غضب لسلمان رشدي... حقيقة الولايات المتّحدة

نشر في 29-04-2009 | 00:00
آخر تحديث 29-04-2009 | 00:00
No Image Caption
تحتاج رواية «غضب» لسلمان رشدي الصادرة ترجمتها حديثاً عن «دار التكوين» في دمشق و{دار الجمل» في بيروت إلى جهد إضافي لاستيعابها والإحاطة بمضمونها من الجوانب كافة.

ترد في الرواية أسماء شخصيات واقعية وأبطال شاركوا في أحداث القرن العشرين. كذلك تتداخل الأحداث بالسرد الإضافي الذي يطرحه الكاتب لإبداء رأيه بالمشكلة بطريقة أو بأخرى.

يصوِّر المؤلف حياة رجل هندي يعيش في بريطانيا ويعلّم في إحدى جامعاتها. يقرر ذات مرة التخلي عن هذه المهنة ليتوجه إلى تحقيق رغبته وصقل موهبته في إبداع شخصيات تاريخية متنوّعة على شكل دمى.

يحقّق الهندي شهرة واسعة في لندن ويكسب نقوداً كثيرة... تبدو القصة إلى الآن عادية، لكنها تأخذ أبعاداً درامية بعد أن يقرر الرجل فجأة التخلي عن كل شيء في حياته، مهنته وعائلته المؤلفة من زوجته وولده، والهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية هرباً من شبح الغضب والخوف من محاولته في بريطانيا ارتكاب جرم بحق عائلته عندما اقترب من زوجته وهي نائمة وبيده سكين.

وسائل الإعلام

تأخذ أحداث الرواية أبعاداً أخرى عندما يسرد الهندي تفاصيل قصته على فتاة مهاجرة حديثاً إلى أميركا ومولودة لأب شاعر وكاتب كبير في بلده صربيا. فيبدي لها انزعاجه من الأبعاد المالية التي آلت إليها الشخصية الرئيسة في سلسلة دماه المعروضة كمسلسلات تلفزيونية، ما أبعدها برأيه عن كل ما أراده لها، لكن وسائل الإعلام أبت إلا أن تحرفها عن اتجاهها الأصلي، الأخلاقي والمعرفي.

يشرح الكاتب موقفه السلبي من الوسائل الإعلامية في الغرب. ففحوى غضبه نابع منها، لكنه لن يجد ما يريح أعصابه في الولايات المتحدة الأميركية التي يصف شعبها بأن جميع أفراده يعرف ويحفظ ظهراً عن قلب أسماء عشرة إلى خمسة عشر دواءً من عقاقير المهدّئات بفعل التوتر والقلق وغرابة الحياة. والأطباء برأيه جاهلون وعلى رغم ذلك هم أصحاب سلطات تقرر في حياة البشر.

يحكي رشدي عبر صفحات كثيرة عن علاقته بهذه الشابة وكيف حاولت تمتين أواصر الصداقة معه، ومحاولتها إنقاذه من غضبه وقلقه، محللاً أن اندفاعها هذا جاء لمصلحة شخصية أنانية، وهي التعويض عن فقدانها والدها.

وعلى رغم فشل العلاقة، إلا أنها تُدخل الإثنين في علاقة أخرى مستجدة قائمة على استغلال موهبة البطل في صنع الدمى لإنشاء لعبة إلكترونية، ما يؤدي إلى نجاح منقطع النظير. وتأخذ الشخصيات الجديدة منحىً تجارياً أكثر قوة من سابقاتها في لندن.

خطورة

يشير الكاتب إلى خطورة الاكتشاف الإلكتروني الذي أدخلنا في لعبة مماهاة بين دمية البطل والأحداث في بلدان يبدو أنها من دول العالم الثالث.

تتخذ الشخصيات في تلك البلدان ملامح وأسماء لعبة البطل الذي يؤكد أن الذين يقومون بالثورات أسوأ من الحكّام الذين تقوم الثورات ضدهم.

يبحث الكاتب في أسباب الغضب الكامنة في إنسان هذا القرن المضطرب والمليء بحركة وتغييرات لا تنتهي ولا تعرف قراراً تقف عنده، مشيراً إلى آثارها الكثيرة ونتائجها غير الحميدة.

كذلك يقف ملياً في أسباب وقوع الجرائم في الولايات المتحدة الأميركية التي تأخذ أبعاداً خطيرة، خصوصاً إذا كانت دوافعها جنسية فانتازية، تماماً كما يفعل بعض الشباب الأثرياء الذي ينفّذ هواياته في إغواء الفتيات، ثم يقتلهنّ وسط طقوس وعادات غريبة.

يجسّد الكاتب بعناية مسألة الحقد والانتقام من خلال المهاجرة الصربية وبطل الرواية، فالفتاة تريده أن يؤدي دور والدها ويبدو أن علاقتها بالأخير كانت تأخذ حيزاً غريباً ومشيناً. أمّا البطل فيرفض الانصياع لقوانين هذه اللعبة.

وإضافة إلى تصويره نظرة المجتمع الغربي إلى المرأة التي يراد لها أن تتشبّه بالدمية، فيما تتحوّل الدمية إلى إنسان، تمتد مقاربة الكاتب لتشمل واقع الإنسان عموماً. إنه عصر الافتراض والدمى، إذ يبتعد المرء عن طبيعته ويراد له أن يصبح شيئاً من جماد لا يشعر. وقد أجاد الكاتب توصيف هذه الصورة بدقة عالية.

ترجمة أعمال رشدي إلى العربية تغني مكتبتنا لأنها تلقي الضوء على كاتب لم نعرف عنه سوى مواقف سياسية اتُّخذت بحقه بسبب روايته الشهيرة «آيات شيطانية».

back to top