذهبه، لأن فكرة توحيد المذاهب أو إدماجها عمل ضد العقل وضد طبيعة البشر، وصرف المسلم عن مذهبه تحت شعار التقريب هو تضليل. يجب أن تذكّر فكرة التقريب، كما يقصدها روادها، المسلمين بنقاط الوفاق بينهم وهي كثيرة وبأصول الدين وثوابته. أما نقاط الخلاف فهي فرعية لا ينبغي أن تسبب تباعداً أو شقاقاً، لذلك من الضروري أن يكون أساس الاجتماع على فكرة التقريب البحث والاقتناع كي يمكن، بسلاح العلم في الحجة، محاربة الأفكار الخرافية الطفيلية التي لا تعيش إلا في ظل الأسرار والأجواء المظلمة».يوضح د. دسوقي أن «التقريب دعوة إلى التعرف الى وجوه الاتفاق والالتفاف حول مواضع الاتحاد والقربى ومعالم الأخوة التي تربط بين المسلمين، ولقاء علماء المذاهب ليتبادلوا المعارف والدراسات ويعرف بعضهم بعضاً في هدوء العالم المتبصر الذي لا هم له إلا أن يرى ويعرف ويقول فينصف، وأن فكرة التقريب بين المذاهب في ضوء الفكر المستنير المستقيم الراشد والتي اجتمع عليها دعاة التقريب، هي حوارية علمية تعتمد على الاجتهاد والحجة وتمقت التعصب والتشرذم والانغلاق وترحب بالرأي ما دام يعتمد على المنطق والدليل، وهي فكرة تدعم الوحدة الإسلامية وتقوي الأواصر بين أقطار العالم الإسلامي»، مشددًا على أن ليس غريباً أن يكون عرض الخلافات المذهبية عاملاً في تدعيم وحدة المسلمين، لأن ذلك يتماشى مع ما كان عليه أصحاب المذاهب المختلفة من التقدير المتبادل وذم التعصب في الرأي، «بالتالي لا ينبغي أن تطغى العصبية المذهبية على المسلمين بل من الواجب أن يأخذوا بما ظهر من البرهان صوابه، وأن تكون الرغبة الصادقة في الوصول إلى الحق». كذلك طالب د. دسوقي بإجراء دراسات مقارنة بين المذاهب المختلفة الأربعة: السنية والجعفرية والزيدية والظاهرية وبين آراء المجتهدين الذين لم يشتهر عنهم مذهب بعينه، ليتفرغ المسلمون لما هو أولى بهم من التعرف الى أسباب نصرة الدين وإصلاح حال المسلمين، ويصبح الخلاف المذهبي وسيلة من وسائل القوة العلمية والسماحة الفكرية.خلاف في الفروعمن ناحيته، يرى الشيخ علي عبد الباقي (أمين عام مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر) أن الخلاف بين السنة والشيعة فقهي في الفروع وليس في الأصول أو خلاف اجتهادي، «إذا ما استبعدنا ما عُرف قديماً عن غلاة الشيعة وما نسب إليهم من شناعات، وهم انقرضوا الآن إلا قليل منهم، نلتقي مع معتدلي الشيعة في أننا جميعاً مسلمون ولهذا أفتى كبار علماء أهل السنة قديماً وحديثاً أن معتدلي الشيعة يؤمنون مثلنا بأصول الإيمان في جانب العقيدة، وهي الأصول التي وردت في مثل قول الله سبحانه وتعالى: «وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ» (البقرة 177)، ويؤمنون مثلنا بالجانب العملي المنبثق من أصول الإيمان والذي ورد في الآية السابقة نفسها: «وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» (البقرة 177). التصالح بين السنة والشيعة قائم بالفعل، أما ما نختلف فيه فه أمور ليست داخلة في أصول الإيمان، ولا شك في أن لبعضهم إضافات ابتدعوها كعمّة الأئمة والتكية، ونترك الحكم في هذه الأمور لـ الله عز وجل، ولا يصح أن نتخذ فيها مبررات للتفرقة والتخاصم. يكفي أننا جميعاً موحدون ولنا قبلة واحدة ووحي واحد وينبغي ألا ننسى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما هاجر إلى المدينة وضع صحيفة الوفاق بين كل الطوائف فصنع منهم أمة واحدة».يضيف عبد الباقي: «الوحدة مطلب رئيس للجماعة المسلمة، خصوصاً في شهر رمضان المبارك، طلب الله سبحانه وتعالى من الأمة الإسلامية أن تتوحد في كلمتها، فلا تكون شيعاً وأحزاباً يضرب بعضهم رقاب بعض. استغل المستعمرون أسباب الفرقة بين المسلمين أسوأ استغلال، وليست الدعوة إلى تقريب المذاهب الإسلامية دعوة إلى لقاء أو غلبة مذهب على حساب آخر، لكنها دعوة إلى تنقية المذاهب من الشوائب التي أثارتها العصبيات والنعرات الطائفية وأذكتها العقلية الشعوبية. تقوم فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية على أسس التعارف العلمي وتضييق شقة الخلاف، وليس معناها التوحيد بين المذاهب، إنما التقريب المقصود هو ألا يصل الخلاف في الفروع إلى حد العداوة، وهو اتجاه جاد داخل الإسلام مجرد من اللون الطائفي أو الإقليمي للتخلص من العداوة المتبادلة بين أصحاب المذاهب الإسلامية المختلفة والعمل على صيانة وحدة الأمة الإسلامية».