بين الترفيه والإعلان
ما إن يقترب رمضان المبارك في كل عام حتى يبدأ الناس على اختلاف أجناسهم وأعمالهم بالاستعداد لدخول هذا الشهر الفضيل الذي يختلف عن باقي أيّام السنة شكلا ومضمونًا. يعتكف بعض الفنانين مثلا عن اقامة الحفلات ويقضون معظم وقتهم مع عائلاتهم ويتقاسمون موائد الافطار سوياً. أمّا التجّار فيتنافسون بين بعضهم ويجولون اصقاع العالم لجلب البضائع الجديدة ويتاجرون بها بغية تحقيق المزيد من الأرباح. اما وسائل الاعلام فتعد العدّة وتحضّر طوال السنة لتلك المناسبة من خلال اعداد برامج وتسجيل حلقات وتجهيز مسابقات، هدفها الرئيس التسابق للحصول على اكبر قدر من الاعلانات لتحقيق مكاسب مالية ضخمة عبر الترويج للسلع والمنتجات، متناسية التربية الدينية والروحانيات، فيبقى الإيمان وحده بعيداً كلّ البعد عن شاشاتنا ويصبح الشهر الفضيل للترفيه والسهر بدلا من الصلاة والإيمان.
تستطيع وسائل الإعلام أن تقوم بدور كبير وتساهم بشكل فاعل في دعوة الناس إلى عمل الخير، تصل الإذاعة والتلفزيون مثلا إلى المستمعين والمشاهدين في كل مكان، خصوصًا إلى الطبقة الشبه أمية، وهما أقدر الوسائل الإعلامية تأثيرًا فيها، وإذا استغلا بالشكل المطلوب والحسن خلال رمضان يستطيعان الوصول الى مجموعة أهداف من الصعب تحقيقها في أي وقت آخر من السنة، ذلك أن نسبة المشاهدة تكون في أوجها. من هنا، يرى البعض، وخصوصًا رجال الدين، أنه لا بدّ من الاستفادة من تلك الفرصة لتصحيح فكر المشاهد وحثّه على الصلاة والإيمان بدلا من اعطاء التسلية والترفيه المساحة الزمنية الأطول من البث على الهواء.حول الإشكاليات التي ترافق برامج شهر رمضان على الشاشات وتحويل أهدافه إلى مجرد رسائل إعلانية، استطلعت «الجريدة» أراء مجموعة من الإعلاميين ورجال الدين.رابعة الزيّاتأصبح رأس المال مسيطراً على العالم أجمع وتحولت المناسبات الدينية للأسف الى مناسبات استهلاكية بامتياز، غدا رمضان الفضيل، الذي يجب أن يكون شهر الصلاة والتوبة والمحبة، شهراً للتسلية والترفيه والاستجمام. يتحمّل الاعلام نوعا من مسؤولية هذا التدهور من خلال البرامج التي يعرضها والتي لا تتناسب مع جوهر المناسبة. لست ضد برامج المسابقات او الالعاب التي تعتمد على اتصالات المشاهدين مثلا، لكنني ضدّ الإفراط بها. أؤيّد التوازن بين البرامج الثقافية والفنية والدينية والمسابقات لأن الانسان يحتاج احيانا، خصوصا ايّام الاعياد، الى بعض الترفيه والشعور بالسعادة. تكمن المشكلة الأساسية في أن الاعلام تحوّل آداة بيد قطاع الاعلان وشركات الانتاج التي تفرض شروطها عليه، من هنا لم يعد للبرامج الهادفة مكان على الشاشة، لأنها بنظر تلك الشركات لا تحقق الربح المادي المقبول، وهو طبعا غير صحيح. من ناحية أخرى، أؤيّد البرامج التي تقوم على مساعدة الناس شرط ألا تتحول الى مذلّة، بمعنى ألا نجعل الشخص المحتاج مصدرا للشفقة لنؤمّن له ما يتوافر من مساعدات، وأطالب بألا تقتصر تلك البرامج على شهر رمضان الفضيل فحسب بل يجب أن تمتد الى باقي ايّام السنة.نادين فلاحنعيش منذ ثلاث سنوات تقريبا حالة مغايرة لمفهوم رمضان الحقيقي، وأصبح همّ كثر من الناس الترفيه والـ show off والسهرات، انعكس هذا التغيير على البرامج التلفزيونية وخصوصا برامج المنوعات لأن سوق الاعلان اصبح يتحكّم بالاعلام الذي خضع بدوره لمفهوم العرض والطلب. لا أرضى بهذا الواقع وأشعر أحيانا أن البعض وصل إلى المتاجرة بالدين، لأن همه الأساسي ليس المضمون الإنساني بل تحقيق أعلى نسبة من الشهرة والإعلانات والأرباح. أستغرب حين يطلّ البعض في برنامج خاص بالشهر الفضيل ويتناول فضائح النجوم ومشاكلهم، أين المغزى الحقيقي لرمضان ضمن هذا البرنامج؟ أين الإفادة من البرامج التي تقتصر على المسابقات واتصالات المشاهدين؟ وحدها الشركات تستفيد لأنها تربح أموالا طائلة من تلك الاتصالات.على مدى ثلاث سنوات، قدمت برنامجاً ترفيهياً على شاشة «روتانا»، لكنه لم يوافق طموحاتي لأن همي الأساسي هو صناعة برنامج تستفيد من خلاله الشريحة الأكبر من المجتمع. وضعت منذ سنتين صورة لبرنامج ضخم يغيّر حياة الملايين من البشر ويزرع الأمل في قلب كل انسان، لكني صدمت بالواقع الذي لا يقبل مثل هذا النوع لأنه يتطلب انتاجاً كبيراً تفضِّل شركات الانتاج توظيفه في برامج المنوعات. أتمنى أن يكون هدف كل إعلامي خلال هذا الشهر تحقيق فائدة معينة للمجتمع في زمن انتشر فيه الفساد والشر، فالإعلام هو الموجّه الأول للإنسان ويؤثّر فيه بشكل كبير. في النهاية، أتمنى رمضانًا كريمًا للوطن العربي وأرجو أن يحل السلام محل الحرب، والحب محل الكره.يمنى شرّيليست برامج المسابقات والربح بالاختراع الجديد، وأؤيد هذه النوعية خلال شهر رمضان الفضيل، لأنها تدخل البهجة والسرور الى القلوب في وقت يعم فيه الحزن والحروب العالم أجمع. يحب المشاهد الاتصال بالمذيع والاحتكاك به مباشرة والحصول على جائزة في حال عرف الجواب عن السؤال المطروح او المسابقة. اما من ناحية المؤسسات الاعلامية فهي تضع زخمها الأكبر خلال هذا الشهر من تحضيرات وأموال، لأنها تعرف تماما أن صرف الأموال ستقابله أرباح ضخمة، من كم الاعلانات الكبير الذي تشهده تلك الفترة. يحقق هذا الشهر اكبر نسبة متابعة للشاشة الضغيرة من باقي ايّام السنة، فتختار المؤسسات الاعلامية البرامج التي يتفاعل من خلالها المشاهد، لذلك تركز على برامج المسابقات والالعاب التي تقوم على اتصالات المشاهدين. اللافت أن الجوائز في تلك النوعية من البرامج تكون قيّمة جدّاً وتتنافس القنوات بين بعضها لتقديم العدد الأكبر منها. في هذا السياق، أؤيد برامج المسابقات التي يعود ريعها الى مؤسسات خيرية تعنى بالأيتام والعجزة والفقراء، ما يناسب معاني هذا الشهر الفضيل، وأرفض مقولة إن تلك البرامج هدفها النصب والاحتيال على المشاهد، فالمشاهد العربي ذكيّ جدّا ويعرف التمييز بين نوعية البرامج السيئة والجيّدة. من ناحية اخرى، لا اؤيد البرامج التي تعرض الفضائح والصحافة الصفراء في أيّام رمضان. أتمنّى رمضانا كريما للشعب العربي أجمع وأن تكون أيامه مليئة بالفرح والمحبة والسلام.رأي الدينيجب أن نوظّف التلفزيون للدعوة الى القيم والمبادئ السامية والخلق الرفيع، لكن ما نراه أن الانسان الذي هو بنيان الله في الارض، وملعون من هدم هذا البنيان، يُستعمل للسلع الرخيصة، فتستعمل المرأة والرجل للإعلان عن شيء رخيص لا قيمة له لتحقيق أرباح كثيرة. من هنا لدينا في الاسلام ضوابط أخلاقية تجاوزتها وسائل الاعلام وتحوّلت الى اعلان عن سلع تجارية وبرامج سخيفة، الى درجة ان الناس بدأوا يعتقدون ويقتنعون بمقولة الغاية تبرر الوسيلة حتى لو كانت الوسيلة هدّامة. ما يحدث في رمضان عمل خطير جدّاً لا يمكن وصفه، لا يلتفت الاعلام الى البرامج ذات المغزى والمفيدة، إضافة الى عرض الدعايات والتسويقات التي تفسد عقول المشاهدين وتخرجهم عن معنى هذا الشهر الفضيل، لذلك ننصح ألا يتابع الناس التلفاز في رمضان لأن هذا الوقت هو من أثمن الأوقات وأقدسها، واذا استخدم في اللهو والمعاصي ذهب الأجر الكبير عند الله. أصبح الناس يتهافتون الى المسلسلات وبرامج المسابقات في رمضان التي تستضيف الراقصات والمغنيات اضافة الى فوازير رمضان، هذا كله لإفساد عظمة هذا الشهر العظيم وإبعاد الناس عن مضمونه الحقيقي. فيه ولد القرآن الكريم وأقل ما يجب فعله هو أن يكون وقتنا تمجيدا وصلاة وتفسيرا لمعانيه وأن تعود برامجنا التلفزيونية بالفائدة على المجتمع، لكن الانسان راهنا يهجر القرآن ويذهب الى المسلسلات وبرامج المسابقات، وتصبح الممثلة هي الرائدة والمثقفة والموجهة للشباب، فيفقد هؤلاء ثمرة انتمائهم الى دينهم وقوميتهم ولغتهم. بات الإعلام وسيلة مدمّرة تسيء بشكل فاضح الى المجتمع وتعتمد احيانا الشعوذة وطب الجن والتضليل. الجيل الراهن مهدد في اخلاقه وانتمائه وثوابته، ويريد اعلامنا أن يلاقي إعلام الغرب حيث يسلخ الفرد عن أسرته. لكن الغرب أمّن كينونة لهذا الفرد وبدل الأسرة كانت الدولة، لكن اعلامنا سلخ الولد عن اسرته ولم تحمه دولته. أتوجه الى وزارات الاعلام في وطننا العربي أن يتقوا الله تعالى في رمضان، يحتاج الانسان فيه الى تثقيف وشحن ايماني نوراني (يتجلى الله تعالى على الارض في شهر رمضان) من دون أن يكون شحنا طائفيا او مذهبيا لا سمح الله. نوم الصائم عبادة وصمته تسبيح ودعاؤه ذكر وذكره خشوع، لكن الاعلام يفسد النوم والصوت والتأمل والتبصّر، نطالب كرجال دين ان يكون هناك ثورة اعلامية تنصر المبدأ على المادة والإعلام على الإعلان. تتلقى برامج المسابقات ملايين الاتصالات لترجيح مغنية على أخرى مثلا او أغنية على أخرى، فما هي الفائدة من مثل هكذا برامج؟ علما أن تلك الاتصالات تعود بأرباح طائلة الى شركات الاتصال لا الى الفرد، وتهدف الجوائز التي توزّع، إلى شدّ المشاهد وابعاده عن المعاني الحياتية السامية. كذلك يسأل المقدم في بعض البرامج سؤالا ويتلقى اتصالات عدة مقابل جائزة لمن يعرف الجواب الصحيح، لكن بعض من هؤلاء المتصلين لا يكملون البرنامج فيبقى الجواب الخاطئ في ذهنهم، ولا يكون الجواب في كثير من الأحيان شافيا. اذاً إعلامنا للإعلان وليس للتثقيف او التعليم، تمنينا أن يكون اعلامنا احتفاءً بالأدباء والمثقفين وصورة عن المرأة والزوج المثاليين اللذين يمثلان الامّة الصالحة. اما اليوم يريد اولادنا ان يكونوا فنانين وليس مهندسين او دكاترة او اساتذة او خبراء، وهذا هو المجتمع المشلول. ليس هناك من فتاوى تمنع مثل تلك البرامج، لكننا ندعو الى التنوّر والابتعاد عنها، لأن هذا الامر فيه من الحرام وليس من الحلال. يجب ألا نيأس، فالإعلام وسيلة مهمة، وأن نضيء شمعة ونرفع صوتنا وأن يكون لدينا دعوة الى العلم وليس الى الجهل والى ترشيد الاعلام، ندعو كل الاديان السماوية الى ذلك، فالحرام حرام عند الجميع لكن اختلفت الأسماء، أما الدعوة فهي متقاربة.الشيخ عبد الرحمن شرقية عضو المجلس الإسلامي الشرعي الأعلىللطائفة السنية في لبنان