تشي غيفارا الحقيقي

نشر في 05-02-2009 | 00:00
آخر تحديث 05-02-2009 | 00:00
 غاي سورمان إن التاريخ الذي تقدمه هوليود كثيراً ما يكون سخيفاً إلى حد مبالغ فيه، ولكن صناع السينما يتمتعون عادة بالحس السليم الذي يمنعهم من تبرئة القتلة ومحترفي السادية. ولكن فيلم ستيفن سودربيرغ الجديد عن تشي غيفارا يفعل ذلك وأكثر.

إن تشي الرومانسي الثوري، كما صوره الممثل بينيشيو ديل تورو في فيلم سودربيرغ، لم يكن له وجود على الإطلاق. فهذا البطل اليساري، بشعره «الهيبي» ولحيته، وهي الصورة التي تحولت الآن إلى رمز تحمله القمصان وأكواب القهوة في أنحاء العالم المختلفة، ليس أكثر من أسطورة اخترعها خبراء دعاية فيدل كاسترو- وتجمع بين دون كيشوت وروبين هود.

فمثلها كمثل تلك الروايات الطويلة، تحمل أسطورة فيدل في وصف تشي غيفارا تشابهاً سطحياً بحقائق تاريخية، ولكن القصة الحقيقية أشد إظلاماً وقتامة. ربما وُجِد في وقت ما روبين هود كان يذبح الأغنياء بوحشية، ولكي يغطي آثاره كان يعطي بعض الأموال التي نهبها للفقراء. وفي إسبانيا أثناء العصور الوسطى، ربما ظهر فرسان على غرار كيشوت يتجولون في الريف لتطهير البلاد، ولكن ليس من التنانين بل من العدد القليل المتبقي من المسلمين.

ويصدق القول نفسه على تشي الأسطوري. فلن نجد مراهقاً متمرداً على العالم أو على والديه يستطيع مقاومة صورة تشي المغرية. إذ إن ارتداء قميص يحمل صورة تشي يشكل الوسيلة الأسرع والأرخص لكي يبدو صاحب القميص وكأنه على الجانب الصحيح من التاريخ.

ويبدو أن ما يصلح للمراهقين يصلح أيضاً لمخرجي أفلام السينما من ذوي الأعمار الشابة على نحو متزايد. أثناء ستينيات القرن العشرين كان مظهر تشي، باللحية والقلنسوة، يشكل على الأقل بياناً سياسياً عفوياً غير متكلف. أما اليوم فقد تحول ذلك المظهر إلى ما يزيد قليلاً عن صيحة جديدة قادرة على إلهام هوليود لإنتاج فيلم ملحمي آخر بميزانية ضخمة. تُـرى هل يلي ذلك إنشاء متنـزهات تدور فكرتها الأساسية حول تشي؟

ولكن ذات يوم كان هناك تشي غيفارا حقيقي: وهو أقل شهرة من الدمية الخيالية التي حلت محل الشخصية الحقيقية. إن تشي غيفارا الحقيقي كان شخصاً أكثر أهمية من نسخته الخيالية، إذا كان في الحقيقة بمنزلة التجسيد للمغزى الحقيقي من الثورة والماركسية في القرن العشرين.

لم يكن تشي نصيراً للإنسانية. والحقيقة أننا لا نستطيع أن نقول إن أياً من زعماء الشيوعية كان يحمل قيماً إنسانية. ولا شك أن كارل ماركس لم يكن نصيراً للإنسانية. وتصديقاً لنبيهم ومؤسس حركتهم ستالين، فإن ماو، وكاسترو، وتشي لم يتسموا بأي احترام للحياة. ففي نظرهم كان لابد من إراقة الدماء لتعميد العالم. حين بادر أحد رفاق ماو المبكرين إلى انتقاده بسبب موت الملايين أثناء الثورة الصينية، أجابه ماو قائلاً: «إن عدداً لا يحصى من الصينيين يموتون في كل يوم، فأين الحدث الجلل في ذلك إذن؟».

وعلى نحو مماثل، كان تشي قادراً على القتل بلا مبالاة. فبعد أن تدرب كطبيب بشري في الأرجنتين، لم يختر إنقاذ الأرواح بل اختار قمعها. وبعد أن استولى على السلطة أمر تشي بقتل خمسمائة من «أعداء» الثورة دون محاكمة، بل حتى دون أي قدر يُـذكر من التمييز.

أما كاسترو، الذي لم يكن أيضاً نصيراً للإنسانية، فقد بذل قصارى جهده لتحييد غيفارا بتعينه وزيراً للصناعة. وكما كان متوقعاً، فقد طبق تشي السياسات السوفييتية على الكوبيين: فخُـرِبَت الزراعة وانتثرت المصانع الزائفة في كل مكان. ولم يكن يهتم باقتصاد كوبا أو برخاء شعبها: فقد انحصرت أغراضه في ملاحقة الثورة لمجرد الثورة، أياً كان المغزى منها، تماماً مثل «الفن من أجل الفن».

الحقيقة أن تشي من دون إيديولوجيته ما كان ليشكل أي شيء يُـذكر أكثر من مجرد سفاح آخر. بيد أن الشعارات الإيديولوجية سمحت له بالقتل بأعداد أكبر مما قد يتصوره خيال أي سفاح، وكل ذلك باسم العدالة. لو ظهر تشي منذ خمسة قرون من الزمان فلربما كان واحداً من هؤلاء القساوسة/العسكر الذي أبادوا سكان أميركا اللاتينية الأصليين باسم الرب. فباسم التاريخ، كان تشي أيضاً ينظر إلى القتل باعتباره أداة ضرورية لقضية نبيلة.

ولكن تعالوا بنا نفترض أننا نحكم على هذا البطل الماركسي باستخدام معاييره الخاصة: هل نجح حقاً في تغيير العالم؟ الإجابة هي «أجل» ولكن إلى الأسوأ. إن كوبا الشيوعية التي ساعد في تأسيسها دولة فاشلة على نحو لا يتنازع عليه اثنان، فقد أصبحت أشد فقراً وأقل حرية مما كانت عليه قبل «التحرير». ورغم الإصلاحات الاجتماعية التي يتشدق بها اليسار في كوبا، فإن معدلات معرفة القراءة والكتابة هناك كانت أعلى قبل استيلاء كاسترو على السلطة، وكانت العنصرية ضد السكان من ذوي البشرة السوداء أقل انتشاراً. والحقيقة أن زعماء كوبا اليوم باتوا أكثر ميلاً إلى سياسات البيض العنصرية مقارنة بأيام باتيستا.

إذا ما ذهبنا إلى ما هو أبعد من كوبا فلسوف نجد أن أسطورة تشي كانت سبباً في إلهام الآلاف من الطلاب والناشطين في أنحاء أميركا اللاتينية المختلفة بإهدار أرواحهم في نضال حرب العصابات المتهور. لقد اختار اليسار، بفضل جاذبية تشي الخطيرة، النضال المسلح بدلاً من الانتخابات. وبهذا فتح الطريق أمام الديكتاتوريات العسكرية. وحتى اليوم لم تتماثل أميركا اللاتينية للشفاء من العواقب غير المقصودة التي ترتبت على اتباع مذهب غيفارا.

بعد مرور خمسين عاماً منذ قامت الثورة في كوبا، مازالت أميركا اللاتينية منقسمة. فتلك الدول التي رفضت أساطير تشي واختارت طريق الديمقراطية والسوق الحرة، مثل البرازيل وبيرو وتشيلي، أصبحت الآن أفضل حالاً من أي وقت مضى: فترسخت لديها قيم المساواة، والحرية والتقدم الاقتصادي. وعلى النقيض من ذلك فإن تلك الدول التي ظلت على حنينها إلى قضية تشي، مثل فنزويلا والإكوادور وبوليفيا، فهي في هذه اللحظة على وشك الانزلاق إلى آتون الحرب الأهلية.

إن تشي الحقيقي، الذي أمضى أغلب وقته كمحافظ لبنك كاسترو المركزي، الذي كان يشرف على تنفيذ عمليات الإعدام وليس العمليات المالية، يستحق أن نتعرف عليه بصورة أفضل. ومن المحتمل إذا نجحت ملحمة تشي التي يقدمها سودربيرغ على جزأين في تحقيق مكاسب ضخمة في شباك التذاكر، فربما يرغب الممولون في تصوير تتمة أكثر صدقاً لهذه الملحمة. ولا شك أن المادة اللازمة لسيناريو «تشي، القصة المسكوت عنها» متوافرة.

* فيلسوف واقتصادي فرنسي، وهو مؤلف كتاب «إمبراطورية الأكاذيب».

«بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة»

back to top