في ذكرى رحيله الـ 20 جورج شحادة... المسرح بروح الشعر

نشر في 08-05-2009 | 00:00
آخر تحديث 08-05-2009 | 00:00
No Image Caption
عُرضت أخيراً في لندن مسرحية مقتبسة عن مخطوطة أصلية لترجمة «حكاية فاسكو» إلى الإنكليزية للكاتب الفرنسي - اللبناني جورج شحادة، والتي قُدمت في باريس عام 1957 وأثارت جدلاً واسعاً خلال حرب الجزائر.

تمر هذا العام الذكرى العشرون لرحيل جورج شحادة، وهو بلا شك أحد أبرز الشعراء وكتاب المسرح الفرانكفونيين وأكثرهم تأثيراً في الجمهور. تركت أعماله المسرحية صدى، ومن بينها تلك التي عرفت طريقها خلال الخمسينات والستينات إلى مسارح مدن أوروبية. ونعرف من خلال قراءة بعض شهادات الكتّاب عنه قيمته في الأدب والمسرح، فقد كتب الشاعر اللبناني صلاح ستيتية: «المفتاح الأساسي لشعر جورج شحادة يكمن في المسافة الجغرافية التي تنقّل فيها وحيث تمتزج روائح ضفتي البحر الأبيض المتوسط». أما الروائي المغربي الطاهر بن جلون فرأى أن «موطن شحادة الحقيقي هو الشعر، هذا الشعر الذي ظل مخلصاً له حتى النهاية، جاعلاً منه سلاحاً يحميه من جميع النعرات الآيديولوجية والدينية والعقائدية التي تسببت في حرب دامية مزقت بلاده على مدى 18 عاماً». ووصفه الشاعر الفرنسي سان - جون برس بأنه: «... آت من هذه الأقاليم، حيث تنتظم كل هندسة صافية. سليل العائلات الإنسانية حيث لا يعرف من الورد غير العبير، ومن اللؤلؤ غير الشرق. رغم ذلك يحدّثنا عن تمرّد الورد، وعن ظهور الكواكب المهملة»...

ثلاث شهادات تكفي لتبيّن أهمية هذا المسرحي والشاعر المولود في الإسكندرية (مصر) من عائلة لبنانية بورجوازية، وجدت نفسها مضطرة بسبب فشل أعمال الأب التجارية إلى العودة إلى لبنان عام 1920.

في بيروت درس شحادة الحقوق، وعمل موظفاً لدى الكوميسارية الفرنسية العليا ثم في وزارة العدل، وبعدها كأمين عام لمدرسة المعلمين العليا. وعلى رغم تمكّنه الجيد من اللغة العربية، كان لا يستعمل غير الفرنسية في كتاباته. ومنذ منتصف العشرينات شرع في نشر بعض الأعمال الشعرية.

سوريالية

عام 1933 تعرّف في فرنسا على شعراء كبار أمثال، سان جون بيرس وماكس جاكوب وجول سيبرفييل، وعلى تيار السوريالية الذي مثّل حافزاً حاسماً بالنسبة إليه. أوضح شحادة أن مؤسس السوريالية أندريه بروتون أحب شعره منذ أول لقاء بينهما. ربما لأن شحادة لم يكن يعترف بأدب يقوم على الفكرة أولاً، بل على الأسلوب، وأسلوبه فيه مميزات كثيرة من تحديدات السورياليين لشروط الكتابة.

وعلى رغم أن شحادة يرفض الكتابة الآلية التي دعا إليها السورياليون، فإنه في مستهل تفتّح تعبيره الشعري استسلم الى ما يشبهها، لتنطلق صوره بكامل حريتها في جو من النقاوة اللاإرادية الهاذية بمخزون الأحلام. وبعد استقراره في باريس عام 1949 ساهم لمدة طويلة في نشاطات المجموعة السوريالية.

لم يكن غريباً أن ينطلق المسرحي اللبناني الى عالميته بالفرنسية، ومن باريس تحديداً. فالكتّاب والفنانون الأجانب الذين غزوا العالم عبر هذه اللغة ومن تلك المدينة لا يحصون. ويكفي أن نذكر أنّ المسرحيين الخمسة الذين نهض المسرح الطليعي على أكتافهم وتبنتهم باريس وأطلقتهم، لم يكونوا أصلاً فرنسيين، وهم: الإيرلندي صموئيل بيكيت، الروماني يونيسكو، الروسي آرتور أدامو، والأسباني فرناندو آرايال.

اللامعقول

كان الشاعر أدونيس أكثر من ترجم أعمال شحادة، لا سيما أن مسرحيات الأخير كافة كُتبت بالفرنسية ومُثّلت فوق مسارح أوروبية وبيروتية. وعنه قال المخرج المسرحي الفرنسي جان لوي بارو: «اقترن اسم شحادة بكتّاب الطليعة، أو بمسرح اللامعقول والعبث ليحتل مكانة خاصة بين الكتاب الطليعيين، لأنه كان الوحيد من بينهم الذي يكتب المسرح الشعري منضمّاً بذلك إلى كل من جان جيردو وبول كلوديل، وجان كوكتو». وفي دراسة بعنوان «ظل الوردة - دراسة في مسرح جورج شحادة» للباحث علي محمد سليمان، يُحدد الأخير مسرح شحادة فنياً وفكرياً بقراءة ذات مستويات عدة.

يبيّن المستوى الأول الخصائص الدرامية في بناء النص المسرحي، فيما يصوّر الثاني الشعرية التي تنضح بها نصوص شحادة لغةً ورؤيةً وبناءً، ويشرح المستوى الثالث العالم الذي شكّله المسرحي بغرابته وخصوصيته، وتتوضح في المستوى الأخير رؤية شحادة الفكرية والانسانية وموقفه من علاقة الإنسان بالواقع والعالم.

الواقع بالنسبة إلى شحادة، بحسب الباحث، «ليس أكثر من مواضعات متفق عليها تاريخياً واجتماعياً لا تكتسب أبداً قيمة مطلقة. هذا الواقع ليس صورة للحقيقة، ولا مرآة لها، وبالتالي ليس مرجعاً كما يُسمى بالحقيقة». لأنَ الحقيقة لدى شحادة ظل واقع لا يُرتسم ولا نراه إلا بواسطة ضوء خاص. ضوء ينجح شحادة في تسليطه على الحياة بأسلحة الشعر والخيال، طالما الحياة الواقعية ناقصة، لأنَ عمرها محدود، وبنقصها هذا تعجز عن امتلاك الحقيقة، ولا تكتمل إلا بالنوم، أي بالحلم القادر على تجاوز سيطرة الزمن ومحدوديته... وشحادة «يحوَل المسرح بعناصره اللغوية والدرامية إلى قصيدة تتقاطع مع الواقع بمفرداتها، وتتجاوزه بمعناها ودلالتها، كما يتقاطع الحلم بصوره مع الحياة الواقعية ويتجاوزها بمعناه ودلالته».

«إنه الوحيد الذي يجعل أجسادنا بطعم الفواكه النبيلة، وبطعم الخزف الأصيل» قال أحد النقاد، واصفاً مسرح جورج شحادة الذي يلتقي في نقاط كثيرة مع مسرح العبث، من خلال تبنيه أساليب الأخير الفنية في الكتابة المسرحية وفي خصائص البناء الدرامي.

كتب شحادة مسرحيات كثيرة، ورغم ذلك لم يكتب شيئاً غير الشعر، لأنَ الكتابة التي لا تقول شعراً تكوّنه، أو تُشير إليه، وشعره هو شِعر الشعور بالغربة، ومحاولة التحايل عليها أو السخرية من أشياء تغذّيها.

بيروت

عام 1969 عاد شحادة إلى بيروت، ثم غادر لبنان مجدداً عندما رأى أن أوضاع الحرب الأهلية ليست مقبلة على نهايتها. وعام 1986 منحته الأكاديمية الفرنسية جائزة الفرنكوفونية الكبرى. أولى مسرحيّاته كانت «السّيد بوبال» التي عُرضت في باريس. وكرّت بعدها السُّبحة فكتب «سهرة الأمثال» و{حكاية فاسكو»، والأخيرة تعتبر الأهم بين مسرحيّاته، ثم كانت «مُهاجر بريسبان»، وأخيرًا «البنفسج».

back to top