الأندلس حضارة غاربة وتاريخ عريق (1) الأدب العربيّ لنصارى الأندلس... زرياب وأنشودة العصر الذهبيّ!

نشر في 07-09-2008 | 00:00
آخر تحديث 07-09-2008 | 00:00
No Image Caption

عندما اجتاز القائد العسكري طارق بن زياد بجيوشه «الزقاق» ظن آخر ملوك القوط الغربيين رودريغز أن الأمر لن يعدو إغارة لا هدف لها غير النهب والسلب جريا على عادات العصور الوسطى، لكن القائد المسلم الذي أمر جنوده بأن يحرقوا مركب أسطولهم كان يعلم جيدا أن الفتح الذي يقود طلائعه جاء ليحوّل مجرى التاريخ في تلك المنطقة.

ترك الفتح الإسلامي بصمات كبيرة وأثرا عميقا ليس في المناطق التي حكمها المسلمون فحسب في شبه جزيرة أيبيريا، وإنما أيضا في تلك الإسبانية النصرانية ومناطق أوروبية عدة أخرى مجاورة، لا سيما في كل من فرنسا والبرتغال وإيطاليا.

وإذا كان من المسلَّم به في كتابات المستشرقين المحدثين أنه كان لمؤلفات العرب والمسلمين أكبر الأثر في تشكيل الملامح الأولى للنهضة الأوروبية الحديثة، لا سيما في مجالات مثل الفلسفة والطب والعلوم الطبيعية والرياضيات والفلك، فإن ملامح صورة التأثر تكتمل بالحديث عن تأثير اللغة والثقافة العربية في الأندلس على نصارى الإسبان وآدابهم فضلا عن آداب بعض الشعوب الأوروبية الأخرى.

من المدهش أن السنوات الأولى التي أعقبت الفتح العربي للأندلس خلت من أي أثر للحياة الفكرية في البلاد، لكن ما إن بدأ عهد الدولة الأموية الغربية التي أسسها صقر قريش عبدالرحمن الداخل أخذت الأندلس ترتقي مدارج اللغة والآداب العربية، لا سيما منذ فترة حكم عبدالرحمن الثاني (206 - 238هـ).

في ولاية هذا الأمير الأموي شرعت الأندلس تناطح الدولة العباسية، ووصل خلال تلك الفترة إلى بلاط قرطبة الموسيقي العراقي الأشهر «زرياب» وكان رجلا فذا، حتى ليعد إقباله على بلاد عبدالرحمن الأوسط إيذانا بتحوّل البلاط من خشونته البدوية إلى ترف قصور الحكام وأصحاب السلطان في المشرق الإسلامي.

كان زرياب موضع اهتمام الأندلسيين، حتى إنه لم يستهو أفئدة أهل قرطبة بصوته وجمال أغانيه فحسب، بل بآدابه الاجتماعية وولائمه وملابسه التي أصبحت النموذج المحتذى في قرطبة، ومنذ ذلك الحين اجتهد حكام الأندلس في أن يكون لقصورهم مجد أدبي يحاكي ما كان لقصور خلفاء المشرق، فاهتموا برعاية الآداب والعلوم والفنون كي تصل قرطبة إلى مستوى يضاهي ما وصلت إليه دمشق وبغداد.

منذ عصر زرياب أخذ البلاط الأموي يشهد تألّق شعراء مثل يحيى بن الحكم بن الغزال الذي قال عنه ابن حيان إنه «حكيم الأندلس وشاعرنا وعرافها»، حتى إن عبدالرحمن الأوسط، يندبه ليسافر بينه وبين غيره من الملوك، فكان يقوم بتلك السفارات وينشد الأشعار متغزلا بمن يلقى من النساء، بل أنشد الغزال أهل بغداد بضعة أبيات من شعره وزعم أنها لأبي النواس فلم يشك الناس أنها للحسن بن هاني.

الحقيقة أن نفوذ العربية كلغة أدبية في تخطي حدود العناصر التي دخلت في الإسلام كالمولدين والصقالبة وامتد إلى المستعربين وهم نصارى الإسبان الذين عاشروا العرب وتعربـوا وأقاموا في ديـار الإســــلام، وكان غالب هــؤلاء يقيم في قرطبـــة وإشبيلية وطليطلة عاصمة القوط القديمة، والأمر الذي له مغزاه أن مطران تلك المدينة، عبيد الله بن قاسم، كان ممن رافقوا الملك أردون الرابع حين وفد الى الخليفة الأموي الحكم المستنصر ليبصروه ويؤنسوه ويعرفوه بآداب الدخول على الخليفة المسلم، ومن الطريف أن المستعربين غالبا ما يكون للواحد منهم اسمان كالأسقف ربيه ابن زيد الذي يعرف في المدونات الإسبانية باسم ريسموندو.

بلغ تأثّر المستعربين، أي الإسبان من غير المسلمين، بالثقافة العربية حدا اندفعوا معه إلى الولع بالتراث العربي من أدب وشعر، وهو ما أثار حفيظة بعض رجال الدين في الكنيسة لانصراف رعاياهم عن اللغة اللاتينية وميلهم لاستعمال لغة العرب وأسمائهم وأزيائهم مع الاجتهاد في أن يأخذوا الطابع العربي الإسلامي في كل مناحي حياتهم. تحتفظ المكتبة الأهلية في مدريد بمخطوط عربي يضم مجموعة من القوانين الكنسية وقراراتها مرتبة بحسب مواضيعها، وهي مترجمة من اللاتينية إلى العربية بقلم قس سمى نفسه بالعربية باسم «بنجنسيس» عندما سجل في نهاية الجزء الثامن من هذا القانون الكنسي العبارة التالية: «تممت وأكملت أنا بنجنسيس القس الخاطئ عبد عبيد المسيح هذا الجزء الثامن من القانون المقدس يوم الأحد في الوقت الثامن من ذلك النهار وهو أول أحد من أيام الصيام الأربعين الذي يتلى فيه خبر المرأة السامرية التي استسقاها سيدنا المسيح الماء في بير يعقوب...».

لم يقف الأمر بهذا القس عند حد ترجمة الكتاب من اللاتينية إلى العربية، بل نراه يهدي الكتاب إلى الأسقف عبدالملك في عبارات نظمت ببلاغة في أبيات من حيث الشعر العربي الرصين لا تفترق في شيء عما ينظمه المسلمون في مثل ذلك المقام، سواء من حيث الشكل أو المضمون، إذ يقول: اللافت أن الكثير من الكتب اللاتينية التي كتبها المستعربون تحمل هوامشها شروحا وتعليقات باللغة العربية، ومن هذا الصنف «كتاب تفصيل الأزمان ومصالح الأبدان» وهو تقويم فلكي مناخي زراعي، وفيه ذكر منازل القمر وما يتعلق بذلك مما يستحسن مقصده وتقريبه حسبما يذكر التعليق العربي على المخطوط اللاتيني.

يعتقد أن الذي ترجم الكتاب هو حيراريو الكريموني، أما المؤلف فهو الأسقف ريكيموندو (ريسموندو) الذي يسميه مؤلفو العرب بن زيد الأسقف، وكان في خدمة بلاط عبدالرحمن الناصر بقرطبة حتى أن الخليفة أرسله في سفارة إلى أوتو الأول إمبراطور ألمانيا. يتضح من مؤلفات اليهود أن الواحد منهم كان له اسم عربي إلى جانب آخر عبراني يعرف به بين أهل ملته مثل يهوذا بن داود أول من ألّف في نحو اللغة العبرية، إذ كان يُعرف في الكتابات العربية التي تركها يهود الأندلس باسم أبي زكريا بن داود الفارسي المنبوذ.

لكن الفضل الأكبر في نشأة علم النحو في اللغة العبرية يعود إلى ابن جناح المعروف في المصادر العربية باسم أبي الوليد مروان بن جنانح، وقد ألّف كتبه «التنقيح» و»التنبيه» و{التسهيل» و{المستحلق» وثمة فقرات من الكتاب الأخير تعطي فكرة كافية عن طريقة تأليف يهود الأندلس في النحو العبري باللغة العربية، إذ يقول ابن جناح «أما بعد أيها الأخ الحبيب والحميم القريب أوضح الله لك المشكلات وكشف عنك الخفيات فإنه لم تزل نفسي منذ أعوام كثيرة وسنين جمة إذ نحن في بيضتنا بعد تطالبني باستلحاق ما أغفله الأستاذ الفاضل والرئيس الكامل أبو زكريا جيوج رحمه الله ونصر وجهه من استيفاء الأفعال ذوات حروف اللين والأفعال ذات المثلين.. ولست ألحقه في هذا ملاما ولا أعصبه مذمة أن القوة البشرية ضعيفة وإذا الكمال والتمام لله وحده لا شريك له...».

back to top