نيتشه... كالمجنون يركض لا يعلم الى أين!
صدر «ديوان نيتشه» بالعربية لدى «دار الجمل» في طبعته الثانية، ترجمة محمد بن صالح. يجد قارئ نيتشه شاعراً متعة في قراءة هذا الكتاب الصاخب بالألغاز، بل بكشف غرائز الذات البشرية.أُطلقت حول فلسفة نيتشه أحكام متناقضة، حياته صاخبة بالقلق والعدمية والتشاؤم والراديكالية، يضاف إلى ذلك، أنه كان مريضاً، فقيراً، شارداً، أو متشرداً على الطرقات والدروب. لم يكن له منزل ثابت، ولا بيت دافئ، ولا زوجة ودودة.
في مطلع عام 1889 أُصيب نيتشه بالجنون، وكان ورث قصر النظر عن والده، فكانت عيناه، بحسب تعبيره، تغوصان حتى ثلاثة أرباعهما في ليل مظلم، وتتورّمان لأقل مجهود تبذلانه. حتى أنه اضطر منذ شبابه الباكر أن يلجأ إلى من يقرأ له، ويكتب تحت إملائه.وخلال أدائه الخدمة العسكرية، تحديداً في الثالثة والعشرين من عمره، وقع نيتشه من فوق ظهر جواده، فأُصيب في صدره. ولدى تطوّعه في حرب السبعين ضد فرنسا ممرّضاً، أصابه داء الدوسنتريا، ولازمه طوال حياته، وجعله يعتقد أن رسالته انقضت، وأن مغادرته الحياة حانت، فكتب إلى أخته: «أعتقد أني أدّيتُ مهمتي في الحياة، كما يؤديها رجل لم يُمنح ما يكفيه من الوقت». وبعد ذلك، باغتته الباليوفوريا، حالة مرضيّة يشعر فيها المرء بالابتهاج من دون سبب ظاهر، وتسبق عادة الساعات الأخيرة قبل الموت».متطرّفوصف كبار فلاسفة القرن الماضي في أوروبا نيتشه بأنه متطرف الى حد الجنون، منهم من قال إنه أول من نظر الى الوحدة الأوروبية داعياً الى تجاوز العصبية. وثمة من قال أيضاً إنه كان نخبوياً مضاداً للديموقراطية ويحتقر الضعفاء ويدعو الى الإنسان المتفوق «السوبرماني». كتب نيتشه بأسلوب شاعري قلّ نظيره، فلم يكن فيلسوفاً فحسب، بل شاعراً وكاتباً نثرياً لا يضاهى. يعتقد المؤرخ الفرنسي اليكسيس فيلونينكو أن نيتشه يقدم جمال العبارة على دقة المعنى، لأنه شاعر بالدرجة الأولى، قبل أن يكون فيلسوفاً. ثم إنه كان يشطح أحياناً شطحات سوريالية بعيدة، خصوصاً في كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، والذي يوغل بعيداً إلى درجة أن فهمه يستحيل، وفيه مقاطع لا يستطيع أحد شرحها.كان نيتشه شاعراً من الطراز الأول بقدر ما كان فيلسوفاً عميقاً لا يزال يشغل الكتاب والباحثين إلى الآن. إنه أكبر كاتب في اللغة الألمانية شعراً ونثراً، وقيل إنه من خلال نثره أصبح أكبر شاعر عرفته ألمانيا في تاريخها كله. كان نيتشه فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة. وأحياناً عندما تقرأه لا تعرف هل يكتب شعراً أم فكراً أم الإثنين معاً.يبرر نيتشه كذب الشعراء: «ما دام ما نجده من العلم قليلاً، فالشعراء جميعهم يعتقدون أن الجالس على منحدر جبل مقفر يتنصت إلى السكون، قادر أن يتوصل إلى معرفة ما يحدث بين الأرض والسماء». وقد أتعبه الشعراء لأن: «خير ما تجده في تأملاتهم قليل من الشهوة وقليل من الضجر»! فهم «يعكرون جداولهم ليخدعوا الناس ويوهموهم بأنها بعيدة الغور»! وبماذا يعكرون المياه برأيه: «بأقذارهم».يصرخ نيتشه الشاعر: «أنا لا أكتب باليد وحدها، الرّجل أيضا تريد على الدوام أن تكتب. صلبة، حرة وشجاعة، تريد أن تكون، مرّة على الحقول ومرّة، على الورقة». وأول ما كتب نيتشه، قصيدة تركها من دون عنوان (1858) وجعل مطلعها: مرآة هي الحياة/ ذواتها فيها نرى/ لذلك ندعوها بالرغبة الأولى/ عن التطلع اليها لا ننقطع». وآخر ما كتب، قصيدة عن الماء (1888) وجاء في نهايتها: «يركض... كالمجنون لا يعلم الى أين». وليس من باب المجاز في شيء قول بعضهم: «إن الشاعر في حياته كلها لا يكتب غير قصيدة واحدة، وما تبقى ما هو إلا تنويعات على النغم نفسه. ونيتشه الشاعر والفيلسوف: «عاشق للحقيقة؟ كذا تحسّرتُ/ لا! مجرد شاعر/ ظامئ للأقنعة، عن ذاته يتخفى/ قناع ذاته الممزق! حامل الأقنعة الإلهية».بين الشعر والنثرنيتشه عاشق للحقيقية بين النثر والشعر، في حديثه عن النثر يرى أننا لا نكتب نثراً جيداً إلا بالقياس الى الشعر، لأن النثر ليس سوى حرب مستمرة على الشكل الشعري، ولكل مفاتنه التي ترتكز على تجنّب الشعر ومناقضته باستمرار. يتضمن ديوان نيتشه جملة نصوص تنتمي الى النثر الفني أو الى قصيدة النثر، من بينها: الصياد المتوحش، الساخر، العشاء السري، لأجل أشد الناس قبحاً، المتسول الطوعي، العزلة في سبعة، أغنية للشرب، الخطيئة الأخيرة، الغداء الجيد. وتنتمي كلها الى ما اتفق الشاعر على تسميته حلقة زرادشت، ووجب التمييز بين مجموعتين: نصوص أقرب الى الرسوم الأولية لعمل يراد له أن يكون مواصلة لكتاب «هكذا تكلم زرادشت»، وأخرى أقرب ما تكون الى إعادة كتابة لبعض المقاطع كما تضمنتها المطولة الشعرية المذكورة. الشذرات التي تحمل عنوان «أمثال وفواصل للتسلية»، تبدأ بالرقم 63 وذلك لأنها جاءت بعد 62 مقطعاً نثرياً (من كتاب «العلم والمرح»)، وتلك طريقة نيتشه في كتابة بعض القصائد: تراه يشرع في الكتابة «التفسيرية» أو «الوصفية» ثم يتوقف فجأة ليقول شعراً، كأنه المختنق بالنثر يطلب من الشعر نجدة.يعاين مترجم الديوان ثلاث مراحل واضحة الاختلاف: الأولى، مرحلة الشباب (1858 – 1871)، فيها تقترب القصائد من الرومنسية، وتقليدية في شكلها، بعضها على شيء من المغالاة البلاغية والعاطفية، ومجملها يرزح تحت وقع كآبة مثقلة حتى اللجاجة.الثانية، من «ولادة المأساة» الى «هكذا تكلم زرادشت»، وقد طغى عليها النثر المزخرف، من دون أن يمس بإيقاعها المسهب والدرامي، بما يشكل قطيعة مع القصيدة التقليدية.الثالثة، مرحلة الأناشيد، غالبيتها في غاية الإيجاز، وتبرز كأفكار سريعة مكثفة، أو كصور جزئية أو كونية وضاءة ببساطتها، كأنها اللمع، ضمن توسيمات متعجلة، أحيانا لاهثة، على نقيض الغزارة والتنامي البطيء الى حد الإثقال على السامع والقارئ. فهي تحليقات واستعدادات، لكنها أيضاً ابتداعات ساطعة تعلن عن أسلوب غير محدد، لأنها تتعين ما بين القصيدة والقول المأثور أو الحكمة.كتب نيتشه القصيدة، والنثر الشعري، ومقطوعات أو شذرات عدة لا يمكن تصنيفها، وتشهد لانشغاله العميق بإنجاز كتابة متميزة كلياً عن النثر الفلسفي الاستدلالي. هذه الكتابة الجديدة لا تتوافق مع جفاف الأمثال والحكم. ومن الشعر التقليدي، احتفظ نيتشه بالكثافة والإيجاز، ومن النثر الفلسفي احتفظ بضرورة الابتعاد عن الغنائية وحتى عن بسيط الانسجام. كتب نيتشه الشذرة الشعرية، والشذرة بحسب سيوران هي الشكل الوحيد الملائم لمزاج الشاعر، وتمثل لحظة محمومة مع التناقضات كلها التي تحتويها. ويعتبر سيوران أن عملا ذا نفس طويل يخضع لمتطلبات البناء وهاجس التتابع، هو عمل من الإفراط في التماسك لا يمكن أن يكون حقيقياً.اللافت أن سيوران كان نيتشوياً، ويعتبر نفسه من الفلاسفة بالصدفة، معلناً «أن الكتب الوحيدة التي تستحق أن تُكتب هي تلك التي يؤلفها أصحابها من دون أن يفكروا في القراءة ومن دون أن يفكروا في أي جدوى أو مردود»، مضيفاً: «مأساة الكتّاب عموماً تتمثل في كونهم يملكون جمهوراً ويكتبون لهذا الجمهور، وهذا لا يمكن إلا أن يؤدي الى عواقب وخيمة».عاش نيتشه حياته يردد دائماً: «لا يزال عليّ أن أحيا لأنه لا يزال عليّ أن أفكر». ويتحدث بإسهاب عن ذروة الحياة، وفكرة الموت، وصداقات النجوم، والثقة بالنفس. علوميلتقي أفلاطون ونيتشه في أن إنتاج الشعر لا يرقى الى المستوى الذي نطلق عليه الخلق. والسبب راجع بالنسبة الى الفيلسوفين الى أن الشعراء يظلون يرتبطون بالمعرفة السائدة لدى العوام، إذ يقيمون معرفتهم على المعرفة العامية، ويسخّرونها في إرضاء العام. يقول نيتشه: «لقد تعبت من الشعراء، القدماء والجدد على حد سواء. إنهم سطحيون كلهم وبحار من دون عمق بالنسبة إليّ. الى الأعماق الحقة لم تصل أفكارهم، الى الأعماق لم تنفذ مشاعرهم. شيء من اللذة وشيء من الضجر، هذا كل ما اهتمت به أفضل تأملاتهم».ينطلق انتقاد نيتشه للشعر من اعتقاد مفاده أن الشعراء لا يتمكنون من تشكيل الإنسان المتفوق نظراً الى فقر معرفته، أي لعدم ارتقائها الى مستوى دحض القيم السائدة وتحطيم طابعها الخالد. كان يعتقد بخلود الروح وبفناء الجسد: «منذ بدأت أعرف الجسد على نحو أفضل لم تعد الروح بالنسبة اليّ روحاً على مستوى الكلام. وكل ما هو خالد ما هو إلا صورة». وصنّف القول الشعري في آخر أنماط الأقوال كما أرسطو. ديونيزوس، الإله الطريد، ساح في البلدان حاملاً جنونه، ليعلّم الناس كيفية الحفاظ على نسغ الحياة. منذ تشرده صغيراً، دخلت آلهة اليونان في حياة مظلمة أو ما يسمّيه هولدرلن «ليل الآلهة». وهو هجر بلاده كرهاً وطوعاً في ما بعد ليحارب أنظمة العقل، لأنه رمز الجنون والتهور. نيتشه هو الذي انتبه الى هذا الوضع الذي كان يشغله ديونيزوس عند الإغريق، في اعتباره ملهماً للعبقرية اليونانية في مجال الفن. ومناداة نيتشه بالعودة الى الرمز ديونيزوس، تدعو الى خرق القاعدة والمؤسسة والنظام والتماثل، والعودة الى لغة الشعر والفن، وهذا ينطوي على نقد مباشر لمفهوم العقل وقيمه ونظامه في الخطاب.