مدخل إلى علم النص ومجالات تطبيقه

نشر في 17-10-2008 | 00:00
آخر تحديث 17-10-2008 | 00:00
No Image Caption
تأليف: محمد الأخضر الصبيحي

الناشر: الدار العربية للعلوم

«مدخل إلى علم النص ومجالات تطبيقه» عنوان كتاب جديد للكاتب والباحث الجزائري محمد الأخضر الصبيحي، صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف.

يرى المؤلف أن الباحثين يهتمون، في علم النفس والعلوم التربوية، بالطرق المختلفة لقراءة النصوص وفهمها واستيعابها، وبمختلف العمليات الذهنية التي يوظّفها الإنسان أثناء القراءة. كذلك يُعنى علم النفس الاجتماعي، خصوصاً ما يتعلق منه بالبحث في الاتصال الجماهيري، بدور النصوص وتأثيرها في التواصل وفي تشكيل الرأي العام وتوجيه السلوك الجماهيري.

يعتبر الصبيحي أن علم الاجتماع يهتم بدراسة النصوص وتحليلها في إطار التفاعل الاجتماعي واختلاف الأشكال النصية باختلاف المقامات والمواقف الاجتماعية. أما الطب النفسي، فيلجأ إلى تحليل أبنية النصوص ومضامينها لما في ذلك من دور في تشخيص الاضطرابات والأمراض النفسية.

يأتي اهتمام العلوم اللغوية بالنص إثر اقتناع اللغويين بضرورة تجاوز الدراسة اللسانية للجملة، الموضوع المفضّل لدى البنيويين، وإخراجها من الإطار الشكلاني الذي انحصرت فيه. يؤكد المؤلف أن علماء اللغة المحدثين يعتبرون أن النص يمثل الوحدة الطبيعية للتفاعل اللغوي بين المتكلمين. لا يتم التواصل أو التفاعل بين المتكلمين بجمل وعبارات معزولة، إنما يحصل عن طريق إنجازات كلامية أوسع، ممثلةً في الخطاب أو النص اللذين يمثلان الوحدة الأساسية للبليغ والتبادل، فإذا أردنا دراسة السلوك اللغوي لدى الإنسان للكشف عن سننه وقوانينه، يتعين علينا أن نتجاوز إطار الجملة ونهتم بالوحدة الطبيعية لممارسة اللغة، ألا وهي النص.

انسجام

يسعى الصبيحي في بحثه إلى دراسة تلك البنية للوقوف على عناصرها وعلى شتى مظاهر الاتساق والانسجام معاً. بعبارة أخرى، يصف علم النص النظام الداخلي وأنواع النصوص وطرق بنائها، ويهدف، إضافة إلى المعايير والقوانين التي يستقيم بها النص، إلى تحقيق غرض أشمل يتمثل في تحديد البنيات المجردة لمختلف أنواع النصوص. كذلك يتمثل أحد الأهداف المهمة لهذا البحث في أنه يحاول أن يقدم هذا التوجه اللساني الحديث للقارئ العربي في شكل مبسّط، مع بيان بعض مجالات تطبيقه، وكيفية الإفادة منه في بعض الميادين كتعليم اللغة ودراسة الأدب وتدريسه.

يبيّن المؤلف الأهمية الاجتماعية للنص، فيرى أنه أحد أهم المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية، إذ لا يمكن تصوُّر مجتمع منسجم ومتماسك من دون نصوص تنظِّم مختلف مؤسساته وتضبط قوانين اشتغالها، وتقنّن التعامل بين أفرادها، بما يضمن لها الثبات والاستقرار.

يشير الكاتب الى أنه لهذا السبب تزخر حياتنا الاجتماعية بأنواع مختلفة من النصوص، منها القانوني والسياسي والإعلامي، ومنها الديني والأدبي والفلسفي. يتميز كل نص بدوره في تحريك التفاعل الاجتماعي وتنظيم جانب من أنشطة الحياة الاجتماعية.

ليس النص مجرد تدوين للحفظ والتسجيل، بحسب الكاتب، لكنه يمثّل سلطة تقنين وتوجيه وتشريع، يؤثر النص الأدبي في أجيال الأدباء والشبان ويكون أحد مصادر الإلهام في التشريعات والنصوص التاريخية التي تعبّر عن روح الأمة وتكشف عن مسارها التاريخي. تعتبر النصوص القانونية أساس الدولة ودعامة مؤسساتها، بينما النصوص الدينية هي سلطة تصدر عن الوحي وطاعة الأنبياء، تعطي شرعية للسلطان ضد معارضيه وتشرّع للثورة ضد السلطان.

يعتبر الصبيحي أن النص يمثّل مرحلة متطوّرة من تاريخ المؤسسات الاجتماعية، إذ لم تظهر الحاجة إليه إلا بعدما بلغت هذه الأخيرة درجة عالية من التطوّر والتعقيد، مما استدعى ضرورة إيجاد نصوص تضبط مسارها وتقنّنه.

يقدّم الكاتب تعريفاً للنص من خلال إجماع اللغويين على أنه وحدة لغوية مهيكلة، تجمع بين عناصرها علاقات وروابط معينة، ما يجعله كلاً مترابطاً ومنسجماً. يتوقف عند اللغويين الذين يؤكدون على غائية النص، وهي تحقيق التواصل بين المتكلّمين، يتم ذلك دائماً في سياق معين. تمثّل تلك العوامل مجتمعة ما يسميه علماء النص بـ{النصية»، وهي المقومات التي يتميز من خلالها النص عن {اللانص} أيضاً، وتمثّل المباحث الأساسية للسانياته.

لسانيات نصية

أما علم النص الذي يخصِّص له الكاتب الفصل الثاني من كتابه، فيفيد بأنه ظهر في نهاية الستينات من القرن العشرين منهج لساني يسميه بعض اللغويين «نحو النص» ويسميه البعض الآخر «اللسانيات النصية». يتكفّل ذلك المنهج بدراسة بنية النصوص وكيفية اشتغالها من منطلق مسلّمة منطقية تقضي بأن النص ليس مجرد تتابع مجموعة من الجمل، إنما هو وحدة لغوية نوعية ميزتها الأساسية الاتساق والترابط.

ينفي الكاتب أن تكون اللسانيات، كما قد يُعتقد، مكملاً للسانيات الجملة، أو توسيعاً لمجالها ليشمل مستوى أعلى وبوسائل الدراسة والتحليل ذاتها، إنما هي إعادة بناء اللسانيات من منطق جديد موضوعه الوحدة الطبيعية للتعامل اللغوي بين المتكلّمين ألا وهي «النص»، مع الإشارة إلى أن المقصود بتلك الكلمة ليس ذلك المفهوم البسيط الذي ألفناه في كلامنا العادي، من أن النص ملفوظ من حجم معين مكتوب أو مطبوع، وإنما المقصود هو كل فعل تواصلي لغوي، كتابياً كان أم شفوياً.

أهم القضايا التي تعالجها اللسانيات النصية، أثر السياق في الملفوظات اللغوية، والظواهر اللغوية التي تكفل للنص ترابطه وانسجامه (أدوات الربط، الإحالة...)، بعبارة أخرى دراسة مختلف العلاقات بين الجمل، النظر في مدى انتظام تلك العلاقات في نصوص متشابهة، بالإضافة إلى بعض الظواهر اللغوية الأخرى التي لا يمكن دراستها وإيجاد تفسير لها إلا من خلال النص. لهذا المنهج فوائد تطبيقية في التعامل مع النصوص، مهما كان مجال هذا التعامل (ترجمة، تحليل، كتابة...)، لعل أبسطها لفت انتباه الدارسين إلى أن النص ليس مجرد وعاء لوحدات عجمية، إنما هو بنية وعلاقات لها دلالات عميقة.

يسوق الصبيحي في كتابه الفوائد التطبيقية لعلم النص، فيجدها كثيرة وفي المجالات كلها التي تمثل اللغة عنصراً أساسياً لها. ما زال النص يمثل إحدى الدعائم الأساسية في التعليم بشتى اختصاصاته، ولا يتمّ التحصيل العلمي والمعرفي بصورة جيدة إلا من خلال نصوص حسنة التنظيم، لأن المعلومات التي ترد في مقاطع نصية مفككة ومبعثرة تجعل التعلّم مضطرباً وشاقاً. كذلك قد تعين معرفة خصائص خطاب المادة التي يدرسها التلميذ (الخطاب الاقتصادي، القانوني، العلمي...) في فهم تلك المادة واستيعابها، يتوقف النص القانوني، مثلاً، على الوعي بطريقة بنائه واشتغاله، بما في ذلك طرق الربط بين أجزائه وكيفية الانتقال من جزء إلى جزء. لذلك يهتم جانب من علم النص بوضع المعايير التي تصاغ أو تنتج وفقها النصوص التعليمية في الاختصاصات والمجالات المختلفة، وذلك بتحديد خصائص الخطاب التعليمي عموماً، ونصوص كل مادة تعليمية خصوصاً.

كذلك يشير الكاتب الى الفوائد الأخرى للاهتمام ببنية النص، كالاهتمام الجيد والمتماسك للنصوص الذي من شأنه أن يسهم في بناء عقلية منظمة قادرة على التعامل المنهجي والمنطقي مع المعلومات، وعلى اكتساب مهارات نصية متعددة، كمهارة الحجج والاستدلال وغيرها، كذلك اكتساب أنواع التفكير المنهجي، كالتفكير القياسي، التدرجي والتصنيفي وغيرها.

غايات تعليمية

يستعين الصبيحي بالكاتب هربرت روك الذي أوجد مجالات أخرى يمكن أن يستفاد فيها من حقائق علم النص، منها أن الذي يشرح نصاً أو يبسّطه لغايات تعليمية، يتعين عليه أن يأخذ بالاعتبار بنية هذا النص ومفاصله والعلاقات الرابطة بين أجزائه. كذلك بالنسبة إلى الدارس الذي يلخص مداخلة علمية، فإن أهم ما يجب مراعاته والانتباه له، ليس الحفاظ على سلامة الأفكار فحسب، بل بدرجة أكبر الطريقة التي انتُهجت في بناء المداخلة، لأن الإخلال بذلك يشوّه طريقة صاحب المداخلة في التعليل والاستدلال، وما يتخللهما عادة من ربط بين نتائج الظواهر ومسبباتها.

في ما يخص الترجمة، يرى المؤلف أن الإجراء نفسه يجب أن يُتبع، لأننا إذا أردنا لها أن تكون أمينة ومطابقة للنص الأصلي، يتعين علينا أن نأخذ في الاعتبار أموراً كثيرة تتجاوز الكلمة المفردة والجملة. على المستوى الإنتاجي، يتعين على الدارس الذي ينجز نصاً كتابياً، أن يكون مطلعاً على الأنماط المختلفة التي تبنى وفقها النصوص، وعلى الأدوات والوسائل اللغوية التي توظف عادة في بناء نوع معين، ومثال على ذلك، أدوات الربط ومختلف علامات الترقيم وكيفية تنظيم الفقرات داخل النص.

في خاتمة كتابه، يشدد الصبيحي على أن علم النص مثّل نقلة نوعية في مجال الدراسات اللغوية، تحوّل معه اهتمام اللغويين عن الجملة التي مثّلت موضوع الأبحاث اللغوية منذ أقدم العصور، لينصبّ على النص، وذلك بعد الاقتناع بالوحدة الأساسية التي تتحقق من خلالها الوظيفة التواصلية للغة، وبعدما تبين أنه بنية مركبة تقوم على ما بين عناصرها من علاقات وروابط، ما يتيح دراسة تلك الظاهرة اللغوية دراسة علمية والوصول بشأنها إلى حقائق وقوانين ثابتة.

يعتبر الصبيحي أن النتائج التي توصّل إليها علماء النص، تشكل آثاراً إيجابية في الفروع المعرفية كلها التي تشتغل على النص، كالترجمة وتعليم اللغة ودراسة الأدب.

في النقد الأدبي مثلاً، ساد اقتناع لدى النقاد، تأثراً بحقائق العلم، أنه لا يمكن تأويل النص وتفسيره ما لم تدرَك وحدته الكلية بالكشف عن طبيعة العلاقات الرابطة بين مختلف أجزائه. بناءً على ذلك، أعيد النظر في مفاهيم وآراء نقدية كثيرة، وأعاد الدارسون قراءة الأعمال الأدبية على أساسها، فاكتشفوا أموراً لم تكن أبداً في الحسبان.

back to top