كارنيغي... ومريض الشرق الأوسط

نشر في 25-06-2008
آخر تحديث 25-06-2008 | 00:00
 عصام الدسوقي قبل أيام استضافت «الجريدة» حلقة نقاشية ضمت أربعة باحثين متخصصين في قضايا الشرق الأوسط بمؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي؛ الدكتورة مارينا أوتاوي والدكتور غانم النجار والدكتور بول سالم والدكتور عمرو حمزاوي، وتناولت الحلقة حزمة من قضايا المنطقة والشرق الأوسط والديمقراطية وحركات المعارضة.

وعلى الرغم من الإغراق الشديد في القضايا السياسية وأبعادها وتأثيراتها ومستقبلها واصطلاحاتها المركبة والمعقدة، فإن تفاصيل ما جرى من نقاش كان أشبه بـ«العملية الجراحية الافتراضية» التي أمسك خلالها «جرّاحون» سياسيون بمباضعهم وأخذوا يشرِّحون القضية تلو الأخرى على خريطة الجسد العربي الشرق أوسطي، الذي يعتبره كثيرون، الأكثر مرضاً واعتلالاً على مستوى العالم. وأثناء النقاشات الساخنة التي تخللتها الحلقة النقاشية، برزت قضايا معقدة ومتشابكة انتقلت بحرفية ومهارة بين الأنظمة وحركات المعارضة والتدخلات الأجنبية والصراعات والأزمات السياسية والاجتماعية في المنطقة والعالم، غير أنه وسط تلك الأجواء المفعمة بالاصطلاحات والتحليل السياسي المعمق، فوجئت بأن فكري قد جال بعيداً عما يدور في الحلقة النقاشية في جولة تخيّلية بدا فيها المشاركون كما لو كانوا في غرفة عمليات هيأتها صحيفة «الجريدة» في إحدى قاعاتها التي تفتقر إلى أي تقنيات طبية أو جراحية -لا حديثة ولا عتيقة- وغاب عنها أبسط التدابير والترتيبات الصحية اللازمة لإجراء عملية جراحية، واختزلت الامكانات كلها في أربعة جراحين شاركوا في إجراء «عملية جراحية عاجلة»، وبدوا -رغم حرصهم ومهارتهم- أنهم نسوا ارتداء أقنعة الجراحين التي تقيهم شر الوقوع في «فخ الغيبوبة» الناتج عن رائحة المخدر التي انبعثت من «الجسد المريض» وعبّأت أجواء الغرفة بأسْرها.

وهنا يتساءل المرء، وهو يهيم على وجهه في تلك الجولة الافتراضية: هل من الممكن أن تؤتي عملية جراحية يتم إجراؤها في هكذا ظروف، ثمارها، ويفلح الجراحون في إنقاذ «المريض الشرق أوسطي» من الملمات والعلل التي تضرب مناطق عدة في جسده؟... ويبدو أن التساؤل كان صادماً إلى حد الإفاقة من الحالة الافتراضية بالنسبة إليّ، لأجدني أفيق على أمراض وعلل سياسية واجتماعية وهيكلية ربما أشد وطأة من حالة المريض نفسه.

فهناك تشخيص آخر بعيداً عن عالم الطب والجراحة، يبدو أكثر إيلاماً ومأساوية يعتري الجسد العربي ومنطقة الشرق الأوسط، وتتلخص أعراضه بين؛ مسرح غائم، ومشهد رمادي، وبطة عرجاء، وبناء تحالفات، وكوارث محدقة، وفوضى محتملة، وعنف مرشح، وانحسار للعقلانية، وقبضة خانقة لأنظمة استبدادية، وأزمات خلافة، وصراعات مستقبلية، ومناطق نفوذ، وحرب باردة إقليمية جديدة.

ليست تلك هي العلل التي يعانيها المريض فحسب، بل برز في ذهني أثناء النقاش أيضاً، ذلك النوع الفريد من «الزواج» الذي تحتضنه المنطقة وترعاه -خير رعاية- وهو طراز نادر ومثير يختلف عن سواه من أشكال الزواج الشاذة التي باتت تتخذ مشروعية في الغرب، متمثلاً في «زواج المثليين» الذي ربما يبدو أخف وطأة وأكثر قبولاً إذا ما قورن بالزواج الشرق أوسطي «الثلاثي الأطراف»، والذي يعمل على «لم شمل» أطراف ثلاثة: «أنظمة، فساد ومؤسسات أمنية» جمعها سوياً رباط مقدس ذو طابع حديدي يشبه «الزواج الكاثوليكي» غير القابل للانفصام، مهما سعى باحثو «كارنيغي»، بل وباحثو العالم كلهم، إلى إيجاد تشخيص أو علاج تلك الحالة المرضية المستعصية التي تسللت إلى دوائر السياسة والاقتصاد والمجتمع وبيئة الأعمال والنظم المؤسساتية السيادية في كثير من دول المنطقة العربية.

وإثر زوال تأثير «المخدر» الذي رافقني في الجولة الافتراضية والعملية الجراحية التي تخللتها، تبين أنه لم تكن هناك عملية جراحية في الأصل، بل كل ما في الأمر أن هناك «حالة مرضية»، هي عبارة عن بقعة جغرافية كاملة من خريطة العالم تحمل مسمى «الشرق الأوسط»، قد وصلت إلى مشفى «الجريدة» البحثي في حالة شبه ميئوس منها، أملاً في التوصل إلى تشخيص دقيق وجاد لمعرفة أسباب الاعتلال المزمن الذي يصيبها منذ أمد بعيد، وسعت غرفة الاستقبال في مشفى الطوارئ الذي أقامته «الجريدة» بصفة مؤقتة لفترة لم تتجاوز ثلاث ساعات، إلى تشخيص حالة المريض وتحديد طبيعة المرض والجروح الغائرة والندبات المحفورة في جسده، وأسباب النزيف المستمر الذي يعانيه، غير أن دور باحثي «كارنيغي» قد انتهى عند تلك المرحلة، وهمّوا بنفض أيديهم عن المريض، تاركين «تشخيصهم للحالة» أمام العيان، في الهواء الطلق، في انتظار قدوم «جراحين مهرة» ربما يتمكنون من إنقاذ المريض وإسعافه قبل فوات الأوان!

back to top