تجارة دولية تحمل طابعا إنسانياً

نشر في 26-10-2008 | 00:00
آخر تحديث 26-10-2008 | 00:00
 جورج كاستانيدا رغم أن العديد من الأميركيين يعتقد أن الهجرة تشكل قضية داخلية وينبغي استبعادها من أي محادثات تجري مع حكومات أخرى، فإن دولاً أخرى ترى غير هذا الرأي- وكذلك الأمم المتحدة. كانت الولايات المتحدة قد توصلت من خلال المفاوضات إلى عقد أول اتفاقية بشأن الهجرة في عام 1907، كما أبقت لأكثر من عقدين من الزمان على معاهدة مثيرة للجدال مع المكسيك بشأن الهجرة، ودخلت في محادثات واتفاقيات أخرى خاصة بالهجرة حتى مع فيدل كاسترو منذ أوائل ستينيات القرن العشرين.

والحقيقة أن الهجرة في نظر العديد من بلدان أميركا اللاتينية، وليس المكسيك فقط، تشكل القضية الأعظم أهمية في علاقاتها بالولايات المتحدة. ومن المعروف أن أعدادا كبيرة من مواطني جزر الكاريبي يقيمون في الولايات المتحدة، وتعتمد هذه الجزر إلى حد كبير على تحويلات العملة الأجنبية القادمة إليها من مواطنيها المقيمين في الولايات المتحدة، مثلها في ذلك مثل المكسيك. ويصدق هذا أيضاً على العديد من بلدان أميركا الوسطى، ولا يستثنى من هذا النمط أي بلد من بلدان أميركا الجنوبية.

هذا يعني أن بلدان أميركا اللاتينية كلها تقريباً تتأثر أبلغ الأثر بالمناخ الحالي المحيط بالهجرة في الولايات المتحدة، ولسوف تستفيد هذه البلدان من الإصلاحات الشاملة التي أيدها كل من المرشحين الرئاسيين، جون ماكين وباراك أوباما، فيما يتصل بالهجرة. وفي نظر بلدان أميركا اللاتينية فإن القرار المؤسف الذي اتخذته إدارة بوش ببناء سياج على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، والإغارة على أماكن العمل ومحال السكن، واعتقال وترحيل الأجانب المقيمين من دون أوراق رسمية، كان قراراً عدائياً يحمل قدراً عظيماً من الرياء والنفاق. وما يزيد هذه القضية إيلاماً وإحباطاً أن أغلب وزراء الخارجية في بلدان أميركا اللاتينية يدركون تمام الإدراك أن هذه المواقف ترجع إلى أسباب سياسية محضة.

إن الجميع يدرك متطلبات إصلاح سياسة الهجرة في الولايات المتحدة: والتي تتلخص في تخفيف الإجراءات الأمنية على الحدود، ولكنها تتضمن أيضاً فتح بوابات في الأسوار التي تقام حالياً؛ والتعجيل بتوفيق الأوضاع القانونية لحوالي 15 مليوناً من الأجانب المقيمين حالياً في الولايات المتحدة بصورة غير شرعية، بعد فرض غرامات وشروط معقولة عليهم؛ وتأسيس برنامج لتنظيم الهجرة أو العمالة المؤقتة يسمح بدخول العدد الكافي من الأجانب لتغطية الاحتياجات المتنامية لاقتصاد الولايات المتحدة، فضلاً عن تيسير الزيارات العادية إلى الديار ثم العودة للمقيمين الدائمين في الولايات المتحدة.

والعنصر الثاني في الإصلاح يتلخص في الإرادة السياسية والتوقيت. في مستهل حكمه أبدى بوش قدراً من التفهم السليم لقضية الهجرة: وربما كان استعداده في بداية ولايته للتفاوض مع المكسيك من أجل التوصل إلى اتفاقية بشأن الهجرة هو السبيل الوحيدة إلى علاج هذه القضية. وقد يكون التحرك السريع من جانب الرئيس القادم هو السبيل الوحيد لإحراز النجاح على هذه الجبهة.

يتعين على الولايات المتحدة، إذا كانت راغبة في تهدئة التوترات المحيطة بقضية الهجرة، أن تعمل على تلبية الاحتياجات الاقتصادية لبلدان أميركا اللاتينية. وهنا يكمن واحد من التحديات الرئيسية التي سوف تواجه الإدارة القادمة في الولايات المتحدة في اتفاقيات التجارة الحرة القائمة والمعلقة بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية.

إذا ما انتخب جون ماكين، فمن غير المرجح أن يتم إصلاح اتفاقيتي «النافتا» و «الكافتا»، واتفاقيتي التجارة الحرة مع شيلي وبيرو، كما اقترح باراك أوباما. ولكن نظراً لارتفاع احتمالات احتفاظ الديمقراطيين بأغلبيتهم في كونغرس الولايات المتحدة، فإن حتى ماكين سوف يحتاج إلى تعديل الاتفاقية مع كولومبيا حتى يتمكن من تمريرها. وهذا يعني تعالي الأصوات المنادية بضم شروط مماثلة إلى الاتفاقيات الأخرى.

إذا ما طال أمد الركود الحالي وإذا ما استمر الأميركيون في تحميل الاتفاقيات التجارية المسؤولية- بغير أساس من الصحة- عن ارتفاع معدلات البطالة وهبوط الأجور واتساع هوة التفاوت بين المواطنين الأميركيين، فلسوف تتنامى المعارضة لهذه الاتفاقيات داخل الولايات المتحدة. ولكن بدلاً من الانتظار حتى تتصاعد الضغوط، يتعين على الرئيس القادم أن يتقي تفاقم المشكلة بتبني أجندة طموحة لإصلاح التجارة الحرة على النحو الذي يحقق المنفعة لجميع الأطراف.

وفي هذا السياق قد يكون من الواجب على الولايات المتحدة أن تتعلم من الاتحاد الأوروبي. إن ما يعيب الاتفاقيات التجارية الأميركية هو اقتصارها على التجارة. ولكن الرد على هذا الاقتراح يكون دوماً: إن الولايات المتحدة ليست أوروبا، ولا دخل لها بقضايا بناء الأمم أو إعادة التعمير. ولكن هذا هو على وجه التحديد ما قامت به الولايات المتحدة بنجاح حين نفذت «خطة مارشال» في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما فشلت في القيام به في العراق وأفغانستان اليوم.

أولاً، لابد أن تحتوي هذه الاتفاقيات على فقرات واضحة خاصة بحقوق الإنسان والديمقراطية، على غرار فقرات مشابهة في معاهدات الارتباط الاقتصادي التي عقدها الاتحاد الأوروبي مع المكسيك وشيلي. ثانياً، لابد من ضم شروط أكثر تحديداً بشأن العمالة، والبيئة، والمساواة بين الجنسين، وحقوق السكان الأصليين، هذا فضلاً عن فقرات خاصة بالتنظيم ومراقبة الاحتكار والإصلاح القضائي، وذلك لأسباب تتعلق بالمبادئ والمنفعة السياسية أيضاً.

رغم التحسن الهائل الذي طرأ على أغلب هذه المناطق، فإن ثلاثا منها مازالت تشكل قضايا ساخنة، خصوصا فيما يتصل بكسر أو تنظيم الاحتكارات- العامة والخاصة والتجارية- التي تبتلي بلدان المنطقة كافة تقريباً.

من الأهمية بمكان أن تشتمل هذه الاتفاقيات المنقحة على فقرات جريئة مستنيرة فيما يتصل بتوفير الأرصدة اللازمة لإصلاح البنية الأساسية وصناديق «التضامن الاجتماعي»، وهذا قد يشكل الفارق بين التخبط والالتباس من جانب والنجاح الحقيقي من جانب آخر. ولا ينبغي لأنصار التجارة الحرة أن ينظروا إلى مطالبة أوباما بمراجعة هذه الاتفاقيات باعتبارها أمراً سيئاً، بل باعتبارها فرصة لتحسين وتعميق هذه الاتفاقيات؛ ولا ينبغي لأنصار ماكين أن ينظروا إلى إدخال التعديلات المذكورة آنفاً باعتباره «هراءً أوروبياً»، بل باعتباره وسيلة لتضييق الفجوة بين ما تَعِد به هذه الاتفاقيات وما تحققه من نتائج فعلية.

إن تحسين البينة الأساسية والتعليم وحكم القانون في المكسيك وأميركا الوسطى، أو تحسين الجهود المبذولة في كولومبيا وبيرو للسيطرة على تجارة المخدرات، واحترام قوانين العمل وحقوق الإنسان، كل ذلك يصب في مصلحة الولايات المتحدة، واتفاقيات التجارة الحرة قادرة على إعانة هذه الجهود وليس إلحاق الضرر بها.

إذا ما تمكنت الولايات المتحدة وبلدان أميركا اللاتينية من الصمود أمام التحديات المتمثلة في التجارة والهجرة، فقد يخلف الرئيس الأميركي القادم أثراً عظيم الأهمية على العلاقات في الجانب الغربي من الكرة الأرضية على نحو لم يسبقه إليه أي زعيم أميركي منذ ثلاثة أجيال.

* وزير خارجية المكسيك الأسبق (2000-2003).

«بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة»

back to top