قصص واقعيّة تحرّض على القراءة وليد المسلم يحاكي مخيّلة الطفل في عملاقة
صدرت مجموعة قصصية جديدة للكاتب وليد المسلم بعنوان «عملاقة»، وهي مجموعته السادسة بعد «فقدان الهوية» و{اصبر يا حكيم» و{سبع صور» و{شهاب ثاقب» و{المعادلة الصعبة».
يدأب المسلم، بعيداً عن مجموعته القصصية، على تقديم المحاضرات في المدارس تشجيعاً للقراءة، وله نشاطات أدبية متنوعة، من بينها تدريب منتسبي «منتدى المبدعين» في رابطة الأدباء على أصول الكتابة الإبداعية. ونظراً إلى كثرة الأعمال الثقافية التي يقدمها إلى فئة المبدعين الجدد والناشئة، انحاز إلى عالم الكتابة للطفل في مجموعته القصصية الجديدة. ويمثل إصداره «عملاقة» خطوة جريئة, وإن كانت بحاجة إلى التدقيق أكثر لإضفاء عناصر أخرى في النتاج الأدبي.في «عملاقة» يحاكي المسلم مخيلة الطفل بشكل مبسط، مستوحياً معالم من البيئة المحلية، مستنداً الى رموز وشخصيات وتسميات يستقيها من الواقع، رغبة في تحقيق التفاعل مع القارئ. عالم الأطفالتتضمن «عملاقة» 13 قصة قصيرة، تتجوّل في أمور كثيرة تخص الإنسان، ويركّز الجزء الأكبر منها على عالم الكتابة للطفل، ومن قصص المجموعة: «عملاقة، شطحة، مولودة، أميرة، حياتي هدية، نكشات، الثقوب السوداء، حَمَنَّي، لحظات تتوقف، الهاجس، اللغز» وغيرها.يبدأ المسلم رحلة تحفيزه على القراءة من خلال قصة «فعل الكتابة»، التي توضح عبر شخصياتها وسير أحداثها أن الكتابة جنس إبداعي لا يموت على رغم موت الخلق، أو بمعنى آخر أن النتاج الذهني بمختلف أجناسه الكتابية مخلوق يُولد ويموت ليحيا مجدداً. وتؤكد أحداث القصة أن الكتابة كائن حي يتصف بالديمومة، فالإنسان يموت والحياة مستمرة.يقول الكاتب في قصة «فعل الكتابة»: «الأطر الجاهزة معلومة بشكل مُسبق كما في جداول الضرب، ومثل مسطرة المدرسة، وكتب القواعد، وإشارات المرور، ولا أنسى بهذا الصدد أن أضع جميع المناهج البحثية والمناهج الدراسية ضمن هذه الأطر الجاهزة». ويستخلص المسلم نتيجة حتمية طبيعية مفادها: «إن لم تتألق كتاباتنا فلنقبرها، أو حتى فلنئدها قبل أن تولد».من خلال «شطحة» يتناول الكاتب مناسبة معرض الكتاب، في محاولة لتحفيز أفراد المجتمع كلهم على القراءة من خلال هاجس داخلي يهتف: «ساهم في إنجاز معرض الكتاب الذي تزوره، واشترِ كتاباً فيه فراغات بيضاء تستطيع أن تسودها بهواجسك... وها أنا ذا أخيراً أجلس مرة أخرى وقد أصبح في حضني كتاب أطفال يحوي الكثير من المساحات البيضاء». نكشاتفي قصة «نكشات» يتناول الكاتب حكاية «فعل كان» الذي يتكوّر على نفسه، يدور في فلك ذاته، يتلفت حوله وحيداً كئيباً منحنياً على نفسه، من دون هدف ينكش بظفره الطويل أي نتوء بجانبه ليحوّله في ثوانٍ إلى حفرة صغيرة عبثية خالية. يتذكر وعلى غير رغبة ماضيه، الذي لا يريده، فيجد الأسماء والأفعال وحروف الجر تتسابق لتقترب منه لتجعل له كينونة ومعنى، بألم وحسرة يخاطب نفسه: «هل يُعقل أن أكون «كان» من دون كينونة؟ «يطغى التهكم»... ما هذه العبثية التي سارت بي خلال تاريخي المجيد؟». يعود لينكش بظفره الصغير هذه المرة مزيداً من النتوءات من حوله. يتحرّك «كان» بحرص هذه المرة إلى الأمام، يشعر بغربة كليّة تجاه شعوره برطوبة الماء، يصرّ على عدم التطلع إلى الخلف، هل يعود إلى زمانه، ودولته، ومكانته كـ «فعل ماضٍ»؟ فن السامرييرصد المسلم في «تسامي» علاقة إحدى الراقصات بفن السامري، مستخلصاً أن حالة الوعي لديه تمر بثلاثة مراحل: «فساعة أكون طرباناً من تناغم الموسيقى والغناء وتمايل جسدها، وساعة أخرى أصُّم حواسيس عن كل ما حولي ولا أستخدم بشكل واعٍ سوى عينيَّ لأتبصّر بهما، ومنها كذلك المعاني المطروحة كلها في هذه الأمسية العجيبة، وأما الساعة الثالثة فهي عندما تتوقف، تحادث غيري فأكون بعيداً عن تأثيرها المباشر، فأعيد شريط ذكريات اللحظات الماضية (...): أما زال هناك من يرقص وكأنه في معبد فرعوني أو هندوسي؟».يقدم المسلم في قصة «حَمَنيِّ» وهو الإسم المصغر لعبد الرحمن مجموعة مواعظ للأطفال والناشئة، متناولاً حكاية سلحفاة بين حدائق البيوت بكل تؤده بحثاً عن الغذاء، فيما يُمعن الأطفال في شكل السلحفاة وهيئتها وطريقة مشيتها، تسير ببطء شديد لكنها تصل إلى هدفها وفي أثناء حركتها وتنقّلها، يتابع أحد الأفراد شغف الأطفال لرؤية هذه السلحفاة الضعيفة، فتصرفه المشاهدة عن ري الأشجار وتطفح المياه فوق الحاجز.في «عملاقة» يرصد المسلم تفاصيل يوميات رب أسرة يتجاوز الخطوط الحمر، متحرراً من المحظورات. يحلم بأشياء كثيرة لا تمت بصلة إلى الواقع، يصحو على صوت يدل على نفاد الصبر... افتح عيني من غيبوبتي، من أحلامي من كوابيس أسأل نفسي: «أين؟ أين الحلم؟ هل الحقيقة حياة أم حلم؟ بل أين الواقع»؟ أقوم من مكاني أشرب قهوتي، أفتح صحيفة الصباح، تطالعني تفاصيل مأساة الموجة العملاقة وزلزال القرن في المحيط الهندي، أتذكر بعضاً من التحليلات العميقة أفتح التلفاز لأكمل الكابوس الإنساني أسأل نفسي: «هل هذه أضغاث أحلام أم واقع أليم؟» أغمض عيني وأتمنى أن توقظني يد رحيمة.يتساءل المسلم عن شخصية «مولودة» في قصة حملت الاسم ذاته، مترقباً مرورها، باحثاً عن عنوانها المدوّن في ورقة، وبين حقيقة وجودها وخياله الخصب، يلمح ابتسامتها المتفائلة عبر المرآة، يتتبع السراب فتختفي «مولودة» فجأة كما ظهرت، يبتسم مستسلماً: «وبقيت مكاني أراقب نفسي بالمرآة، ممنياً النفس بمعرفة أكثر قرباً بمولودة المغربية التي تعيش في جنوب أسبانيا».