القديس أبو تريكة يفتح قلبه لـ الجريدة ويروي مذكراته للمرة الأولى (2 – 6) أول جائزة حصلت عليها فانلة الأهلي وعائلتي لا تشجع إلا القلعة الحمراء

نشر في 10-11-2008 | 00:00
آخر تحديث 10-11-2008 | 00:00
المبدع... زيدان العرب... خليفة الخطيب... تاجر السعادة... القاتل المبتسم... أمير الدهاء... معشوق الجماهير... الفنان... القديس... ألقاب كثيرة لا حصر لها أُطلقت على محمد أبوتريكة نجم النادي الأهلي والمنتخب المصري، الذي منذ انضمامه إلى القلعة الحمراء فتحت له الشهرة أبوابها بفضل مهاراته الفائقة ودماثة خلقه وحبه الشديد لكرة القدم، فانطلق بعدها بسرعة الصاروخ نحو عالم النجومية، محطماً العديد من الأرقام القياسية ومحققاً كل الطموحات والأحلام الكروية التي كانت تراوده، ليصبح نجماً لامعاً في سماء كرة القدم المصرية والعربية والإفريقية.

تشعر وهو يحكي معك وكأنه طفل صغير... خجول... لسانه لا يلفظ إلا طيباً... وقلبه العامر بالتقوى يجعلك تحبه من الوهلة الأولى، ولا تستطيع أن تكرهه مهما حاولت أن تسعى إلى ذلك بحكم التعصب الجماهيري.

في الحلقة السابقة تحدث أبوتريكة عن نشأته والظروف الأسرية، ويكمل في هذه الحلقة قائلاً: لا أمتلك القدرة على أن أتذكر ذلك اليوم الذي بدأت أمارس فيه لعبة كرة القدم، أو حتى كيف بدأت أداعبها، ولكن كل ما أتذكره أنني كنت طفلاً صغيراً ينتمي بكل حواسه وجوارحه إلى النادي الأهلي مثل كل الأطفال الصغار المصريين الذين يأتون إلى الدنيا وعلى لسانهم كلمة واحدة «أهلي... أهلي... أهلي» فجميع أفراد عائلتي ينتمون إلى القلعة الحمراء، ولا يوجد أي شخص من داخل العائلة يقوم بتشجيع ناد آخر.

أهلاوي بالفطرة

أنا أهلاوي بالفطرة مثل كل أفراد أسرتي البسيطة الصغيرة الموجودة في حي بولاق الدكرور، وعندما وصلت إلى سن التاسعة من عمري بدأت في متابعة كرة القدم عن قرب، حين كنت أشاهد أشقائي الكبار يلعبون كرة القدم في كل وقت فراغ لأنهم يحبونها فقط، حيث كانت المتنفس الوحيد لهم أراهم في مركز شباب ناهيا يتباهون بمهاراتهم الفنية، وخلال تلك الفترة كنت اكتفي بالمشاهدة فقط، مع إبداء الإعجاب بما يظهر من مهاراتهم والحركات التي تميز أداءهم حتى جاءت اللحظة الفاصلة في حياتي كلها ولولاها ما كنت لاعب كرة قدم في الأساس، فقد حدث أن تعرض أحد اللاعبين في مركز شباب ناهيا لإصابة مفاجئة واضطر أشقائي إلى الاستعانة بي لاستكمال العدد القانوني في مباراة لن تمحى تفاصيلها من ذاكرتي أو تاريخي، وهناك واقعة طريفة حيث إنني كنت ألعب بحماس شديد وكان لديّ الرغبة الشديدة في أن أثبت أنني لست أقل من أي لاعب معهم، لأنني لاعب جديد على الفريق فقد شاركت في أول كرة بقوة وتسرع شديد، مما عرضني «لترقيصة» على الطريقة البلدي، وعلى الفور اقترب مني شقيقاي أسامة وأحمد وقرر الاثنان من تلقاء نفسيهما أن يعطياني الدرس الأول في لعبة كرة القدم، والدرس يتمثل في ضرورة أن أتحلى بالهدوء والصبر داخل الملعب وعدم اللعب بتسرع أو رعونة، وبدأت في تعلم الدرس سريعاً وقررت من وقتها أن أكون لاعباً جيداً بصرف النظر عن أي شيء من حولي وكان عمري وقتها لم يتجاوز السنوات العشر.

الرجولة والكفاح والإصابة الأولى

بعد تلك الفترة بدأت أشارك في فريق المدرسة ومباريات دوري المدارس وحينها تعرضت لأول إصابة في حياتي، وهو الموقف الذي لا أستطيع أن أنساه، حيث تعرضت ساقي للكسر واضطررت إلى وضعها في الجبس، فتوجه شقيقي الأكبر إلى مدرستي وطلب من الأستاذ عصام وهيب أستاذ مادة التربية الرياضية في المدرسة ضرورة عدم إشراكي في مباريات دوري المدارس خوفاً على صحتي وقدمي لولا تدخل والدي الحاج محمد أبوتريكة الذي كان يساندني بقوة ويدفعني إلى ممارسة لعبة كرة القدم رغم الرفض التام الذي كنت ألقاه من جانب أشقائي، لكنه كان يقف في وجوههم ويرفض أن يتدخل أي شخص لكي يمنعني من ممارسة لعبة كرة القدم بحجة الدراسة، لأن والدي كان لديه اقتناع تام بأن ابنه إنسان عاقل يمتلك القدرة على أن يتحمل المسؤولية، وتعلمت من والدي أشياء كثيرة لن تخرج من رأسي، يأتي في مقدمتها الصبر وأن الحياة بشكل عام تحتاج إلى التحمل والجلد والكفاح بشرف، وتلك كانت أولى سمات الرجولة التي زرعها بداخلي، فقد كنت أعمل أثناء فترة العطلة الصيفية من الدراسة في مصنع الطوب الموجود في قريتنا ناهيا بحي بولاق الدكرور، لكي أحاول الاعتماد على نفسي وأخفف العبء عن والدي رغم أنني وقتها كنت صغيراً للغاية لأداء هذا العمل الشاق، وكان عمري وقتها حوالي 12 عاماً ولم يجبرني أي شخص على العمل، ولكني كنت أشعر بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقي تجاه والدي الذي كان يعمل ليل نهار من أجل لقمة العيش لأولاده وتوفير مصاريف الدراسة لهم لأنه كان يتمنى أن يراهم في أفضل صورة، ولهم مكانة كبيرة في المجتمع المصري وربما كان للعمل في فترة الإجازة الصيفية الأثر الطيب في التكوين الجسماني من هذا العمل الشاق الذي كنت أتقاضى عنه أجراً يومياً عبارة عن «جنيهين» كراتب مبدئي، ومع تكرار العمل ازدادت الأجرة اليومية كلما ازدادت خبرتي في العمل لكي أتقن صناعة الطوب الأحمر، في فترة الدراسة الابتدائية حصلت على شهرة وصيت كبير من منزلي المتواضع في ناهيا إلى جميع المدارس المجاورة لمنزلي، وأصبحت لاعباً معروفاً بمركز شباب ناهيا، وكان يشرف على تدريبي الكابتن جمال كوع وهو واحد من المدربين الذين تأثرت بهم في حياتي العامة كلاعب كرة قدم، ولا أنسى أول جائزة لي كلاعب ناشئ صغير يفرح بأي شيء يحصل عليه بين يديه من وراء هوايته المفضلة، حيث تمت إقامة إحدى الدورات الرمضانية المعتاد إقامتها في الأماكن والأحياء الشعبية المكتظة بالبشر داخل مركز شباب ناهيا، وحصلت مع فريقي على المركز الأول حينها، وكانت الجائزة عبارة عن فانلة النادي الأهلي، واعتبرت تلك الجائزة بمثابة الكنز الذي أعطاه لي الله سبحانه وتعالى لأنني كنت أعشق اسم النادي الأهلي منذ الصغر.

المصادفة البحتة

أما حكاية انضمامي إلى صفوف نادي الترسانة فقد جاءت عن طريق المصادفة البحتة، ولا أخجل من أن أسرد تفاصيل تلك الحكاية، فقد حرصت على الذهاب إلى حي ميت عقبة مع صديقي مجدي عابد لكي نخضع لفترة الاختبارات مثل أي لاعب صغير يأتي لأي ناد في مصر يقوم بإجراء الاختبارات للبحث عن اللاعبين الموهوبين لضمهم إلى قطاع الناشئين، واستقبلني وقتها الكابتن عبودة الحملاوي الذي طلب مني «تنطيط» الكرة على قدمي للتعرف على واحدة من المهارات الأساسية لأي لاعب كرة قدم في العالم، وفشل جميع اللاعبين الموجودين في الاختبارات في مواصلة «التنطيط» بالكرة، وسقط أغلبهم في هذا الاختبار الصعب من وجهة نظرهم الشخصية، لكنني والحمد لله وصلت إلى الرقم «500» في التنطيط بالكرة حتى طلب مني الكابتن عبودة الحملاوي، «ربنا يعطيه الصحة والعافية»، التوقف وأعطاني أوامر بضرورة الحضور إلى النادي في اليوم التالي مباشرة، وظللت أتدرب مع ناشئي الترسانة لمدة تصل إلى شهرين أو أقل بعدها قررت الابتعاد عن قلعة الشواكيش نهائياً فكان عمري وقتها 13 عاماً وخبرتي للأسف الشديد قليلة في التعامل مع الحياة العامة، وكنت أتدرب بـ«حذاء كاوتش»، وطلب مني الكابتن عبودة الحملاوي ضرورة الذهاب لشراء حذاء جديد خاص بكرة القدم، وحينها شعرت بالإحراج الشديد لأن ظروفي المادية وقتها كانت صعبة للغاية، ولا يتحمل والدي إمكان شراء حذاء جديد يصلح لممارسة كرة القدم فاتخذت قرار الابتعاد عن نادي الترسانة، كما قررت في ذات الوقت الاختفاء عن نظر مجدي عابد صديقي الذي كان قد سبقني في الانضمام إلى صفوف ناشئي الترسانة، وكان مجدي عابد يمر على منزلنا المتواضع لكي أتوجه معه إلى التدريب، وشعر صديقي مجدي أنني اتهرب من مقابلته حتى قابلته في الشارع مصادفة وحكيت له عن السبب الحقيقي وراء ابتعادي عنه، ورفض العودة إلى تدريبات نادي الترسانة ومن تلقاء نفسه توجه إلى الكابتن عبودة الحملاوي وأخبره بكل ما دار بيننا، فطلب منه الكابتن الحملاوي ضرورة احضاري بأي شكل ممكن إلى النادي، وبالفعل ذهبت إلى الترسانة بعد فترة شد وجذب مع صديقي مجدي عابد الذي كان يعلم حجم الموهبة التي يتمتع بها صديقه، وتقابلت مع الكابتن عبودة الحملاوي وحكيت له الظروف الصعبة التي أعيش فيها مع أهلي وأسرتي المتواضعة واقتنع بكلامي، وبعدها تسلمت أول ملابس رياضية من نادي الترسانة حتى أصبحت لاعباً في قلعة الشواكيش.

بعد هذا الموقف كان عمري 13 عاماً ولعبت لمدة أربع سنوات مع فريق الناشئين حتى وصل عمري إلى 17 عاماً، وصدر قرار من الكابتن رأفت مكي بتصعيدي إلى صفوف الفريق الأول، وكان نادي الترسانة يلعب وقتها في دوري الدرجة الأولى الشهيرة بالمظاليم بعيداً عن دوري الأضواء والشهرة (الدوري الممتاز)، وظللنا لعدة مواسم نلعب في المظاليم حتى صعد فريق الترسانة إلى الدوري الممتاز في موسم 2000/2001، وظهر اسم أبوتريكة إلى النور وبدأ يتردد على مسامع الناس شيئا فشيئاً، وبدأت أتلقى عروضاً من أندية الدوري الممتاز للتعاقد معي، ولكن حلم حياتي الدائم بأن أكون لاعباً ضمن صفوف النادي الأهلي وضمن الكتيبة التي تشارك لحصد البطولات لم يتحقق.

برواز

● يرى أبوتريكة أن الفقر سلاح ذو حدين، إذ يمكنه أن يولد حالة من اليأس، أو أن يمد الفقير بالصبر والعزيمة، ويتمنى أبوتريكة أن يتحلى كل شخص يعاني اليأس بالصبر والعزيمة، للمضي قُدُما في حياته ومواجهة الصعاب.

● شقيقي أسامة لاعب كرة ممتاز وأفضل مني، لكن الحظ لم يسانده في الانضمام لأي نادٍ، ولو لعب للأهلي أو الزمالك لأصبح أشهر وأفضل مني بمراحل كبيرة.

● يؤكد أبوتريكة أنه من الصعب أن يبلغ أي لاعب مكانة الخطيب كلاعب وإنسان، و«أنا عن نفسي أعشقه واعتبره مثلي الأعلى وأحلم بأن أكون نصفه، ولن أنسى أنني بكيت بشدة لحظة إعلان الخطيب اعتزاله، وحب الجماهير لي هو شيء أعجز عن تقديره مهما وصفته».

back to top