الباحث عباس الحداد: دراستي الصوفيّة لا تعني أنني متصوّف!

نشر في 18-04-2009 | 00:00
آخر تحديث 18-04-2009 | 00:00
يؤكد الباحث د. عباس الحداد ضرورة بذل جهد أكبر لدراسة النتاج الأدبي المتنوع الذي تشهده الساحة المحلية، ويعتبر أن الحركة النقدية الراهنة لا تتواءم مع الإبداع السردي ونقلته النوعية، واصفاً العلاقة بين المبدع والناقد بالتكاملية. «الجريدة» التقته وحاورته عن قضايا أدبية متنوعة.

هل تعتقد أن النقد مواتٍ لحركة الإبداع بمختلف أجناسه الأدبية؟

علاقة النقد بالإبداع وطيدة، إذ يعتمد تطور العملية الإبداعية على الحركة النقدية الموازية لها، لأن الناقد هو المتلقي الخاص الذي يقرأ النص قراءة تسهم في فتح الباب على آفاق من التأويل والتفسير واستكمال فراغات في النص الإبداعي. وترتبط حياة النصوص وديمومة حضورها بتعدد قراءات القارئ الناقد.

الحركة النقدية في العالم العربي عموماً، وفي الكويت والخليج خصوصاً، لم تستطع اللحاق بالعملية الإبداعية. فقد حقق الإبداع السردي قفزة كبيرة، بحاجة إلى حركة نقدية مواكبة تتمثل في قراءة النصوص بنظرة نقدية ليس أساسها التقويم والتقييم فحسب، بل تسعى إلى الكشف عن التشكيل الجمالي والفني. وأحسب أن النقد العربي يعيش في كبوة نقدية وتقاعس حقيقي لسببين: غياب النظرية النقدية العربية واضحة الملامح المنهجية والأدوات الإجرائية، وانتشار النقد الصحافي للأعمال الإبداعية في مقابل انحسار النقد المنهجي الحقيقي الذي يضع الأمور في نصابها، ويشكّل إضافة حقيقية للنص.

هل يستطيع الناقد والمبدع التطوّر نحو علاقة تكاملية؟

يشي السؤال بأن بين الناقد والمبدع صراعاً. أعتقد أن الطرفين يشتركان في فعل الكتابة والإبداع، ويقومان بعملهما على فعل القراءة، سواء للوجود بالنسبة إلى المبدع أو للنصوص بالنسبة إلى الناقد، والعلاقة بينهما تكاملية وليست تناقضية، فالمبدع بحاجة حقيقية إلى قارئ واعٍ يكشف مواطن الجمال في النص، وهذه القراءة لا يستطيع القيام بها إلا القارئ الخاص أي الناقد.

يحلو لبعض النقاد والكتّاب تقسيم الأدب بين أدب المرأة وأدب الرجل، هل تنحاز إلى هذا التقسيم؟

الأجناس الأدبية مصطلح يقسّم الكتابات إلى شعرية ونثرية، وهذا أمر مشروع. أما التقسيم الذي تتكلّم عنه، فلا يتفق وطبيعة الأدب، الذي يتمتع بهوية واحدة سواء كان الكاتب امرأة أو رجلاً. وعلى هذا فإن تقسيم الأدب بحسب الجنس، وإن كان متداولاً، يظل بحاجة إلى مراجعة ومساءلة وضبط مصطلحي.

تُعتبر أحد الاختصاصيين في الأدب الصوفي من خلال أطروحتيك عن الشعر الصوفي، ما الذي دفعك إلى دراسة هذا الضرب من الأدب؟

جاء الدافع بعد قراءاتي المكثفة في أواسط الثمانينات من القرن الماضي حول التصوف والأدب الصوفي. إذ وجدت في التصوف من الناحية الأدبية والفكرية مادة ثرية للدراسة، وأرضاً بكراً لم يتناولها الباحثون سابقاً. وأتاحت المناهج النقدية الحديثة أدوات إجرائية كثيرة أمامي تفتح آفاقاً للتأويل وفهم النصوص بطريقة جديدة لا تتوقف عند حدود الشرح والمعنى؛ بل تتجاوزه إلى أبعاد أكثر تعقيداً في فهم العملية الإبداعية الصوفية، خصوصاً أن التصوف في أساسه يعتمد على الإلهام والتلقي.

وقد حمل الشعر الصوفي معاني وجودية ومعرفية كثيرة أفادت من التجربة الشعرية الغزلية والخمرية وأقامت بناءً دلالياً جديداً ينقل المعنى من الظاهر إلى الباطن، فلم يعد الغزل مرتبطاً بالإنسان بقدر ارتباطه بالحق، ولم يعد الخمر مقروناً بالشراب الذاهب للعقول وإنما صار هو الشراب الذي تشرئب إليه الأعناق وتتوق إليه الأرواح ترقياً في معارج الحق والحقيقة ومسالكهما، إنها خمرة المعرفة وقليل منها يشفي القلب.

لماذا ينظر البعض إلى الفكر الصوفي بريبة؟

لا تعني دراستي الشعر الصوفي أنني صوفي، فالتصوّف سلوك وتجربة صادقة، وأخلاق راقية نطمح إليها. وكما قيل: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم/ إن التشبيه بالرجال فلاح. وليس كل من درس موضوعاً في التصوف بات صوفياً، وإلا فإن دارس شعر أبي نواس لا بد من أن يكون نواسياً، ودارس شعر امرئ القيس لا بد من أن يكون على شاكلة هذا الشاعر...

ونظرة الناس إلى التصوف بريبة نابعة من أمرين:

1. جهل كثر بماهية الفكر الصوفي نتيجة عدم قراءة كتب الفكر الصوفي والتعرف إليها مباشرة من دون وسطاء. فضلاً عن تمسّك البعض بالقراءة التربصية، التي تتوخى الوقوف على عبارات وحكايات وأفعال تدخل في الشطح الصوفي ولا تلتفت إلى الجوانب النيرة والمشرقة في هذا المجال.

2. التأثير القوي في المجتمع لمن شمّر عن سواعده وراح يبحث عن» فضائح الصوفية» وانكب على «تحذير العباد من أهل العناد» وتكفير ابن عربي، لأنه تحدث بكلام يخالف عقائد البعض على رغم أنه كتب هذا الكلام إلى فئة من الخاصة تعرف ما يقال وتفهم ما يكتب، لذلك كان يستخدم في نهاية بعض عباراته فعل الأمر «افهم»، ما يؤكد وجود مخاطب ضمني مقصود.

كيف تعرّف التصوّف؟

التصوف في تعريفه البسيط سلوك وأخلاق حميدة، وتحقيق للحديث النبوي الشريف «الدين معاملة».

التصوف هو الأخلاق الحميدة القويمة. والصوفي لا ينظر إلى الإنسان من خلال عقيدته ومذهبه ودينه وعرقه، بل يتعامل معه على أنه أخ في الإنسانية، إن صدق معه صدقه وإن كذب عليه اجتنبه من دون النيل منه أو الطعن فيه. وهذا لا يمنع أبداً من أن التصوف، كغيره من الحركات أو المذاهب الفكرية، شابته أقوال وأفعال نرفضها، إذ إن التصوف في العصور المتأخرة ذهب نحو التركيز على الكرامات حتى غدا مقام الصوفي مقروناً بكراماته.

لماذا تسعى إلى جمع نتاج الشاعر والأديب الراحل خالد سعود الزيد؟

الوفاء هو الدافع الذي يجعلني أسعى إلى الحفاظ على نتاج معلمي الأديب خالد سعود الزيد، رحمه الله، لأن الوفاء كان صفته الملازمة، ولو تجولنا في إنتاجه الفكري سنجد أن كل مؤلفاته تعبيرعن الوفاء لأمر ما: الوفاء للكويت (في «الكويت في دليل الخليج») الوفاء للأدباء (في «أدباء الكويت في قرنين») الوفاء للفن القصصي والمسرحي (في «قصص يتيمة» و»المسرح في الكويت») الوفاء للشعراء (في ديوان «خالد الفرج» وديوان «محمد ملا حسين») الوفاء لسيد الكونين رسول الله (في «الشجرة المحمدية») الوفاء لأصدقائه الشعراء والأدباء (في «مراثيه») الوفاء لأهل البيت (في قصيدة الإمام علي).

كذلك تجلى الوفاء في شكره لكل من قدّم له معلومة أو أسهم فيها، من خلال ما ذكره في مقدمات كتبه، وفي تقديمه مؤلفاته لأعلام الكويت من الأدباء والمفكرين. ومن وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «أحفظ الله يحفظك».

ماذا يعني لك الزيد، وهل من ذكريات معيّنة معه تلازم خيالك؟

منذ التقيت به في صيف 1985 من خلال الصديق د. علي عاشور، أحمد قدري الذي جمعني بهذا الرجل المتأمل والمتدبر وصاحب الرؤى الصائبة والإحساس المرهف في الوجود. لقد أدبني فأحسن تأديبي، وأعطاني معرفة لم أتحصل عليها في أروقة الجامعة وقاعات الدرس، ومنحني من وقته الكثير، وصبر على نزقي وجهلي وسخافتي أحياناً، ولم ينفر مني ولم ينفرني منه على رغم قسوته كمعلم لا يقبل الليونة، بقدر ما يحمل من تسامح لمريده إذا أخطأ، لأنه يعلم أن من أخطائنا نتعلم لا من الصواب، ورحم الله أبو العباس المرسي حين قال: «كل سوء أدب يؤدي إلى أدب فهو أدب». وكان الزيد يقول، «كلما كان منطلقك في الأمر من الحق وسيرك باتجاه الحق كل خطأ في الطريق هو صواب يا بني، لأن الخطأ سيقودك حتماً إلى الصواب»، وذلك تأكيد لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات».

هل يلقى الرعيل الأول من المبدعين الكويتيين اهتماماً من ناحية جمع تراثه مثلاً أو إعادة طباعته ودراسته؟

يجعلني سؤالك أدين نفسي أولاً قبل أي أحد من الدارسين، فأنا من الذين أخذوا على عاتقهم العناية بإنتاج بعض أعلام الأدب في الكويت، إذ رحت أجمع وأوثق عنهم ملاحظات وأخباراً. وكانوا أسخياء في عطائهم، وجادوا عليّ بوقتهم وبالمخبأ من مخطوطاتهم وأوراقهم الخاصة ومحفوظاتهم الأثيرة، وحملت نفسي عبء تلك المهمة، وإن كنت ما زلت أعدّ نفسي من المقصّرين في حق أستاذي الزيد، رحمه الله، على رغم من حفظ مجموعة من دراساته ومقالاته في كتاب «إطلالة على سيف كاظمة» وجمع آثاره الشعرية الكاملة في ديوان أعددته أنا والصديق الدكتور علي عاشور. كذلك أخرجنا معاً كتاباً عن سيرة الزيد ومنهجه في التأليف، وما زالت لدي أعمال لا بد من أن أنجزها عن الزيد إن شاء الله.

كذلك أجد نفسي مقصراً أمام أستاذنا الشاعر الكبير علي السبتي حفظه الله رائد الشعر الحديث في الكويت والخليج. هذا الإنسان الذي طرقت بابه في عام 1999 أسأله عن تجربته الشعرية والصحافية والحياتية، فكان أكرم الأدباء عطاء وسخاء في الاستقبال والحديث، وما سألته عن مسألة إلا وأجاب وعزز الإجابة بكتاب، حتى أخذت منه ما يكفي لإنجاز دراسة شاملة عن سيرته وتجربته الشعرية. وجاءه أحدهم يوماً يسأله في بعض الأمور ويطلب منه قصائد فقال له: «أودعت عباس أشعاري وأسراري، فاذهب إليه تجد ما ليس في داري». وقد تأخرت لظروف خاصة وانشغالي بالتدريس في الكلية، لكنني آليت على نفسي الانتهاء منه خلال الأشهر المقبلة.

وعلى ذلك فإن الأدباء الأوائل بحاجة إلى عناية بتراثهم الأدبي والفكري وجمعه ونشره ودراسته كي يتسنى للأجيال القائمة والمقبلة من الأدباء الاطلاع عليه والإفادة منه.

الحديث عن الحركة الثقافية في الكويت لا ينقطع، والكل يتذمر من تأخّرها على رغم أنها كانت سابقاً مثلاً يحتذى خليجياً وربما عربياً، فما الذي تحتاجه اليوم؟

الحركة الثقافية في الكويت جزء من الحركة الثقافية في العالم العربي، التي يبدو فيها الإقبال على ثقافة جادة تبني الإنسان والمجتمع باهتاً.

ما يسمى بتأخر الحركة الثقافية في الكويت، مع تحفظي على كلمة تأخر، له علاقة وطيدة بعلاقة الثقافة في المجتمع والمثقف بالسلطة، فالثقافة التي لا تؤثر في المجتمع ولا تتأثر به سلباً وإيجابا ثقافة «ميتة». كانت الحركة الثقافية في الكويت سابقاً متفاعلة مع المجتمع، وبدوره كان متفاعلاًَ معها، بالإضافة إلى الدعم المادي والمعنوي من الدولة ومؤسساتها. بل يمكننا القول إن الدولة كانت ترعى مشروعاً ثقافياً تجلى في مجلة «العربي» و{عالم المعرفة» ورعاية الحركة المسرحية... وأذكر في هذا المجال أنه عندما بدأ البرنامج الثاني في البث عام 1978، على ما أظن، كان معظم برامجه ثقافياً بامتياز، وكان الأستاذ فاروق العمر يقابل كبار الأدباء والشخصيات الأدبية التي كانت تزورالكويت آنذاك. أمااليوم فأتساءل: ما هو حجم البرامج الثقافية في تلفزيون الكويت؟ وهل قناة «العربي» الثقافية التي انطلقت حديثاً ستحقق حلماً ثقافياً طالما حلمنا به بوصفها قناة ثقافية متخصصة تعني بتوجيه الثقافة الجادة إلى المجتمع؟

ما يمكن أن نطلق عليه تأخر الحركة الثقافية في الكويت له عوامل كثيرة متداخلة ومتشابكة، يؤثر عليها أيضاً ارتباط الثقافة في المجتمع بالأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية مداً وجزراً. لذا لا بد من فتح حوار بين مؤسسات الدولة وجمعيات النفع العام المعنية بالثقافة وتثقيف المجتمع كي نتمكن من الوصول إلى حلول تساعد على النهوض.

back to top